صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: الصهاينة المهزومون سيستأنفون الحرب على إيران..ونتائجها خرائط جديدة للمنطقة

HEDI DANIEL
كتب: هادي دانيال

على الرّغم من تسويق دونالد ترامب لِنَفْسِه كـ إطفائي لِلحُروب عبْر العالَم وادّعائه بأنّ عُنوان برنامجِه كقائد للولايات المتحدة الأمريكيّة هو “أمريكا أوّلاً”، وعلى الرّغم مِن أنّ دول خليجية أوْهَمَتْنا باستجابتِها لِسياسة حسْن الجِوار التي بادرت بها إيران تِجاه دُوَل مَجلِس التّعاون الخليجي كافّة وعلى رأسِها المملكة العربية السعودية..

خطة إزالة النظام الإيراني

وفي ظلّ إمْعان بنيامين نتنياهو في حَرْبِ الإبادةِ الجماعيّة بالقتْل بأحدثِ الأسلحة النّاريّة فَتْكاً وبالتدمير والحرْق الشامِلَين والتّجويع والتّهجير التي لم يَعرِفْ لها تاريخُ البَشَريّة مثيلاً، يكشِف مَوقعُ ويكيليكس عن وثائق مُسَرَّبة لأقذر مُؤامَرَة عرفها تاريخ الشرق الأوسط بين هذا الثلاثي هَدَفُها “تدمير القوّة الإقليميّة التي كَسَرَت هَيْمَنةَ واشنطن وتل أبيب في المنطقة”. ووفْق الوثائق المُسَرَّبة فإنّ التخطيط لهذه الحَرْب على إيران (الذي قام الرئيسُ الأمريكيّ “دونالد ترامب” بالدور المحوَريّ فيه) كان قد بدأ قبل أشهُر مِن العدوان الإسرائيلي على إيران ” في غُرَف مُغلقة جَمَعَت مُمَثِّلِين عن إسرائيل والولايات المُتّحدة مع مَسؤولين مِن المنطقة. وقد تَمَّ التّوافُق على أنّ “إسرائيل تنفّذ الهجوم، ودُوَلَ الخليج تَدفَع التكاليفَ بالكامِل”. وتَمَّ تحديدُ الرقم: 1 تريليون دولار كتكلفة مبدئية لـ”إزالة النظام الإيراني”.

وعلى الرّغْم مِن مُباغَتة الدّولة الإيرانيّة بهُجومٍ مُركَّبٍ أوقَعَ خسائر فادحة بالجانب الإيراني على مستوى اغتيالِ عشراتٍ مِن أبرز قادتِه العسكريّين والأمنيّين وعلماءِ الذرّة خاصّة، إضافة إلى استشهاد مئات المدنيّين بينهم أطفال ونساء، إلّا أنّ القيادة الإيرانيّة سُرْعان ما استوعَبَت الهُجُومَ الغادِر وكبّدت المُعتدي الإسرائيلي على مدى اثني عشر يوماً مِن الخسائر ما لم يَخْطُر بِبالِ نتنياهو وحلفائه داخِلَ الكيان الصهيوني وخارجه، فحسْب مصادر إسرائيليّة ودوليّة تمكّنَت الصواريخُ والطائراتُ المُسَيَّرة الإيرانيّة مِن قتْل 1237 من الكوادر العُليا العسكرية والعلميّة والأمنيّة الإسرائيليّة ) 6 جنرالات إسرائيليين و 32 من الموساد و 78 من الشين بيت و 27 من البحريّة و 198 ضابِطَ سلاح جَوّ و 462 عسكريّاً و 11 عالماً نوويّاً في معهد وايزمان و 423 جنديَّ احتياط ) فضْلاً عن تدمير خمسة مواقع عسكريّة بالكامل وتدمير مَعْهَد وايْزْمَن النّووي بما يحتوي مِن مُختبرات وبَرامِج ودِراسات على مدى قرابة السّبعين عاماً وكذلك تدمير مواقع الموساد وغيرها من المواقع الأمنيّة العسكريّة والاقتصاديّة فضْلاً عن مَشاهِد الخَراب الهائل في تل أبيب وغيرِها مِن المُدُنِ الإسرائيليّة، هذه المَشاهِد التي حاكى بعضُها مشاهِدَ الخرابِ الذي أحدثه جَيْشُ الاحتلالِ الإسرائيلي في المُدُنِ الفِلَسطِينيّة بقطاع غزّة.
كما انْجَرَّ عن ذلك بَقاءُ سُكّانِ المُدُنِ الإسرائيليّة اثني عَشَرَ يوماً في الملاجئ، ما أن يُغادروها لِساعةٍ أو أقلّ حتى يعودوا إليها صاغِرين مَذْعُورِين، وكذلك مُسارَعة ما يَقترِب مِن المليون إسرائيلي إلى مُغادَرَةِ فلسطين المُحتلّة نِهائيّاً برّاً وبَحْراً بعد أن أغْلِقَت الأجواءُ والمطارات.

الكلفة الباهظة

هذه الكلْفة الباهِظة التي ليس باستِطاعةِ تل أبيب تَحَمُّل المَزِيد مِنها في حرب استنزاف كانت طهران قادِرةً عليها، وذلك الردّ الإيراني القاسي على إرسال الولايات المتحدة طائراتها مِن طراز بي-2سبيريت لِتَقصِفَ مَواقِعَ نطمز وفوردو وأصفهان الإيرانية بقنابل “جي بي يو-57″، بإمطار قاعدة العيديد الأمريكية في قَطَر والقواعد الأمريكية في العراق بالصواريخ الباليستية والفرْط صوتية، أرعبا المُجْرِمَين “بنيامين نتنياهو” و “دونالد ترامب” وأجْبَرَاهُما على الإسراع بطلب وَقْف إطلاق النّار.

هذا جاءَ بَعْدَ أن كانت مُفاوَضاتُ واشنطن وطهران على مَدى جَلْسَةٍ مِن تَوقِيعِ اتِّفاقٍ بشأنِ بَرنامج إيران النّووي، مِمّا يؤكّد:

أوّلاً: سياسةُ “ترامْب” الفِعْليّة عٌنوانُها “إسرائيل أوّلاً” وليس “أمريكا أوّلاً”، وأنّ “ترامْب” هذا مُشعِلُ المَزيدِ مِن الحُرُوب وليس إطفائيَّ حُرُوب، وأنّه مُجَرَّدُ دُمْيَةٍ خَرْقاء تُحَرِّكُها أصابِعُ الدّولة العميقة الصّهيونيّة في الولايات المُتّحِدَة الأمْريكيّة والتي تُسَيْطِر على “ترامْب” التّاجِر مِن خِلالِ سَيْطَرَتِها على الشّرِكات الاحتِكاريّة الكُبْرى عَبْر العالَم وعلى “ترامْب” السِّياسي أو الرّئيس السّاكِن مُؤقّتاً في البيت الأبيض مِن خِلال سَيطرَتِها على الكونغرس الأمريكي بِشِقّيْه (مَجْلِس النّوّاب ومَجْلِس الشُّيُوخ).

ثانياً، إنّ مُعْظَمَ الأنْظِمَة العَرَبيّة، المَلَكِيّة والأمِيرِيّة والسّلْطانِيّة وبَعْض “الجمْهوريّة”، والتي لم يتحرّك لها ضَمِيرٌ مُفْتَرَض أو وَازِعٌ (دِيني، أخلاقي، قومي، إنساني، إلخ) إزاءَ جرائم الإبادة الجماعيّة في قِطاعِ غَزّة والضّفة الغرْبيّة والقُدْس في فلسطين المُحْتَلَّة ، والتي رَحّبَت في العَلَن بِمُبادرات إيران المُتعلّقة بحسْن الجِوار، ولاحِقاً أدانَت العُدوانُ الإسرائيليَّ على إيران على الرّغْم مِن أنّها مَوّلَتْه، تدّعِي أنّها تَخْشى امْتِلاك طهران أسلحة نوويّة، ولا تُريدُ أنْ تصدّق أنّ البرنامج الإيراني النووي سِلْمِيّ، هذه الأنظمة ذاتها لم تُبْدِ يوماً تطيُّراً أو خشْيَةً مِن امْتِلاكِ الكِيان الصّهيونِيّ أكثَر مِن مائة قنبلة نوويّة.

بَرنامجِ التّطبيع الإبراهيمي

بل إنّ هذه الكِيانات العَرَبِيّة تَسِيرُ قُدُماً في تَنفيذِ بَرنامجِ التّطبيع الإبراهامي مع الكيانِ الصّهيونِيّ، وكما مَوّلَت الهُجُومَ الأمريكي-الإسرائيلي على طهران مَوّلَت الحَرْبَ الدّوليّة الأمريكيّة الأوربّيّة الصّهيونيّة على العِراق واحتلالَه، والحَرْبَ التّدْمِيرِيّة على ليبيا واليَمَن، والحَرْبَ الدّولِيّة الإرهابيّة التّكفيريّة على سوريا منذ 2011 حتى إسقاط نظام الرئيس بَشّار الأسَد وتَنْصِيب الجولاني حاكِماً لِدِمَشْقَ فكان أوّلُ تصريحٍ له بَعْدَ تَنْصيبِه أنّه لا يَعدّ “إسرائيلَ” عَدُوّاً لَهُ وأنَّ أعداءَه هُم إيران وحزْبُ الله عَدوَّا إسرائيل، في الوقت الذي كان الجيشُ الإسرائيلي فيه يَتَوَغَّلُ دَاخِلَ الأراضي السّورية إلى أن أصْبَحَت جَنازيرُ دَبّاباتِه وأقدامُ جُنُودِهِ على بُعْدِ ثمانية عَشَر كيلومتر ونصْف الكيلو فقط مِن العاصِمَة السّورية دِمَشْق. وبَدَلَ أنْ تَضْغَطَ تلك الدُّوَلُ العَرَبِيّة مُقابِلَ التريليونات الخمْسة التي دفعتها لِتْرَامْب باتِّجاه التّعْجِيل بإقامةِ دَولةٍ فلسطينيّة فَتَجْعَل إذْعانَها لِلمَسار الإبراهامي التّطبيعي بِمُقابِلٍ مَقْبُولٍ نِسْبِيّاً، حَاوَلَت أن تَبِيعَ ترامْب بضاعَتَه عندما طَلَبَت مِنْه دَعْمَ “الجولاني” الذي تمّ تدريبُه على أيدي المُخابرات البريطانيّة والأمريكيّة قَبْلَ تَنْصيبِه رئيساً “مُؤقّتاً”، وتَمَّ ضَمُّه إلى قافلة التطبيع الإبراهامي.

مفارقات غريبة

وَمِن المُفارقات التي لا يَبْدُو أنّ العَرَبَ حُكُوماتٍ ونُخَباً مُهْتَمُّون بِقِراءتِها أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة رَفَعَت في الأيّام الماضِيَة “ابا محمد الجولاني”، عن لائحةِ الإرهاب وَرَفَعَت العُقوبات عن تنظيمِه التّكْفِيريّ “جَبْهة النّصْرَة” باسْمِه اللاحِق “هيئة تحريرِ الشّام”، بَيْنَما في الوَقْتِ نَفْسِه تَفرِضُ وزارةُ الخارجيّةُ الأمريكيّةُ العُقوبات الانْتِقَامِيّةَ على المُحامِيَةِ والأكادِيمِيّةِ الإيطالِيّة، فرانشيسكا ألبانيزي، المُقَرِّرَة الخاصّة للأمَمِ المُتَّحِدَة بشأن حُقُوقِ الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة لأنّها قدّمَت تقارِيرَ مُوَثَّقَةً تُؤكِّدُ أنّ إسرائيل تَرتَكِبُ جريمة إبادةٍ جَماعِيّةٍ في غَزَّةَ وَوَثَّقَتْ هجماتٍ إسرائيليّة مُمَنْهَجَة ضدّ المَدَنِيّين كما وَثّقَتْ الحِصارِ والتَّجْوِيعَ المُتَعَمَّدَ، ولأنّ ألبانيزي قامت [بِتَحَرُّكاتٍ قانُونِيّةٍ ودبْلوماسِيّةٍ شَمَلَتْ:

1- تَحْميل أكثَرَ مِن 60 شركة أمريكيّة مسؤوليّة التّواطؤ في الجرائم المُرْتَكَبَة في غَزّة، مِن خِلالِ دَعْمِها التقنِي أو تَزْويد إسرائيل بالأنظِمة أو الخَدَمات.

2- مُطالَبَتَها ثلاثَ دُوَل أوربّيّة بِتَوضِيحِ سَبَب سَماحِها بِمُرورِ طائرةِ رئيسِ حُكُومَةِ الاحتلالِ الإسرائيليّ “بنيامين نتنياهو” فَوْقَ أراضِيها، رغْمَ صُدُورِ مُذكّرات تَوقِيف بِحَقِّهِ مِن المَحْكَمَةِ الجِنائيّةِ الدّوليّة.

3- قامت سنة 2020 بتأسيسِ “الشِّبَكَة العالَمِيّة لِقَضِيّةِ فِلَسْطِين”، التي تُقَدِّمُ تحليلاتٍ قانونيّة حَوْلَ حُقُوقِ اللاجئين الفِلَسطِينِيِّين، وتَدْعَم عَمَلَ وكالةِ الأونروا].

الدولة الوحيدة

هذا كلّه مَعْناهُ أنّ قرارَ ضَرْبِ إيران وإزالةِ نِظامِها ليس بِسَبَبِ بَرْنامَجِها النّووي، الذي يُدْرِكُ الغَرْبُ ورَبِيبَتُهُ “إسرائيل” والكِياناتُ العَرَبِيّة المُرْتهنة له أنّه برنامجٌ سلميٌّ مَحْض، بل لأنّ إيران هِيَ القُوّة الإقليميّة الوحِيدة في المنطقة بل الدّولة الوحيدة أيضاً التي تُواجِه الوُجُودَ الصهيوني في المنطقة مُمَثَّلاً أساساً بِالكِيان السَّرَطاني الاستيطانِي التّوسُّعي العُنصُري الإرهابي المُسَمّى “إسرائيل”، ليس مواجَهةً سياسيّة ودبلوماسيّة وإعلاميّة وثقافيّة واقتصاديّة فقط، بل مواجهة أمنيّة وعسكرية مُباشرة وغيْر مُباشرة، ولأنّ بقاءَها على هذه الحال المُستقلّة المُدافِعة عن حُقوقِ الشّعْب الفِلسطيني المَظلوم يُمَثّل خَطَراً مُحْدِقاً ليس فقط على الكيان الصهيوني كرأس حَرْبَةٍ لِمَصالِحِ الغَرْب الأوربّي والأمريكي في المنطقة بل يَفْضَحُ ” تآمُراً عربيّاً واضِحاً على كُلّ مَن يَقِفُ مع فلسطين، ويَدْعَمُ المُقاوَمَة، ويَقول لا لِصَفْقةِ القرْن المشؤومة، ويرفض أن يُسْتَعْبَدَ سياسيّاً واقتصاديّاً”.

ثالثا: على الرّغْم مِن أنّ الكلْفةَ الباهِظة التي تَكَبَّدَتْها كلٌّ مِن واشنطن وتل أبيب بِعُدْوانِهِما المُشْتَرَك المُرَكَّبِ على إيران وتلمّسهما الجراحَ الإسرائيليّة والأمريكيّة الغائرة التي خَلَّفَتْها الصّواريخُ والمُسَيّراتُ الإيرانيّة عَسَاهُما تقتنعان بأنّ “زَمَن الرّدْع الأحاديّ قد ولّى” وبأنّ أيّ عدوان على إيران “سيكون له ثَمَنٌ مَدْفوعٌ مِن قلْب مَنظوماتِ العَدُوّ الحَيَوِيّة”، إلّا أنّهُما لم تَطْلُبا وَقْفَ إطلاقِ النّار فقط مِن أجْل مَنْع انْهِيار الكِيان الصّهيوني وضَعْضَعَة الوُجُودِ الأمريكيّ في المنطقة، بل كذلك مِن أجْلِ إعادة تَسليحِ الكِيان الصّهيوني وتَمْكينه مِن إعادةِ تَجمِيع قُوّاتِه الأمْنِيّة والعسكريّة وتماسُكِها، والأمْرُ نَفْسُه يَنسَحِبُ على القواعِد الأمريكية في المنطقة. لأنّ مُواصَلَةَ الحرْب بَعْدَ استِيعابِ طهران الهَجْمَة الغادِرَة، كانَ مِن شأنِهِ أن يُبقي المُبادَرَة بِيَدِ طهران إلى النِّهاية التي لن تكون حِينها لِصالِحِ “إسرائيل”.

اسرائيل لن تستسلم

إذَنْ لم تُحَقِّق تل أبيب أهدافَها بَعْدُ، وكانت نتائجُ الهَجْمَة وبالاً على المُعْتَدي، وعندما يُلاقي المُعتدي صدّاً مُوجِعاً مِن المُعْتَدى عليه ويطلبُ إيقافَ المُواجَهة فهذا يَعني أنّ المُعْتَدِي الذي أراد أن يَنْتَصِرَ بالضّرْبةِ القاضِيَة هُزِمَ بالنِّقاط، وبالتالي يَحقّ للمُعتدى عليه أن يعدّ نفْسَه مُنْتَصِراً. لكن الذي يجب أن يُؤخَذَ بالحُسْبان أنّ “إسرائيل” لن تَستَسلِم لِنتائجِ حَرْبِها الأخيرةِ على إيران، ليس فقط لأنّ “نتنياهو” و”ترامْب” لا يزالان في مَنْصِبَيْهِما، بل لأنّ الدولة العميقة في الغَرْب هي التي أوْجَدَت الكِيانَ الإسرائيلي لتتخلَّصَ المُجتَمَعاتُ الغرْبيّة مِن الوُجُودِ اليهودي في بلْدانِها مِن خِلال تهجير يهود أوربا خاصة إليه، ولِيَبْقى قاعِدَة مُتَقدِّمة لِخِدْمة مَصالِح الغَرْب في مَنْطِقَتِنا بإبقاءِ شعُوبها قبائلَ وطوائفَ تتصارَع وتَغُوصُ حتى الأعناق في الجهْل والفقْر والبَغْضاء ودِماءِ بَعْضِها البَعْض، بينما هذا الغَرْب بِدُوَلِهِ الأوربّيّة والأمريكيّة وكِيانِه الصّهيوني، يَنْهَبُ ثرواتها الماليّة، والطاقيّة والمَعدَنِيّة والمائيّة والبَشَرِيّة.

حَرْبٍ عالمية ثالثة

وفي الوقت نَفْسِه يَتَطَيَّرُ الغرْبُ مِن أنّ امتِلاكَ عَشَرات القنابِل النوويّة قد يُفْضِي في لحْظةٍ مُتَهَوِّرَة يَشعُرُ الإسرائيليّون خلالَها بأنّ كِيانَهم إلى زوال، إلى استخدامِ تلك القنابل مِمّا يُشْعِلُ فتيلَ حَرْبٍ عالمية ثالثة تذهَبُ في مهَبِّها مَصالِحُ الغَرْبِ إلى غيْر رجْعَة. ناهِيكَ عن حقيقةٍ يَكْبِتُها الغرْبُ وهِيَ أنّ زوالَ “إسرائيل” يَعني أنّ دُوَلَه مضطرة لاستقبال عشرة ملايين يهودي ويهودية تقريباً كان إبعاد آبائهم وأجدادهم الأقلّ عدداً عن المجتمعات الأوروبّية أحَدَ أسباب إقامة الكيان الصهيوني.

كِيانات فاشِلة مَنْزُوعَة السلاح

لذلك لن يَدَّخِرَ الصّهايِنَة جهْدا،ً ليس فقط لإعادة تَجهيزِ ترسانتهم العدوانيّة بأحدَثِ الأسلِحة الأمريكيّة وأشدِّها فتْكاً، بل ولإرْكاع الدُّوَل المُحيطة بِها وتَحْويلِها إلى كِيانات فاشِلة مَنْزُوعَة السلاح كما هو حال سوريا اليوم، وحال الأردن نسبِيّاً منْذ عُقود، وكما يريدون للبنان مِن خِلال نَزْعِ سِلاحِ “حزْب الله”، الذي كان ولايزال مُوجَّهاً ضدّ العدوّ الإسرائيلي وعملائه الإرهابيّين التكفيريّين فقط، لأنّ الجيشَ اللبناني مَفْرُوضٌ عليه أمريكيّاً أن يَبقى مَحدُودَ التّسلُّح، ولا أحَدَ يُمكِنه أن يَسْتَبْطِن ما يَمكُرُون بِهِ لإلحاقِ الجيشِ المِصْرِيّ بِمَصائر الجيشَين العِراقي والسّوري.
واستقواءً بالضغط الأمريكي والغرْبي على دُوَلِ المنطقة المُرْتهنة لِسياساتِ واشنطن خاصّة، لِإيهامِها بأنّ إيران هي فقط مَن يهدّد استقرار المنطقة، وبالتالي هي العَدوّ المُشتَرَك للدُّوَلِ العَرَبِيّة و”إسرائيل”، وبِتَفْعِيلِ وتَنْشِيطِ أجْهِزَتِهِم الاستخباراتيّة يَتمّ التّجييش ضدّ إيران حتى على المستوى الشعبي بِتَسْعِيرِ صِراعٍ مذهبيٍّ طائفيٍّ سنّيّ- شيعي مُفتَعَل والإيحاء بأنّ إيران تُوظِّفُ صِراعَها مع الكِيان الصهيوني لِتَشْييع شُعُوب المنطقة، وكأنّ تشييع الناس سياسة دوليّة لإيران. وواقِع الحال لو كانت الدّولة في إيران تَضَع تَشييع النّاس هَدَفاً رسميّاً لها لَبَدَأت بِتَشييعِ عشرين مليوناً مِن الإيرانيين المُسلِمين السّنّة على أراضيها إضافة إلى أكثر من مليونيّ زرادشتي ومسيحي ويهودي وبهائي وصابئي مندائي، فهؤلاء كانوا أولى بالتشييع. ناهِيكَ عن أنّ “التّشييع” بالنسبة لِدَولَةٍ مُستَهدَفة مثل إيران مَجالٌ خصْبٌ لتسلّلِ الجواسيس والمرتزقة إليها تحت العباءة أو العمامة (والمرتزق مشروع جاسوس)، ولدى إيران ما يُفْتَرَضُ أنّه لُقاحُ مَناعَة على غِرار الجاسُوسة الصحفيّة بالعبَاءة “كاثرين بيريز – شاكدا” والجواسيس تَحْتَ العمَامَة على غِرار الأئمة المُزَيّفِين..
لكنّ الأخْطَرَ على هذا الصّعيد هُوَ أن تَنْجَحَ الدوائرُ الاستِخبارِيّة الصّهيُونيّة في دَفْعِ مُجتمعاتِنا إلى حَرْبٍ طائفيّة سنّيّة – شيعيّة، ومُحاصَرَة الشِّيعة الذين هُم مِن المُكوِّنات الأساسيّة لمُجتَمَعات المنطِقة العَرَبِيّة وخاصّة في الخليج، وإشعارِهِم بأنّ خَطَراً وُجُودِيّاً يُحدِق بهم، عندئذٍ لا أحَدَ يُمْكِنُه تخيّل هَوْل الكارِثة.

وبالتّالي فإنّ إيران ليست بِحاجة إلى مُتَشَيِّعين ولا إلى مُرتَزِقة بل هِيَ بِحاجة إلى أحرار يَتقاطَعُون معها في مَشرُوعِها الاستقلالي السِّيادي ضدّ مَشروع الاستِعباد الإمبريالي العَوْلَمي الذي يَهدفُ إلى أمْرَكَةِ وصَهْيَنَة العالَم بأسْرِهِ وليس مَنْطِقتنا فقط، ويأتي مشروع التطبيع الأبراهامي والسياسات العدوانية الإسرائيلية في سِياقِه.

سَيَستأنِفُ العُدوان

وعليه فإنّ الكِيانَ الصّهيونيَّ الذي فشلَ في تحقيقِ أهدافِه مِن هُجُومِه الغادِر مِن 13 إلى 24جوان الماضي على إيران، سَيَستأنِفُ هذا العُدوان فَوْرَ اسْتِكْمالِ عدّتِه وعتادِه، وسيجرّ مَعه إلى حَرْبٍ ضروسٍ ليس فقط الإدارة الأمريكية الحاليّة بل وحكومتيّ بريطانيا وألمانيا اللتين شاركتا نسْبيّاً في هُجُوم “نتنياهو” وفي محاولات صدّ الردّ الإيراني عليه، فَهُما لا تقلّان حماسة للشرّ الصهيونيّ عن “دونالد ترامب”.
ولأنّه لا أمَلَ بأن يَبْرَأ أولئك القادةُ العَرَب مِن مازوشيّتهم القاتِلة أمامَ الغرْب الصّهيوني سَيُعْتَمَدُ عليهم مرّة أخرى لِتَمويل استئنافِ الحرب على إيران. وستكون المواجهة الوجودية القادمة لحظة تاريخية حاسمة في تَقرِير مَصائر شُعُوبِ المنطقة وإعادةِ رَسْمِ خرائطها الديموغرافيّة والجغراسياسيّة، ولا أمَلَ لِشُعُوبِ المنطِقة بِمُستقبَلٍ إنسانيٍّ كريمٍ إلّا بأن تتلقّى “إسرائيلُ” في المُواجَهَة القادِمة “ضَرْبَةً قاضِيَة” إنْ لم تَعْتَزِلْ بَعْدَها الوُجُودَ في المنطقة، تَنْكمِش إلى كِيانٍ مُسالِم في ظلّ الدّولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ويضمّ هذا الكِيان مِن اليَهودِ مَن بَرئ مِن داء الصهيونية، ولا يُريدُ الهجْرَة إلى أوروبا.

حتى لا تَنكسِر الدّولة الإيرانية

وهزيمة “إسرائيل”، ربّما تُحَرّر ضَمائرَ النُّخَب الفكْريّة والثقافيّة والسِّياسيّة والإعلاميّة والاقتصاديّة العَرَبِيّة وأيديَهُم وأرْجُلَهُم وعُقولَهُم ووجْداناتِهِم مِن القيودِ الغرْبيّة الصّهيونيّة (فالحُريّةُ المَسؤولة قد تكون عِلاجاً ناجعاً لِمُدْمِنِيِّ العبوديّةِ أيضاً)، وربّما سَتَمْنَح الأجيالَ القادِمة مِن العَرَب فُرْصة لِيَجِدوا لَهُم حَيّزاً على خارطة المستقبل، إن غادرُوا لامُبالاتِهِم إلى اغتِنامِ الفرَص المُتاحة.

أمّا إن انهارت إيران أمامَ هذا العدوان المُرتَقَب، فإنّ ” الفوضى الخلّاقة” لن تتوقّف عِنْدَ حَدٍّ في كُلّ الاتِّجاهات.

إنّ ما تَبقّى مِن دُوَلِ المَنطقة ذات السِّيادة أو الحَرِيصة على ما تَبَقّى مِن سِيادتِها، وكذلك أحرار المنطقة والعالَم، الجميع مَعنِيّون بأنْ لا تَنكسِر الدّولة الإيرانية الحريصة على السِّيادةِ الوطنيّة، وعلى عَدَمِ التّدخُّل في شُؤونِها الدَّاخِلِيّة، وعلى حَقِّها في امْتِلاك القوّة الرّادعة لِصِيانةِ استِقلالِها وسِيادتِها وحِمايةِ حُقوقِ الشّعْب الإيراني ذي الحضارة العريقة في الحياة الحُرّة الكريمة وفي تقرير المصير وفي السيادة على ثرواته فوق الأرْض الإيرانية.

كما أنّ القوّة الإقليميّة الإيرانيّة هي جدار الصدّ الأخير أمام قيام الشرق الأوسط الكبير بإعْمامِ “الفوضى الخلّاقة” وتقسيمِ الدُّوَل الوطنيّة مِن إسلام آباد إلى مراكش وتعويضها بإقامةِ دُوَيْلاتٍ فاشلة على أسُسٍ عِرْقيّة وطائفيّة تدورُ جميعها في فلكِ “دولة إسرائيل اليهوديّة الكُبرى”.

والأحرار جميعاً لا يُمكِن إلّا أن يَدعَمُوا مَوقِفَ الدولةِ والشعبِ الإيرانِيَّين ضدّ العدوّ الإسرائيلي الأمريكي، بِدُون تشكيكٍ في مبدئيّتِه حتى لو اختلفْنا مع هذا الموقف في التفاصيل المُتَعلّقة بِمُقاربة بعْضِ الدّولة الإيرانيّة للمسألتين الفلسطينيّة والسّوريّة.

كما أنّ أحرارَ المنطقة و العالَم مَعنيُّون بإيران القوّة العسكرية الوطنية الهائلة التي نعتزّ بها في مُواجَهَة القوّة التدميريّة الهائلة التي يَحشِدُها الغرْب في المنطِقة والتي كان ولا يزال جيشُ الاحتلال الإسرائيلي قِناعاً لها، ليس إلّا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى