صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: في مثل هذا اليوم 14 جويلية 1953…اختتام المؤتمر التأسيسي لاتحاد الطلبة بباريس

ISSA BACCOUCH
كتب: عيسى البكوش

في مثل هذا اليوم منذ 72 عاما أنهى المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام لطلبة تونس أشغاله بالمصادقة على لوائحه و انتخاب مكتب تنفيذي تركب من المنعّمين مصطفى عبد السلام رئيسا وعبد الحكيم عبد الجواد وعبد الحق الأسود والاستاذين عمّار محجوبي ومحمد التريكي.

لقد ولد الاتحاد شامخا بمشاركة صفوة من بناة دولة الاستقلال بعد أن نالوا شرف المساهمة في الحراك الوطني إبّان اندلاع ثورة 18 جانفي 1952.

هبّة الرجل الواحد

ويمكن اعتبار هذا التنظيم أحد ارتدادات تلك الثورة إذ أنّ طلبة معهد الدراسات العليا وهي المؤسسة الوحيدة للتعليم العالي العصري وبالخصوص تلاميذ المعاهد الثانوية هبّوا منذ ذلك التاريخ هبّة الرجل الواحد فكانت الإضرابات، وكانت ردود الفعل من قبل قوى الاستعمار بالطرد والمطاردة حتى كان يوم 26 فيفري بجامع صاحب الطابع حين التحم المدرسيّون والزيتونيّون وقام فيهم خطيبان عبد المجيد شاكر وأحمد الخبثاني…

إنشاء اتحاد جامع

وتمخّض هذا الحراك عن تكوين لجنة تنسيق ضمّت علاوة على عبد المجيد شاكر الحبيب بولعراس وحامد الزغل والشريف الماطري وتوفيق المنكبي وعبد الستار العجمي ومحمد التريكي وخالد بن عمّار وراضية بلخوجة وزكيّة حرمل، حيث التأمت اجتماعات اللجنة طورا في منزل هذه الأخيرة بنهج القعادين وطورا في منزل جميلة المنكبي إلى أن تمخضت على فكرة إنشاء اتحاد جامع للتلاميذ والطلبة.

مؤتمر تأسيسي

ولمّا كانت البلاد ترزح تحت القوانين الجائرة، وبعد التنسيق مع الطلبة المتواجدين في فرنسا والذين انصهروا بدورهم في تحريك السواكن لفائدة القضيّة الوطنية تمّ الاتفاق على عقد مؤتمر تأسيسي بباريس، فتكوّنت لجنة تنظيمية للغرض ضمّت من بين من ضمّت الإخوة منصور معلى وحامد القروي ومحمد شاكر وحافظ طرميز ونجيب البوزيري ومحمد الرزقي وحسن غويل، والتحق بهم من تونس الإخوة المختار الفخفاخ وعبد السلام القلال والتيجاني مقني وعمّار المحجوبي والطيّب اللوز من المدرّسين والطيب الغرياني ورضا السلامي ومحمد التريكي من الزيتونيين.

خطاب منصور معلّى

كما حضر المؤتمر من فرنسا الإخوة الطيب السحباني وعلي طريطر وصالح الأدغم ومحمد الغراب والمنجي بن حميدة وعز الدين مبارك ومنصور معلى الذي ترأّس الأشغال وافتتحها بخطاب يقرأ بماء العين، حيث أتى فيه على الظروف التي حفّت بالوطن وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بعد كلّ الانتهاكات خاصة بالوطن القبلي (تازركة فيفري 1952).
تمّ ذلك بين جدران مقرّ جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بـ115 شارع سان ميشال بباريس، هذه الجمعية التي أسّسها وترأسّها الدكتور سالم الشاذلي أوّل طبيب نفساني تونسي.
ومن جملة ما صدع به سي منصور هاته الكلمات – والتي ألقاها بحضور عدد من اليساريين الفرنسيين واتحاد الطلبة الفرنسيين وكذلك ممثلي عدد من المنظمات المتعاطفة مع القضيّة-: ” إنّنا واثقون أنّ الحقيقة ستنتصر وأنّ القضايا العادلة دوما تؤول إليها الكلمة الأخيرة. إنّ قضيّتنا عادلة ولذلك فهي لن تنطفئ جذوتها وكلّ مدافع العالم تستطيع أن تصعّد من دويّها فلن تغيّر شيئا في ثقتنا في النصر القريب”.

لجان المؤتمر

ثمّ تفرّع المؤتمر إلى أربع لجان تعنى بالقانون الأساسي وبوضع التعليم و بالمسألة الوطنية وأنشطة الاتحاد، بعد ذلك صادق المؤتمرون على عديد اللوائح دعت أولاها شباب البلاد للانخراط في النضال من أجل الكرامة والاستقلال وآخرها كانت مخصّصة للشهيد فرحات حشّاد الذي اغتالته يد الغدر يوم 5 ديسمبر 1952.
ولكن قبل ذلك تدخّل رجال الأمن الفرنسي يوم 13 جويلية لإيقاف الأشغال وغلق مقر اجتماع المؤتمر، فما كان من المؤتمرين إلا مغادرة القاعة والتوجّه إلى مقر الطلبة المغاربة بنهج سربوت في نفس الحي اللاتيني.

أيام لا تُنسى

يذكر أحد المؤتمرين وهو الصديق عبد السلام القلال في كتابه ‘الحلم والمنعرج الخطأ’ الصادر عن دار الجنوب سنة 2018 ص52 ” عندما توجهنا إلى ذلك النادي كنت صحبة الأخ منصور معلى مُنظم المؤتمر ومحرّكه وجدنا في مستوى ساحة السوربون مجموعة من الشبان الفرنسيين يرقصون احتفاءً بذكرى العيد الوطني الفرنسي، فالتفت إليّ الأخ منصور قائلا: ما قولك يا عبد السلام في رقصة تزيل عنّا الإرهاق وتجعلنا نشاطر الشباب الفرنسي في الاحتفال بذكرى ثورة الحرية والعدالة والمساواة”.
ويضيف سي عبد السلام: ” لقد عشنا في هذا المؤتمر أيّاما لا تنسى كانت تسودها نشوة التحدّي للاستعمار الغاشم والإيمان العميق بضرورة النضال والتضحية”.
وهذا لعمري هو مصداق للبرقية التي أرسلها الزعيم الحبيب بورقيبة إلى المؤتمرين من منفاه بجالطة والتي جاء فيها بالخصوص: ‘إنّ النضال وحده هو الذي يعطي معنى للحياة’.
الحريّة والعدالة والمساواة: كانت هي القيّم التي آمن بها المؤسّسون ولقد سار الكثير منا على دربهم.

تحيّة وفاء

فتحيّة إكبار ووفاء لكلّ من شمّر الساعد وأعمل الفكرة، وضحّى واستبسل، وأعطى وبذل، ورحمة لمن قضى منهم وآخرهم الرفيق محجوب القرفالي الذي تسلمت منه عام 1969 مشعل الأمانة العامة لهذا الاتحاد الذي نباهي به ويباهي بنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى