علمتني الصحافة…

كتب صالح الحاجة
مشهد عابر صغير صادفني مجرد مصادفة بعثرني …وعكر مزاجي …وشتت ذهني …وزلزل ذاكرتي ..وخلط بين اوراقي ..
هذا المشهد صادفني وانا تحت الشمس الحارقة ..
كنت اتمشى بصعوبة في حي النصر والعرق يغسلني ..
إني أوشك على الاختناق ..
فجأة استوقفني المشهد ..فماذا رأيت ..
لقد رأيت الموت يفترس الحياة على قارعة الطريق..
كيف ذلك ؟
رايت في واجهة كشك بائس عدة جرائد معلقة ..تاكلها الشمس …صفراء اللون وكأنها أوراق خريفية ..تبدو للناظر وكانها قديمة هاربة من زمن مضى …حبرها شاحب ..وصورها باهتة ..وتاريخها تاريخ اليوم ..
نظرت فحزنت …
حزنت لأنني رأيت في المشهد لا ما يحزن فقط …رايت ما يذبح قلبي ..
رأيت جرائد تموت رويدا ..رويدا ..
وانا لا احب الموت لها ..
انا جريدة تمشي على قدمين ..
انا ورقة وحبر وكلمة وورق ..
وعشت مع الجرائد التونسية والعربية والمصرية على وجه الخصوص والفرنسية طويلا ..طويلا ..
كنت اشتري شهريا الصحف بربع شهريتي ..
وكنت بسبب ذلك أبدو للبعض ( مهبول مسيب )..
ولكن ذلك لم يكن يزعجني ..
عندما أذهب الى القاهرة كنت اشتري الجرائد على مدار اليوم ..
أما في الليل وهو رفيق عمري لم اكن انام الا بعد ان اتزود بأسخن الطبعات …
وواصلت المشي ..
تركت الكشك على يميني ..والتفت الى يساري ..
رايت محطة الحافلات وقد تزاحم الناس طلبا لشيء من ظل سقف المحطة ..
ولاحظت انهم جميعا يحملون الهواتف قاتلة الصحف ..
هناك من يضحك وهو يتابع ما ظهر له على الشاشة ..
وهناك من يبتسم ..
وهناك من هو ( مكشبر )..
لا أحد بيده جريدة ..
لا احد مر على كشك الجرائد ونظر نظرة رحمة الى الجرائد التي تئن ..
لا احد تساءل : كيف تموت الجريدة في بلادي ولا احد يحميها …و يغيثها ..وينقذها ..
حتى القطط والكلاب اصبحت تلقى في بلادي من يدافع عنها ويتحمس لها و” يناضل ” من أجل حقوقها ..
بينما الجريدة تموت بالسكتة القلبية بعد ان تعاني طويلا …ولا احد يعطيها دمعة حزن من عينيه ..أو حتى يترحم عليها .
وقدمت الحافلة فاختفى المشهد من أمامي بسرعة …
ورحت اواصل المشي وانا اسبح في بحر الذكريات ..
دخلت أول مقهى صادفني واذا الناس يتهامسون …ويتبادلون الابتسامات …ولكن عيونهم لا تفارق شاشات هواتفهم ..
يتجاذبون أطراف الحديث ولكن التركيز ليس على الكلام …التركيز على ما يظهر لهم على الشاشة ..
ان الشاشه هي المسيطرة بما تأتي به من اخبار وغمزات وهمزات واشاعات …وشطحات ..وخرافات …وادعاءات …ومغالطات …
وما أكثر ما يقرا الناس بلذة وشغف عن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت …ويصدقون ..و(يشيخون )..
ومن كثرة الأكاذيب صارت هناك مادة صحفية وتلفزية جديدة تلاحق هذه الأخبار الكاذبة وتفندها وتنشر الحقيقة ..
وانا اتابع باهتمام برنامج ” بوليغراف ” على قناة “العربي” القطرية واعتبره من اهم البرامج التي تفضح أكاذيب وسائل التواصل الاجتماعي..
هذا البرنامج الاسبوعي يعرض مجموعة من الأخبار غير الصحيحة التي انتشرت بين الناس و يفندها بالحجة والبرهان ..
برنامج من البرامج القليلة التي مازالت تغريني بمشاهدة التلفزيون الذي يبدو أنه سيلقى نفس مصير الصحافة الورقية ..
لقد أصبح في السنوات الاخيرة يتنفس بصعوبة ..ويتلقى ضربات موجعة من الوسائل الاخرى …




