صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: لقد ابتعدنا كثيرا عن منطقة الإبداع وحاد الفنان عن طريقه

slama
كتب: نوفل سلامة

إذا اتفقنا أن الإبداع الفني هو ما يقوم به الفنان والمثقف عموما من بذل الجهد اللازم لإنتاج مضامين فنية يقبل به عموم الناس لا كلهم وترضيهم، على اعتبار وأن مسألة المقبولية تبقى مسألة نسبية ومعيارية تخضع لذوق الفرد ورؤيته للجمال وتتكون بالتعليم والمعرفة والتنشئة الأسرية وما تربى عليه الفرد وتعلمه من خلال احتكاكه بالمجتمع…

سؤال حارق

فإن السؤال الذي يطرح في هذا السياق وبعد أن تكثف النقد وعدم الرضا على كل ما يقدم في المشهد الثقافي، وما يُروّج في مختلف القنوات التلفزية من أعمال درامية وبرامج مختلفة، وما تعرضه السينما والمسارح وما يكتبه أهل الأدب و أصحاب القلم من كتاب وصحفيين.. يقول هل انتهى عصر الإبداع في تونس؟

وهل غابت عن العاملين في المجال الفني سواء كان موسيقى أو سينما أو مسرحا أو أدبا أو رسما ملكة الخلق والابتكار والإبداع الجديد؟

هل نعيش زمن التفاهة و الرداءة التي تحدث عنها الكاتب الكندي ‘ألان دونو’ صاحب كتاب ‘نظام التفاهة’، بما هي ترذيل وتتفيه لكل شيء وتوخي السهولة والسطحية في بسط القضايا والتركيز على الإثارة والتأثير على الجمهور المتلقي أكثر من معالجة القضايا الحقيقية للناس…

تحويل النكرات إلى رموز!

حيث يقول: ‘لقد تم تحويل النكرات في هذا الزمن إلى رموز وقدوات في المجتمع وأصبحوا قادة له، وبذلك يتم التطبيع بين الفساد لدرجة أن أصبحت فيها الفضيلة خطيئة تستوجب العقاب، والخطيئة فضيلة الفضائل وصارت الطيبة حمقا، والخبث عبقرية وذكاء وأصبح الحديث عن الثقافة ضربا من العبث العقلي وسوقوا واقنعوا بأن الإنسان الحالي لا رغبة له في التأمل والتفكير، ولا وقت له لذلك وحاصره التافهون من كل حدب وصوب بالمشاهد وحاصروه بالصور حتى أصبحت الصورة هي الوسيلة الوحيدة للتفكير وأصبحت الكتابة غريبة في العصر الراهن، وغدت الكلمات مشردة تبحث لها عن مأوى فلا تجد لها مكانا فقد احتلت الصورة كل المواقع…

الفن الهابط؟

نطرح كل هذه الأسئلة حول غياب الإبداع في بلادنا في علاقة بما قامت به بعض إدارات المهرجانات الصيفية من عدم برمجة أي عرض من عروض: ‘المزود وموسيقى الراب’ من منطلق كون هذه الأنماط من الغناء هي من قبيل الفن الهابط الذي يُرذل الذائقة الفنية، ويشوه الفن وينزل بالمستوى الإبداعي إلى الأسفل ويكرس ثقافة الابتذال والرداءة…

لكن هذا السؤال يطرح إشكالا كبيرا يتمثل في تحديد معنى ومفهوم الابداع ومعرفة متى يبدأ الابداع؟ وكيف ينتهي؟ وهل أن الفرد هو الذي ينتج الإبداع أم أن الإبداع يُنتجه المجتمع؟ وفي نفس هذا النهج من التفكير هل فعلا كما يقول بعض النُقّاد إن مجتمعنا في لحظته الراهنة يمر بأزمة إبداع وبفترة يعرف فيها الفن تراجعا ومرحلة تراخ في إنتاج المضامين الجيدة والمفيدة والتي تنمي الذائقة الفنية وتصنع رؤية جمالية عند الجمهور؟

ما تعريف الإبداع؟

يُعرّف الممثل يونس الفارحي الإبداع فيقول الإبداع أن تقدم شيئا حقيقيا عن الواقع الحقيقي يكون ناجعا، ويعود بالفائدة على المجتمع وهو ليس كما يراه البعض صياغة جديدة لشيء قديم..
إن الإبداع يحتاج إلى تنوع في الإنتاج و تقديم الجديد الذي يعكس حياة الناس الفعلية من دون تركيز على نفس القضايا التي تُعاد كل مرة لا حصر اهتمام المتفرج والمتلقي في نوعية معينة من القضايا ولا الإهتمام بمحاور بعينها بغاية صناعة رأي عام أو إخضاع الجمهور إلى قناعات محددة…
فالإفلاس الفني اليوم أكثره إفلاس في الفكرة وإفلاس في ابتكار أفكار جديدة فـ بلد كسوريا مثلا قد عرف في السنوات الأخيرة حربا مدمرة، ومع ذلك فقد أنتج قرابة الثلاثين مسلسل فالمسألة مرتبطة بالدولة ورؤيتها للفن والابداع، وحين تكون الدولة مؤمنة بدور الفن والفنان حينها توضع الاستراتيجيات والتصورات الكبرى وتتوفر الأموال لصناعة انتاجات ذات جودة وقيمة وتكون متنوعة ومنفتحة على واقع وحياة الناس بدل ترك القضية في أيدي أصحاب القنوات الخاصة الذين لهم حساباتهم الخاصة وغايتهم وقناعاتهم التي يجسدونها في أعمالهم الفنية المختلفة.

تأخر كبير

وفي هذا السياق من التحليل والتفكير يتساءل الفارحي هل لدينا في القطاع الفني من له القدرة على التفرغ تماما للفن والإبداع الفني؟ الجواب أننا مع كل أسف نعيش وضع الهواية فنحن بعيدين كل البعد عن الصناعة الدرامية وعاجزون على تحويل الفن إلى صناعة وآلة تعمل باستمرار ودون هوادة على شاكلة الفن التركي أو المصري..
علينا أن نعترف أنه لدينا تأخر كبير في الأعمال الدرامية فالدولة لا تؤمن بالإبداع ولا تثق به وهي مستقيلة عن كل نشاط فني وفي مستوى الإنتاج الدرامي فقد انتهى عصر المنتجين المثقفين الذين لهم رؤية وتصورات فنية، لقد انتهى زمن نجيب عياد وأمثاله اليوم لدينا نوعية جديدة من المنتجين بلا رؤية ولا تصور فـ المنتج ليس ممولا فقط…

ويواصل فيقول: ما ينقصنا اليوم وفقدناه هو المسؤول الذي يأتي بمشروع ثقافي ويأتي برؤية لتطوير الفن والارتقاء به وتحسين الذائقة الفنية لا نحتاج إلى المسؤول الإداري الذي لا يهتم إلا بتسيير الإدارة والشأن العام للمؤسسة وما تفرضه الأعمال اليومية.”

هل هذه الأعمال تعبّر عنّا حقا؟

والسؤال الذي تم تغييبه اليوم في علاقة بالإبداع الفني والإبداع الثقافي هل ما يقدم اليوم من أعمال فنية يعبر حقيقة عن هواجسنا همومنا ومشاغلنا؟
هل سأل المبدع نفسه ماذا يريد أن يفعله؟ وماذا ينتظر منه الجمهور؟ هل هناك وعي حقيقي بدور الفنان وخطورة دور المبدع ووعي بأن ما يقدمه من أعمال هو رسالة في المجتمع؟
مع كل أسف فإن القطاع الفني والمجال الإبداعي قد فقد المسؤولية المجتمعية وأصبح يحاكي ما يقوم به سامي الفهري الذي تحول إلى نموذج يقلده الجميع، ويقتدي به وحالة معيارية يحتذي بها للتدليل على الفن وعلى النجاح أو الابداع الناجح، وكأن الذي يقدمه صاحب قناة الحوار التونسي هو الأمثل و’الموديل’ الذي يحدد معنى الابداع والفن الحقيقي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى