نوفل سلامة يكتب: الرئيس بورقيبة في سياق عصره وروح زمانه / الجزء الثاني (2/2)


كتب: نوفل سلامة
هل كان الحبيب بورقيبة رجل اقتصاد؟ وهل كان يملك نظرية وفكرا اقتصاديا واضح المعالم؟ وهل كان يحمل مشروعا وخيارا اقتصاديا لنهضة تونس بعد مرحلة من الهيمنة الفرنسية وارتباط اقتصاد البلاد باقتصاد المحتل الفرنسي؟
حول علاقة بورقيبة بالمسألة الاقتصادية، وماذا قدم هذا الرئيس في هذا السياق أوضح الأستاذ محمد الأزهر الغربي أنه رغم كل ما يُقال عن الرئيس بورقيبة من كون نقطة ضعفه هو عدم إتقانه اللغة الانقليزية وعدم إلمامه بالمسائل الاقتصادية، وأنه قدم للحكم من دون مشروع اقتصادي مكتمل…
فإن بورقيبة في المرحلة الاستعمارية قد كتب مقالات في الاقتصاد في مسألة المال والثروة والميزانية، ولم يكن يُهمل هذا المعطى وهو يعد لبناء دولة تونسية مستقلة واقترح في سنة 1937 مشروع بنك شعبي موجه لفائدة الشعب التونسي، وهذا يعني أن بورقيبة كان مهتما بمسألة الثروة ويعتبر أن المال محوري في مواصلة الحركة الوطنية عملها وحاول توجيه الباي لفك الارتباط مع التدخل الأجنبي في مسألة الميزانية..
سؤال حارق
والسؤال المطروح..هل ترجم بورقيبة هذا الطموح بعد الاستقلال وبعد أن تسلم مقاليد الحكم ؟ المعطى التاريخي يقول أن اتفاقيات 3 جوان 1955 التي امضتها تونس مع فرنسا وخاصة الاتفاقية الاقتصادية لم تحقق لتونس استقلالا كاملا وبفضلها بقي اقتصاد البلاد وعملته وميزانيته مرتبطين بالاقتصاد الفرنسي وخاصة الوحدة الجمركية مع دولة الاحتلال، وبقي الفرنك الفرنسي مطبقا لفترة في كل المعاملات التجارية بين البلدين ولم يتغير الحال قليلا إلا مع الأزمة التي تسببت فيها فرنسا سنة 1957 حينما خفضت في قيمة عملتها الفرنك الفرنسي ولم تُشعر الجانب التونسي مما تسبب في تراجع العملة التونسية الفرنك التونسي، وتداعيات ذلك على التجارة التونسية المرتبطة عضويا بالتجارة الفرنسية…
التخلص من التبعية لفرنسا
هذا الحدث فتح أعين بورقيبة بأن تونس لم تنه استعمارها مع فرنسا وقال قولته الشهيرة:
‘هل أنا مستقل’؟ وعبر عن رغبته أن يكون لتونس بنكا مركزيا مستقلا في محاولة للتخلص من التبعية المالية لفرنسا، خاصة وأن فائض الميزانية كله يذهب إلى خزينة المال الفرنسية ومنذ ذلك التاريخ وتلك الحادثة ومع تأسيس البنك المركزي وإصدار عملة تونسية وطباعة الأوراق المالية تحمل صورة الرئيس بورقيبة بدأت تونس تفك ارتباطها المالي والاقتصادي بفرنسا، ولو بصورة محتشمة حيث أن الاتفاقيات المكملة لوثيقة الاستقلال وخاصة الاتفاقية الاقتصادية قد كبلت الاقتصاد التونسي وجعلت منه إلى اليوم تابعا في الكثير من الجوانب للاقتصاد الفرنسي وخياراته التي لا نزال نعاني منها إلى اليوم ولم نقدر أن نتخلص منها أو نلغيها وخاصة في موضوع الطاقة ومخزون تونس من النفط والغاز، وكل المعادن الأخرى التي تربطنا حولها اتفاقيات مع فرنسا وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي وهي اتفاقيات في حاجة الى تقييم ومراجعة حتى تحقق تونس أمنها الطاقي واستقلالها وسيادتها على مواردها الطبيعية وتنهي مرحلة طويلة من التدخل الأجنبي…
قرار تأميم الأراضي الفلاحية
ينهي الأستاذ محمد الازهر الغربي مداخلته بقوله إن قرار بورقيبة بتأميم الأراضي الفلاحية في 12 ماي 1964 وقراره بإلغاء أراضي الأحباس سنة 1957 كان قرارا فرديا انفرد به الرئيس لوحده أظهر فيه زعامته وأعلن فيه بكل وضوح أنه هو الزعيم الوحيد في هذا البلاد، ولو أنها زعامة في خدمة الدولة كما يقول وحتى التعويل على التعاضد وخيار الدولة الاجتماعية والاقتصادي الاشتراكي فقد كان توجها في خدمة المواطن وفي سبيل تحقيق التنمية المنشودة التي تبحث عنها كل الدول التي خرجت من الاستعمار.
حلم التونسيين..
كل هذه القضايا وهذه الخيارات وهذا النهج الذي سار فيه الرئيس بورقيبة وسبب له الكثير من المشاكل وخيبة أمل كبرى في صفوف الشعب التونسي الذي كان يحلم بتونس أفضل من مرحلة الاستعمار وتونس مختلفة عن تونس تحت الاحتلال الفرنسي، لم يكن من وراء نظرية اقتصادية ولا أفكار تعبر عن قناعة الرئيس وإنما كانت وليدة السياق التاريخي الذي حكم حكمه والمناخ العام الذي مرت به المنطقة العربية وحكم العالم وكان وليد فكر عملي و سياسة براغماتية لا تتردد في التراجع عن التجربة لتعيد تجربة أخرى من جديد مع رؤى وخيارات أخرى قد تكون مناقضة للخيارات الأولى..
المحور الثالث في هذا الندوة كان سؤال بورقيبة والمسألة السياسية والخلاف حول الصورة والحكم الموضوعي الذي يمكن أن يعطى لتجربة حكمه التي عرفت اعتراضا حولها من كل الأطياف والعائلات السياسية والكثير من المثقفين الذين اعتبروا أن مرحلة حكمه شابها إخلالات كثيرة وانتهاكات لحقوق الانسان، ومنع كبير لحرية الرأي للمعارضين وتراجع عن خيار الدولة الديمقراطية نحو إرساء حكم استبدادي تسلطي…
بورقيبة ديكتاتور؟
حول هذه المسألة أجاب الأستاذ عبد الجليل بوقرة عن سؤال هل كان بورقيبة ديكتاتوريا؟ بأن الديكتاتور هو مصطلح يعود إلى الفكر اليوناني ومرتبة كانت تعطى لشخصية سياسية لحكم البلاد لفترة مدتها ستة أشهر خلال الأزمات والجوائح الطبيعية أو عندما تتعرض الدولة للحرب وتعطى له صلاحيات واسعة لإنقاذ الدولة من دون الرجوع إلى البرلمان لطبيعة المرحلة التي تتطلب اتخاذ قرارات من دون استشارة مجلس الشعب..
ولكن هذه الصلاحيات المؤقتة لا تسمح له بتغيير القوانين أو ابدالها وبورقيبة من هذه الناحية لم يكن ديكتاتوريا بالمعنى اليوناني، وإنما كان أقرب إلى الحاكم المتسلط الذي يريد أن يحكم بمفرده ويرى نفسه المؤهل أكثر من غيره للحكم… وهذا يعود إلى طبيعة تكوينه التي تطغى عليها الشخصية النرجسية وحب الذات وحب الزعامة وتعويض الآلام التي كان يعاني منها في صغره، وما عانته العائلة…
نظرية ‘القائد المُلهم’!
لذلك كان يرى أن الديمقراطية لا تصلح للشعب التونسي وإنما الذي يصلح به هو الزعيم المخلص والقائد الملهم والمعلم المرشد فالشعب عنده بمثابة الأبناء القُصر الذين يحتاجون إلى أب صارم ومتشدد معهم في تصرفاته وقراراته وذلك كله في مصلحته الذي هو وحده عارف بها، والشعب عنده لا يزال غير مستعد للحرية ويحتاج إلى تأهيل يراه لا يتحقق إلا بالتعليم وبعد عملية تثقيف قد تطول مدتها لذلك كلن يقول ‘الديمقراطية اعملوها بعدي’، كان يعتقد أن البلاد تحتاج إلى تنمية وتعليم وتشغيل أكثر من حاجتها للأحزاب والانتخابات…
وكان يعتبر أن المرحلة التي تمر بها البلاد وهي للتو خارجة من الاستعمار تحتاج الى رجل قوي مستبد ولكن التجربة التاريخية أوضحت ان كل شخص يسعى إلى البقاء في الحكم لفترة طويلة يتحول إلى مستبد وبورقيبة من قبيل الرؤساء الذين أرادوا أن يبقوا في الحكم أطول فترة ممكنة فالشعب في نظره غير جاهز للحكم الديمقراطي.
المشكلة في موضوع الديمقراطية والحكم التداولي والحريات والأحزاب وحرية التعبير أن بورقيبة لم يكن مستعدا أن يترك الحكم بعد أن وصل إليه وبعد أن تخلص من كل خصومه من أصدقاء النضال وأعداء الحكم ولم يكن جاهزا ذهنيا لترك الحكم لغيره من خلال العملية الديمقراطية وصناديق الاقتراع…
بورقيبة كان يظن أنه هو من أوصل البلاد الى الاستقلال وأنه يستحق أن يكون رئيسا مدى الحياة اعترافا له بكل ما قدم به من تضحيات من أجل الاستقلال وأن البلاد والشعب ملك له يقرر في شأنهما ما يريد فصورة الباي والملك لم تفارقه ولم يقدر أن يتخلص من صورة الباي الذي يأتمر الجميع بأمره، فالدولة وهي في حالة تأسيس لا تحتاج إلى الديمقراطية ولا إلى الحريات ولا إلى الانتخابات.
منع قيام حياة ديمقراطية متطورة
المهم في موضوع بورقيبة وعلاقته بالديمقراطية أنه بما قام به من تأخير في إرساء حياة ديمقراطية ورفض بناء حكم يقوم على فكرة التداول السلمي على السلطة قد منع التونسيين من حياة سياسية أفضل كان من الممكن أن تبدأ منذ سبعينات القرن الماضي وتبدأ الدُربة على الديمقراطية ويدخل الشعب في مسار ديمقراطي تعددي قد يعرف بعض الصعوبات في البداية، ولكن مع الوقت و التجربة والدُربة يصل بعد مرحلة من التطبيق إلى التعوّد على الحياة الديمقراطية وبهذا الشكل يكون بورقيبة قد وفر على الشعب الكثير من الوقت والكثير من الجهد الذي ضاع في الصراخ والغضب والتظاهر في الشوارع، وفي محاكمات سياسية كان من الممكن تفاديها.
وقت ضائع
المهم لو فرض بورقيبة الديمقراطية كما فرض مجلة الأحوال الشخصية ولو سار في المسألة السياسية بنفس منطق المسألة الاجتماعية وقبِل بنتائج الانتخابات وقواعد اللعبة السياسية لكان قد وفر على الشعب التونسي الكثير من الوقت الضائع ولربما لم يكن الشعب في حاجة إلى القيام بثورة ضد رئيس جاءت به خيارات دولة الاستقلال ودولة الحداثة وبسبب الخيارات الفاشلة للرئيس بورقيبة.
بورقيبة في كل ما قام به كان هو ابن بيئته ووليد ثقافة عصره وتعبيرا على سياق العصر الذي حكمه وحكم كل الزعماء الذين عاصروه…
اقرأ أيضا/ نوفل سلامة يكتب: الرئيس بورقيبة في سياق عصره وروح زمانه (الجزء الأول 2/1)




