هادي دانيال يكتب: مصالح الدوَل الإفريقيّة بالتوجُّه شَرْقاً، لا بالتعويل ‘المازوشي’ على الغَرْبِ المُجَرّب قُرُوناً!


كتب: هادي دانيال
بعد أن كانت الدول الأفريقية كافّة ترزح تحت نِيْر الاستعمار الغربي الأوربي، ونتيجة نضالات الشعوب الإفريقيّة ضدّ الدوَل الاستعماريّة ( هولندا، بريطانيا، فرنسا، وبلجيكا، البرتغال، إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا) وسقوط ملايين الضحايا…
حصلتْ جنوب إفريقيا، المُستعمَرَة الهولنديّة ثُمّ البريطانيّة، على استقلالها في العام 1910، ككِيان مستقل داخل الامبراطوريّة البريطانيّة، وعلى الرغم مِن أنّها أعْلِنَت كجمهوريّة سنة 1961، لكنّها خَضَعت منذ العام 1948 لحُكْمِ الفصْل العُنصري للأقليّة البيضاء الذي سادَ حتى سنة 1994 بانتخاب “نيلسون مانديلا” كأوّل رئيس مِن سكّان البلاد الأصليّين.
وبدءاً من استقلال ليبيا سنة 1951 حتى أواخر الستينات، شهدت القارّة السمراء استقلال عشرات الدوَل الإفريقيّة عن بريطانيا وفرنسا وغيرهما، بينما ماطلت البرتغال في الجلاء عن الدوَل التي تستعمرها، حتى منتصف السبعينات. أمّا أرتيريا فقد حصل لها كما حصل لفلسطين، فبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالميّة الثانية تخلّت روما عن أريتريا لبريطانيا التي بدورها تخلّت عنها لأثيوبيا سنة 1952، علْماً أنّ أثيوبيا كانت مُستَعْمَرة إيطاليّة أيضاً من سنة 1935 حتى سنة 1941. وفي سنة 1993 استقلّت أريتريا عن أثيوبيا بعد حرب دامت ثلاثين عاما.
ومع ذلك لا يزال يحتفظ هؤلاء المستعمرون الغربيّون ببعض الأرض الأفريقيّة كسَبْتَة ومْليلة في شمال القارّة وجزيرة مايوت في جنوبها.
غزو القارة الأمريكية
وقبل أن تقوم الدوَل الغربيّة المذكورة أعلاه باحتلال أفريقيا، وبعد أن غزت القارّة الأمريكية وأبادت سكانها الأصليين/الهنود الحمر، وأنشأت ما يُسَمّى الولايات المتحدة الأمريكيّة، كانت قد ارتكبت جرائمَ خطْفِ أكثر من 12 مليون طفل وامرأة ورجل من وسط وغرب أفريقيا تحديداً ونقْلِهِم على سُفُنٍ برتغاليّة وبريطانيّة وفرنسيّة وإسبانيّة وهولنديّة وأمريكيّة وبَيْعِهِم كعبيد في مُستعمَراتِ بريطانية بأمريكا الشماليّة ومُستعمَرات إسبانيّة وبرتغاليّة في أمريكا الجنوبيّة، للعمل في خدمة المنازل ومَزارع القطن والبُنّ وقصَب السكّر والأرز والكاكاو ومناجمِ الفضّة والذهب. وفي الطريق إلى هذه المصائر البائسة كان المحيط قد ابتلع أكثر مِن مليون إفريقي بعد أن لقوا حُتُوفَهُم بين أيدي القراصنة وتجّار الرقيق الأوربيّين.
اتفاقيات النهب
والغرْب الذي استثمر في تجارة العبيد الإفريقيّين مِن القرْن السادس عشر إلى القرْن التاسع عشر، لم يكفّ أذاه عن شعوبِ هذه القارّة فقام باستباحتها احتلالاً استيطانيّاً ونهْباً للثروات الطبيعيّة. وعندما اضطرّ إلى مغادرتها إبّان حُصولها على الاستقلال، قيّد هذه الدول حديثة الاستقلال باتفاقيات اقتصاديّة وتجاريّة وأمنيّة وسياسيّة وثقافيّة قاسية غيْر متوازنة وغيْر عادلة بل مُجحفة تُمكِّن الشركات الغرْبيّة مِن نهْب الثروات الطبيعية كالملح والفوسفات وصولاً إلى النِّفْط والغاز والنحاس والذهب والماس وغيرها، ولتأبيد ذلك يُسَرْبِلُها بالقواعد العسكرية والاتفاقيّات الأمنيّة وبالقروض الثقيلة، والتلاعُب بمجتمعاتها كي تبقى هشّة غير متماسكة، وهذا كُلّه أو جُلّه يُفقِد هذه الدوَل استقرارَها وشروطَ نموِّها وازدهارِها، ويُضْعِفُ مناعتها إزاء التهابات الداخل وفيروسات الخارج فتخسر سيادتَها على ثرواتها البشريّة والطبيعيّة.
وعلى مدى عقود من الاستقلال الشكلي، لم يكفّ هذا الغرْب عن إخضاع الدوَل الأفريقيّة شعوباً وحكومات بالتدخُّل المُباشر أو غيْر المباشر في شؤونها الداخليّة، لدرجة أنّ حكوماتِ بعضِها تتشكّل ونَمَطَ حياة مواطنيّ ذلك البعض يُرْسَم في السفارات الغرْبيّة أو الأجهزة الاستخباراتيّة لِدُوَل تلك السفارات.
بل إنّ الدوَل الغرْبيّة باتت تتنافس إنْ لم نقُل تتصارع فيما بينها لفرْض نفوذها على دُوَل القارّة، وعلى سبيل التمثيل لا الحصْر، شاهَدْنا ولمسْنا في العقدَين الأخيرَين مِن القرْن المُنصرِم كيف تمكّنت الولاياتُ المتحدة الأمريكية من فرْض نفوذها على الدوَل الأفريقيّة التي كانت فرنسا تعدّها فضاءً مُغلقاً لها ثقافيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً.
‘أمركة’ العالم
وفي سياق فرْض العَوْلَمَة، أو الأمْرَكَة، والهَيْمَنَة المُطلقة على مصائر البشريّة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وإلحاق أوربّا كلها بإرادة الإدارة الأمريكيّة ومصالحها، ولفرْض سياسة واشنطن الخارجيّة قَسَّمَت الأخيرة العالَمَ إلى مناطق نفوذ أمريكية بالقوة العسكرية القاهرة، فكانت “أفريكوم”/ القيادةُ العسكريّة الأمريكيّة في أفريقيا، ومقرّها ثكنات كلي في شتوتغارت بألمانيا، المسؤولةَ عن العمليّات العسكرية في 53 دولة أفريقية عدا مِصْر.
والسبب الرئيس لإنشاء “أفريكوم” التي أنشئت سنة 2007 وباشرت العمل الفعلي سنة 2008 ، هو أطماعُ واشنطن بثروات شعوب القارّة الأفريقية، وتطيُّرُها من نُموُّ العلاقات بين الصين والدُّوَل الأفريقيّة، خاصّة بَعْد أن باتت الصين ثالثَ أكبر شريك تجاري مع إفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا. وزاد تطيُّر واشنطن بعد أن برزت في مواجهتها قوى دوليّة وإقليميّة تقول بصوتٍ عالٍ: لا لاستمرار الهيْمنة الأمريكيّة على السياسة الدوليّة. وتُرْجِمَ هذا القوْل إلى أفعال ملموسة بتحرُّك مِحوَر الشرْق الجديد والفَتِيّ مُمَثَّلاً بالصين وروسيا والهند وإيران وجنوب أفريقيا والبرازيل وفنزويلا وغيرها، في مواجهة مِحوَر الغرْب الهَرِم مُمَثَّلاً بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها التقليديّين في أوربّا وبقيّة العالم.
كانت واشنطن مَتْبُوعة بجُلّ العواصم الغربيّة ولا تزال، تفرضُ سياساتها الخارجيّة على الدُّوَل المُستَهْدَفة باستخدام العقوبات مُختلِفة الأوْجُه والمستويات مُهدِّدَةً تلميحاً أو تصريحاً باستخدام قوّتها العسكريّة، ولا تجد حَرَجاً بأن تدوس في علاقاتها الدبلوماسيّة سيادةَ الدوَل طالِبةً من هذه الدُّوَل إنهاء أو تجميد علاقاتها الاقتصادية والتجارية والأمنيّة إلخ مع الصين وروسيا وإيران، تحديداً.
تحرّك الصين وروسيا
وهذه السياسة الأمريكيّة دفعت الصين وروسيا وغيرهما إلى حماية مصالحهما بالانتشار عسكريّاً وأمنيّاً عبْر العالَمِ، ما أمْكَن. وفي هذا الإطار ولِمُواجهة العقوبات الغرْبيّة النَّمَطِيّة المتكرّرة التي فُرِضَت على الشركات والدوَل المتعاونة مع روسيا خلال الحرب في أوكرانيا، كان لابُدّ مِن استراتيجيّة وعقيدة عسكرية جديدتين تمثلتا بإنشاء قوة “الاستعداد والتدخل السريع” الصينيّة لحِفْظ السلام العالمي، وبنشاطٍ عسكري صيني ضدّ القراصنة في سواحل الصومال وخليج عدن، وبنشاطٍ عسكري روسي لدعْم الأنظمة الوطنيّة الإفريقيّة وحماية المصالح الروسيّة في آنٍ معاً، واعتماد ديبلوماسيّة عسكريّة مِن مظاهرها تبادُل التدريبات العسكريّة على غرار المناورات البحريّة التي استضافتها بَحريّة جنوب أفريقيا لأوّل مرّة مع سُفُنٍ من البحريّة الروسيّة والصينيّة في نوفمبر 2019، تبعتْها مناوراتٌ مُشترَكة صينيّة روسيّة جنوب أفريقيّة أيضاً في المحيط الهندي قبالة ساحل ديربان، وُصُولاً إلى مُناورات جويّة مِصْريّة- صينيّة تحت اسم “نسور الحضارة – 2025”. هذا فَضْلاً عن إنشاء قاعدة عسكريّة بَحْريّة خارجيّة على ساحل القرْن الإفريقي في “جيبوتي” تبعُد أقلَّ من 10 كيلومتر عن القاعدتين العسكريّتين الأمريكيّة واليابانيّة. والصين ربّما تكون حاليّاً بصدد إنشاء قواعد عسكريّة مُماثلة في ناميبيا وتنزانيا وكينيا.
هذا النشاط العسكري المُتصاعِد لِمِحوَر الشرْق على امتداد القارّة الإفريقيّة جاء ردّة فعْل مدروسة وباتت ضروريّة لِكَبْحِ جماح نهْب الغرْب الأمريكي والفرنسي لثروات القارّة الإفريقيّة تحت تهديد القوّة العسكريّة، على حساب مصالح شُعوب الدوَل الإفريقيّة ومصالح شعوب الدوَل الصديقة لها كالصين وروسيا اللتين تقيمان مع الدول الإفريقيّة علاقات مصالح مُشترَكة حقيقيّة ومَنافع مُتبادَلة تحت عنوان “الجميع رابح”، وترتكز على مبادرة الحزام والطريق، مستلهمة طريق الحرير التاريخيّة.
تدخلات وانقلابات
وبرز ذلك خاصّة بعد تضرُّر المصالح الصينيّة والروسيّة في القارّة بفعْل التدخُّلات الغرْبيّة والانقلابات في بعض الدوَل والأنظمة السياسية الحليفة لها كما حدث في ليبيا والسودان.
خلافًا للقوى الغربيّة الأوربيّة والأمريكيّة ذات الإرْث المُتوَحِّش مِن النّهْب والهَيْمَنة والاستِعباد، فإنّ الصين وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً) لم يكن لهما أيّ وجود استعماري في القارّة السمراء بل كثيراً ما دعمتا الدُّوَلَ الأفريقيّة، خاصة الاشتراكية منها، في كفاحها ضدّ الإمبرياليّة الغربيّة، وانتصرتا لحقّ الدوَل الإفريقيّة بالاستقلال وتقرير المصير.
إذَنْ على مدى عقود طويلة واظبَت موسكو وبكين على مساندة حركات الاستقلال وتقديم المساعدات الاقتصاديّة للدوَل الإفريقيّة المستقلة حديثاً، ودعْم “مُناهضة الإمبرياليّة” ومُكافحة الاستعمار في أفريقيا، إلّا أنّها انتقلت في نهاية القرْن العشرين إلى التعاوُن الاقتصادي المفيد للطرَفين، فانتقلت من تقديم المساعدة الاقتصادية إلى إبرام عقود الخدمات والاستثمار والتجارة في إطار مؤسساتي ومنتديات، أفضت إلى تقديم قروض ائتمان بملايين الدولارات والالتزام بتطوير البنية التحتية في إفريقيا، وإنشاء مناطق اقتصاديّة خاصة.
بَثّ الفوضى والفِتَن
إنّ إفريقيا قارّة ذات أهميّة جيوسياسيّة، وثروات وموارد متنوّعة وتركيبة سكّانيّة شابّة بلغ تعدادُها 1.5مليار، سنة 2024 وفْق إحصائيّة أمميّة، مِمّا يؤهّلها لأن تكون ضمْن الاقتصادات العالميّة الأسرع نموّاً، لكنّ الولايات المتحدة وفرنسا، على الرغم من انكماش نفوذهما فيها، لا تزالان تعتمدان سياسة الهَيْمَنة العسكريّة وازدراء الدُّوَل، وبَثّ الفوضى والفِتَن كي يظلّ جزءٌ كبيرٌ من سكّانها رازحاً تحت وطأة العُنْف والحروب الأهليّة وعدم الاستقرار وبالتالي الفقر والجوع والمَرَض بلا أمان ولا نُمُوّ ولا ازْدِهار.
بالمقابل، بينما يَنهَب “ترامب” تريليونات الدولارات، مثلاً، مِن بعض الدُّوَل بذريعة حماية حكوماتها في غرب آسيا، ويُجبِر تلك الحكومات على أن تَصرِف على القواعد الأمريكيّة فيها مليارات الدولارات أيضاً، فإنّ الصين، مثلاً، أنشأت قاعدتها العسكريّة في جيبوتي وفْق اتفاقيّة معاهدة أمْنيّة ودفاعيّة سنة 2014، دَفَعَت بكين بموجبها 20 مليون دولار بالإضافة إلى تدريب وتأهيل الجيش الجيبوتي ورفْع كفاءته. وعلى غرار الصين ساعدت روسيا ثلاث دول في غرْب إفريقيا، هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، على إنشاء اتحاد كونفدرالي باسم “تحالف دُوَل الساحل”، الهدفُ منه إنشاء نظام للدفاع الجماعي وآليّة للمساعدة المُتبادَلة بين هذه الدوَل وكذلك مكافحة الإرهاب على أراضيها. صحيح أنّ ذلك “سيسهّل مهمّة الفَيْلَق الإفريقي (مجموعة فاغنر) التابع لوزارة الدفاع الروسيّة لتحقيق الاستقرار في المنطقة”، وقد يزيد من نفوذ روسيا في المنطقة المَعنيّة، خاصة إذا استثمرت في الدول المحتاجة إلى إنشاء بنْية تحتيّة لتعزيز النشاط الاقتصادي، وعندها سيكون العائد على الاستثمار مُجْدِياً، إلّا أنّ الأهمّ أنّه سيُمكِّن حكومات وشُعوبَ هذه الدُّوَل من إنهاء الحقبة الاستعماريّة وتدشين حقبة جديدة تتصرّف فيها هذه الدول وحكوماتها بثرواتها وفْق معايير سيادية بَدَلاً مِن إجبارها على تسليمها للشركات الفرنسية بأسعار زهيدة جدّاً. وإطلاق النيجر تصدير الدفعة الأولى من براميل النفط الخام في جانفي 2024 عبْر خطّ أنابيب في “بنين” بتمويل من شركة “بتروتشاينا” الصينيّة بادرة في هذا الاتجاه. ناهيك عن أنّ انضمامَ دُوَل إفريقيّة أخرى، كما هو محتمل، إلى هذا التحالف كالبنين والسنغال وتشاد، سيجعل حلمَ إقامة “الولايات المتحدة الإفريقية” واستعادة العدالة التاريخية، قَيْدَ التحقُّق. بل يذهب البعض إلى أنّ “هذا مسار ربّما يؤدّي إلى إنشاء اتحادٍ تكامُليٍّ كبير يمكن أن يصبح مَرْكزاً جديداً لعالَمٍ مُتعدِّدِ الأقطاب”.
استعمار جديد
إنّ محاولة تصوير اتساع نفوذ مِحوَر الشرْق على حساب مِحوَر الغرب قد يفضي إلى شكلٍ من “الاستعمار الجديد”، أي استبدال مُستعمِرِين غربيّين بمُستعمِرِين شرقيّين، ليس أكثر من ترّهات إعلاميّة غرْبيّة، لأنّه على الرّغْم مِن احتمال تنامي الوجود العسكري الصيني والروسي في القارّة الأفريقية بالتنسيق مع حكوماتها الوطنيّة فإنّ هذا الوجود لن ينحو مَنْحى وجود الدوَل الأوروبّيّة الاستعماريّة القسري والقهري، بل سيبقى مُنسجِماً مع مبادئ العقيدتين العسكريّتين الصينيّة والروسيّة المُعلَنَتَين، لِضمانِ استقرار القارّة وجعْلِها آمنة وتتوافرُ فيها جميعُ شروط النموّ والازدهار مِن جهة، ولأنّ موسكو وبكين ومعهما مُعظم دُوَل مُنظّمة البريكس ومُنظّمة شنغهاي للتعاون، عازمون على فرْض احترام القانون الدولي والشرعيّة الدوليّة على دُوَل العالَمِ كافّة وخاصّة على الولايات المتحدة ودُوَل “الناتو” التي تُمْعِن بانتهاكهما دون رادِع. وهذا لن يكون إلّا بإرساء مشهد سياسي واقتصادي وعسكري دولي مُتَعَدِّد الأقطاب.
ومِمّا يفنّد تخرُّصات وسائلِ الإعلام الغربيّة، تمثيلاً لا حَصْراً، أنّ ديون بكين على الدول الأفريقيّة تتجاوز 120 مليار دولار، لِكَوْن الصين أكبر مُوَرِّد للسلَع والبضائع وشريكاً تجاريّاً رئيساً لدُوَل القارّة، ولكنّ الصينيين لن يستخدموا هذه الديون سيفاً مُسلطاً على حكومات وشعوب الدوَل المَدينة، على طريقة “ترامب” ونُظرائه من حُكّام الغرْب المَنّانين المُبتزِّين، بل على العكْس من ذلك تتبع بكين أسلوباً خاصّاً لمعالجة هذه الديون “من خلال استثمارها في مشاريع تنموية داخل الدول المَدينة”، وأكثر من ذلك تعهَّدَت بتمويل مشاريع بقيمة 50 مليار دولار إضافيّة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
أمريكا تستميت
إنّ الولايات المتحدة تستميت ، بكل ما أوتِيَت مِن قوّة، من أجْل مُواجهة هذا التحدّي “الشرْقي”، وللاستحواذ على أكبر قدْر مُمكِن مِن خيرات القارّة، وبالتالي الحِفاظ على مكانتها الدولية كقطْبٍ وحيدٍ أوْحَد، إمبريالي استعماري ومُهَيْمِن على مصائر البشريّة. ولكنّ بكين وموسكو وبقيّة مِحوَر الشرق، كما بيّنّا أعلاه لن يقفوا مكتوفيّ الأيْدي أمامَ التحرُّكات الأميركيّة المسعورة في إفريقيا والعالَم.
في ظل هذه الأوضاع، يحتدم الصراع بين مِحوَر الغرْب الذي يسعى إلى استغلال ثروات أفريقيا لِصالِحِه، وخصوصاً في ظلّ أزمات الطاقة والغذاء والمياه. وبين مِحوَر الشرْق الذي يركّز اهتمامه على تطوير القارّة وتنميتها، سواء على مستوى الازدهار الاقتصادي في الدوَل المتقدّمة أو التنمية المُستدامة في الدوَل النامية. ومع ازدياد حدّة هذا الصراع، يُفترَض بالدوَل الأفريقيّة أن تكون أكثر وَعْياً وقدْرة على اختيار مَسارٍ يَضْمَنُ مصالحها، بالتعلُّم مِن التجارب الناجحة التي أثبتت فاعليّتها في تحسين أوضاع الشعوب وأخْذ الدروس مِن التجارب الفاشلة التي أوْقَعَتْها في شِباكِ ثعالب الغرْب. ذلك أنّ تطوير البنْية التحتيّة لتعزيز الاستثمارات والتحوّل مِن بَيْع المواد الخام إلى تصدير المُنتَجات المُصنَّعة يتطلّب رؤوسَ أموالٍ كبيرة لتشييد المصانع وتحقيق طفرات صناعيّة، وهو أمْر يعجز العديدُ من دوَل القارّة عن تحقيقه فرادى. مِمّا يجعل مِن الطبيعي عقد الدوَل الإفريقيّة آمالاً كبيرة على التوجُّه إلى منظّمة البريكس ومنظّمة شنغهاي للتعاون اللتين أنشأتا بَنْكَي تنمية لهذا الغَرَض، خاصّة وأنّ الدولتين العُظْمَيَين في هاتين المنظمتين (الصين وروسيا) لا تاريخَ استعماريّاً لهما، على العكس مِن دُوَلِ “الناتو” كافّة.
وأخيراً، لا تفوتُنا الإشارةُ إلى أنّ الدوَل الإقليميّة التي تبحث لها عن موطئ قدمٍ في القارّة السمراء كتركيا والسعوديّة وإيران كان الأجدر بها أن تكون، بما تملكه من أموال طائلة، ظهيراً للدوَل الإفريقيّة، أو في الأقلّ لتلك الدوَل الإفريقيّة ذات الأغلبيّة السكّانية المُسلِمة، لِمُواجهة تغلغل “إسرائيل” في القارّة السمراء لدرجة أنّ تل أبيب أنشأت قاعدة عسكريّة لها في أريتريا، بَدَلَ أن تَصرِف هذه الدول جهْدَها وأموالَها في نقْل صراعاتها الطائفيّة في آسيا إلى إفريقيا أيضاً، فيصبّ الجهْد الإيراني في حملات “التشييع” بينما يصبّ الجهدان السعودي والتركي في مقاومة هذا “التشييع” مع فارق أنّ إيران تفرد بعض جهدها هذا لِمُقاوَمة التغلغل الإسرائيلي.
غَيْر بعيدٍ عن هذا السياق يُخطئ بعض الدول الإفريقيّة عندما يحصر استراتيجيّتَه في صراعات بيْنيّة ضيّقة ومُتعفنة، وبِضَرْبٍ مِن المُناكفات غيْر المحسوبة جيّداً، يبدو وكأنّه يفقد البوصلة، فيهدّد بالاستقواء بالمُستعمِر الأمريكي، مِمّا يجعل الأخيرَ يتلقفه كأداة سامة قد تعرقل نسبيّاً سرعة تقدُّم القارّة وخروجها من مستنقع الفقر والفوضى والتحرُّر من نِيْرِ الاستعمار بأشكاله الاستيطانيّة والنيوليبراليّة.




