صالون الصريح

علمتني الصحافة…

كتب صالح الحاجة

ع.ز. رحمة الله عليه كان من أمهر الصحفيين في تونس ولكنه للاسف الشديد كان غير محظوظ ..
اشتغل في جريدة الصباح في السبعينات من القرن الذي مضى واستطاع ان يبدع صحفيا ..

وتمثل ابداعه في عرض أهم القضايا التي تعرض أمام المحاكم في تونس ..
كان يذهب كل صباح الى قصر العدالة بالعاصمة ويبحث عن قضية طريفة او مثيرة او غريبة ..
المهم ان يكون موضوع القضية فيه اثارة ..وكثيرا ما كان ينجح في الحصول على المادة التي تبحث عنها الجريدة لتزيد في رواجها ..
وهو أول من كتب تحت عنوان ‘صدى المحاكم’..
وكان لهذا العنوان شهرة منقطعة النظير والى الان مازالت الصحافة التونسية متاثرة به ..
والقراء يقبلون على قراءة صدى المحاكم بشكل كبير …وازعم ان هذا ‘الصدى’ يعد في رأيي من مقومات الجريدة التونسية الرائجة …وبعده مباشرة يأتي ركن ‘حظك اليوم’ ثم تأتي الرياضة وما أدراك ما الرياضة وجريدة ‘مافيهاش’ رياضة جريدة ميتة لا قراء لها …
وذات يوم احتجّت وزارة العدل على الجريدة وغضبت وزمجرت وهددت لأن ما نشر في ‘صدى المحاكم’ كان من نسج خيال الصحفي ولم تكن القضية التي سرد أطوارها الا حكاية هو فبركها ..
وبالطبع اعتذرت الجريدة وطردت الصحفي الذي اخترع بخياله القضائي قضية مثيرة جدا غير موجودة إلا في ذهنه …
وبعد جاء من يعوضه ..
جاء صحفي لطيف ومهذب يذهب يوميا الى قصر العدالة ويتزود بما يتاح له ثم يأتي الى مقر الجريدة و”يصب” ما عنده على عجل وبسرعة يتجه الى محطة قطار الكرم حيث كان يسكن ولا كلام ولا سلام و” يخلط ولا يقسم ” ..
انه الصحفي المنضبط سالم السويسي شقيق الفنان المسرحي منصف السويسي وابن عم عزالدين السويسي المطبعاجي في جريدة
لابريس والذي اشتغل هو الآخر في الصحافة وأصدر جريدة اسبوعية في بداية الاستقلال اظن كان اسمها ‘البلاغ’…
وبعد فترة قصيرة فوجئنا بجريدة أسبوعية جديدة تظهر في السوق ولاقت نجاحا منقطع النظير واصبحت لها في وقت وجيز شعبية واسعة ..
هذه الجريدة اسمها ‘الايام’ واختصت في نشر قضايا المحاكم …أو هي ‘صدى المحاكم’ في شكل جريدة ..
انه تقدم للقارئ ” شبعة ” من الجرائم واحداث العنف والانحراف …ومن الطبيعي اذن ان تلقى الرواج الذي لم يتحقق لاي صحيفة تونسية من قبل ..
واكتشفنا ان وراء هذه الجريدة ذلك الصحفي المطرود من الصباح..
وكان معه شخص آخر هو في الأصل معلم ولكنه مغرم بالادب والصحافة ..
هذا الشخص هو الهادي خضر الذي قام بمهمة الدينامو في الجريدة ..والغريب انه صديقي ولكنه أخفى عني مشروع الجريدة ..
ولكن عليّ ان اعترف بان صديقي خضر كان بمثابة المعلم لي ..فهو من ساعدني في كتابة مقالاتي الأولى…وهو من يعيرني الكتب …وهو من أدخلني الى عوالم السياسة والصحافة والثقافة …وهو أول من دلني على الأدب السوفياتي واغراني بقراءة غوركي وتشيكوف وتولستوي ودوستويفسكي ..
وكنا نقضي الساعات الطوال في نقاشات فكرية وفلسفية وادبية وصحفية افادتني كثيرا ..
وانطلقت ” الايام ” كالسهم ..وكانت تطبع كميات ضخمة لم تتعود عليها الصحافة التونسية …ولكن ماهي الا فترة قصيرة حتى فتح عليها باب الجحيم ..
وكان لابد مما ليس منه بد ..
كان التوقيف وسحب الرخصة ..
لقد نشرت الجريدة تفاصيل قضية حساسة جرت أحداثها في صفاقس ..
وبعد ساعات من صدورها تم سحب النسخ من السوق ..وطلبوا من صاحبها ان يعيد الرخصة الى وزارة الداخلية ..
قالوا له: احنا في تونس ما عندناش قضايا كيف هاذي ..
والقضية في الحقيقة مقززة …وتبعث على الاشمئزاز …وتعطي انطباعا سيئا عن فئة يثق فيها الشعب ويحترمها ولا يتوقع منها الا النصح والإرشاد والتوعية والتربية ..
أ لم اقل لكم ان الصحفي المطرود من ” الصباح ” غير محظوظ …وان النحس يلاحقه والعياذ بالله ..
عاني بعض الوقت من البطالة و’الحقرة’ وتذكر انه من اصول ليبية فهاجر الى ليبيا عله يجد في وطنه الأصلي ما لم يجده في وطنه الثاني ..وبالفعل وجد الجريدة التي تحتضنه وتضمن له لقمة العيش بكرامة …واشتغل لسنوات قليلة الى ان وقع من جديد في فخ النحس ..
لقد انفجرت قارورة الغاز بينما كان يستحم ..
وكان الاستحمام محطته الاخيرة في الحياة …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى