عيسى البكوش يكتب/ ومضات من تاريخ مدينة تونس: التحوّلات المعمارية بـ’الشارع’ بعد الاستقلال


كتب: عيسى البكوش
الشارع أو “L’Avenue” بحسب منطوق العامّة من العرب والإفرنج هو بالطبع شارع الحبيب بورقيبة الذي كان يسمّى قبل الاستقلال شارع جول فيري Jules Ferry، ومن قبل الاستعمار شارع البحرية Avenue de la marine.
تسمية ‘الشارع الرئيسي’!
ولقد انفرد بهذه التسمية من دون الشوارع الأخرى المحيطة به في باب بحر أي فرنسا والحبيب ثامر وباريس ومحمد الخامس وقرطاج، فهو الشارع الرئيسي، وهذا ما تفطّن إليه بعض الإعلاميين ‘المتشعبطين’ ـ بحسب عنوان إحدى روايات الصديق عبد الواحد براهم ـ غداة السابع من نوفمبر 1987 فألغوا بورقيبة واكتفوا بـ ‘الشارع الرئيسي’، وعلى قفاهم اقتدى بعض المتزلفين فنادوا بتعميم هذا الإعفاء على كلّ الشوارع والقرى…
وتذكر بعضهم أنّ مدينة منزل بورقيبة ‘فريفيل’ سابقا كانت تسمّى قبل الحماية “القصيبة” ولم يتوان أصحاب “الحلّ والعقد” عن اجتثاث تمثال الزعيم ونقله إلى مدخل مدينة حلق الوادي ولم تسلم حتى الجدارية “البريئة” من إبداع المنعّم الهادي السلمي بساحة الشهداء بأريانة، وهي تجسّم سي الحبيب في منفاه في جالطة من 1952 إلى 1954 فطمست بالجير والاسمنت.
بورقيبة ينتفض
ولكن بورقيبة سينتفض يوم 14 جانفي 2011 لمّا انتفض الناس في أرجاء شارعه فتناولت كلّ وكالات الأنباء في أرجاء المعمورة اسمه، فهو كما شبّهته إثر وفاته يوم 6 أفريل 2008 في شهادة لي بمجلة جون أفريك بـ” شجرة السنديان التي لا تموت” Un chêne immortel.
ولقد عاد تمثال رجل غرة جوان 1955 إلى معدنه بالشارع في فترة حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي (2014-2019) وعندما مرّ ركب جنازة هذا الأخير يوم 25 جويلية 2019 وقف مليّا أمام هذا التمثال وكأنّي بالفقيدين يتمعّنان في سخرية الأقدار.
ثمّ ارتحل الموكب نحو المثوى الأخير قرب المقام الشاذلي وبقي الشارع مفعما بالحياة والأمل.
درر معمارية
شارع بورقيبة هو كمثل كتاب مفتوح على صفحتين كلّ واحدة تحمل في جنباتها دررا معمارية صنعت في أشكال مختلفة Art nouveau Art déco وRococo ولكنها متجانسة وهي مسرّة للناظرين.
تحديث أم هدم؟
ولكن ما إن استقلت البلاد حتى هبّت ريح التحديث والتجديد، عندنا هوس في غايته بقدر ما هو وسيلة لخدمة أصحاب المصالح الرنانة، فانتصبت الحضائر واستلّت المعاول وبدأ الهدم قبل إعادة الإعمار بشكل يواكب العصر فغابت عن أعيننا La dépêche Tunisienne وMaison modèle وParis-bar ونزل الكلاريدج وStudio 38 والبرناس في شكله العتيق …
لقد كنت وأنا تلميذ في الصادقية كثيرا أروّح على نفسي صحبة رفاقي بين ثنايا هذا الشارع حتى فوجئنا ذات يوم بهذا الجسم الغريب الذي بني على أنقاض مقهى Normandie وقد نما حتى فاق علوّه الشاهق كلّ المباني المجاورة، هو Africa هذا المولود الجديد من صلب وبلور في نشاز مطلق مع محيطه.
ثمّ وكأني بجماعة التحديث لم يكتفوا بما أتوا فتحوّلت “أطماعهم” إلى شارع قرطاج فانقاد لهم البالماريوم وفندق Tunisia Palace طوعا أو كرها، والحمد لله أنّ المسرح البلدي نجا من هذا الجشع.
ألم يكن أجدر بنا أن نحافظ على البلمريوم وهو الذي شهد أحداثا جليلة وليس أقلها محاضرة عميد الأدب العربي طه حسين سنة 1957 وخطاب بورقيبة يوم 15 ديسمبر 1972 بحضور الراحل معمّر القذافي وكنت شاهدا على ذلك بصفتي المهنية كصحفي في جريدة La presse.
أليس البالماريوم وكلّ البناءات الغابرة التي ذكرناها مواقع للذاكرة؟.
في باريس ونيس أيضا
في باريس عزم بعضهم من أصحاب المال في بلدان الخليج تحويل مطعم Le fouquet’s في شارع الشان زيليزي والذي كان يرتاده مشاهير الفنانين من أرجاء العالم إلى بناية مستحدثة بعد شرائه فانتفضت وزارة الثقافة وأصبغت على المطعم صفة المعلم المسجّل الذي لا يمكن المساس به.
وكذلك الشأن في نيس بالنسبة لقصر المتوسط المطل على فسحة الإنقليز Promenade des Anglais فإنّ المهندس المعماري Olivier Cacoub لم يتحصل على رخصة بناء عمارة في مكانه إلا إذا حافظ على الواجهة. ولقد أذعن مواطننا الذي أطلقت يداه عندنا في عمليتي أفريكا و البالماريوم.
يقول فيكتور هوڤو Victor Hugo (1802-1885) “إنّ واجهات العمارة ليست ملكا لأصحابها بل هي ملك للمارة والناظرين”.
لم يكن رجل الأدب الفرنسي هذا معماريا أو عمرانيا بل كان رجلا أُوتي الحكمة.
فهل أنّ رجال الفن Les hommes de l’art عندنا كما ينعت المهندسون المعماريون يوقنون؟.




