صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: ‘زيلنسكي’ حوَّل أوكرانيا إلى كِيانٍ وظيفيٍّ في خدْمةِ الحُروبِ الصهيـ.و ـ أمريكية

adanille
كتب: هادي دانيال

استعداداً للمعركة النهائيّة (؟) حسب مزاعم الدوائر الصهـ.يو أمريكيّة، التي يُرادُ منها أن تحسمَ حربَ واشنطن وتل أبيب على طهران، والتي ستكون شاملة بِمَعنى أنّها لن تقتصِرَ على إيران بل ستشملُ حُلفاءَها في اليمن ولبنان والعراق…

استعداداً لهذه المعركة الضروس التي لا أحَد يُمكِنُه التكهُّن لا بِنتائجِها ولا بالمدّةِ التي ستسْتغرِقُها، كان الرئيسُ الأمريكي “دونالد ترامْب” يستقبِلُ بأنقرة وواشنطن أحمد الشرع أو “أبا محمّد الجولاني” رئيسَ سلطة دمشق المؤقّتة، والرئيس الأوكراني المُنتهية ولايته “فلوديمير زيلينسكي” و”علي فالح الزيدي” رئيس الحكومة العراقية وأخيراً “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء الكِيان الصهيـ.وني.

ولم يَعُد خافياً أنّ جميع هذه اللقاءات يُضاف إليها التنسيقُ مع الرئيس التركي “طيّب رجب أردوغان”، كان مِحوَرها الاستعداد لِحَسْمِ الحربِ على إيران وتحقيقِ أهداف “ترامْب” و”نتنياهو” منها، فالرئيس الأمريكي كَلَّفَ “الجولاني” بالهُجُومِ على “حزب الله” في لبنان ونزْع سلاحه، وكذلك بإرسالِ مُقاتِلِين مِن “هيئةِ تحريرِ الشام” والفصائل الرّديفة لها إلى قِتالِ “الحوثيِّين” في اليَمَن بِتمويلٍ دولة عربية، وقد غادرَ الآلافُ مِن هؤلاء الأراضي السوريّة باتجاه الخليج العربي لِهذا الغرض. كما طلبَ مِن “الزيدي” نَزْعَ أسلحة “فصائل المُقاوَمة” العِراقيّة ولو أدّى ذلك إلى فكِّ الارتِباط الرَّسمي القائم بين وزارة الدِّفاع العِراقيّة و “الحَشْد الشّعبي” العِراقي.

الهدَفُ مِن ذلك إشْغال “حزب الله” و “الحوثيِّين” و”فصائل المُقاوَمة” العِراقيّة وتَشتِيتُ قواهم وبالتالي التخلُّص مِن خَطَرِهم على القوّاتِ الأمريكيّة والإسرائيليّة إبّان الهُجُوم الصهيــ.و ـ أمريكي المُرْتَقَب في وقتٍ قريبٍ على إيران (ما أن تكتمل الاستعدادات اللوجستيّة العسكريّة والتسليحيّة خاصة المُتعلِّق منها بالتصدّي للصواريخ الإيرانيّة). وقد سخّنَتْ واشنطن وحلفاؤها أجواءَ المنطقة في هذا الاتجاه بتوتير العلاقات مُجدَّداً بين صنعاء والرِّياض مِن جِهة وبين بغداد والرِّياض مِن جِهة ثانية وحاوَلتْ تل أبيب، عبْر وُكلائها، التشويشَ على العلاقات المصريّة – الإيرانيّة بالمسيّرَة التي ضربَتْ باخرةً في ميناء دمياط، لكنّ القاهرة على ما يبدو اقتنعَتْ بِنَفي طهران مسؤوليّتها عن ذلك، خاصّة وأنّ للقاهرة مُعطياتها الاستخباريّة التي تُمكّنها بالدَّليلِ والتحليل مِن مَعرفةِ الفاعِلِ ومَقاصِدِه.

تدخل أوكراني

وإذا كانت القواعِدُ والمَصالِحُ الأمريكيّة في المنطقة باتت في هذه الحرب أهدافاً تقليديّةً للصواريخ والمُسَيَّرات الإيرانيّة، كما أنّ السعودية واليمن في حرب بَيْنيّة تَستَعِرُ وتهدأ مؤقتاً منذ سنوات بِدُون الوُصُول إلى تسوية نِهائيّة، فإنّ اللافِتَ هُنا دَوْر أوكرانيا في هذه الحرب. ذلك أنّ “قاسم العبودي” مستشار الأمْن القومي العِراقي في حكومةِ “علي الزيدي” نفْسِهِ تحدّثَ عن اكتِشافِ خلايا تابِعة للمُخابراتِ الأوكرانيّة تعمَل في العراق، تمَّ القبْضُ على أفرادِها، وأنّ هذه الخلايا نفّذت هجمات مِن داخل العِراق ضدَّ مُنشآتٍ سِيادِيّة عِراقيّة، كما أنّ هذه الخلايا الأوكرانِيّة اتُّهِمَت بِضَرْب المنشآت النفطيّة في منطقتي الشرقيّة والرِّياض بالمملكة العربيّة السعودية من داخل الأراضي العراقيّة…
الأمْر الذي تمّ الردُّ علَيه بِضَرْبة أمريكية سعوديّة استَهْدَفَتْ “الحَشْدَ الشعبي” في الأراضي العِراقيّة، (وإنْ كانت تسريباتٌ لاحِقة أكّدت أنّ المُسَيَّرات التي ضَرَبَت المُنشآت السعوديّة انطلقَت مِن المناطِقِ التي يُسيطِرُ عليها جيشُ الاحتلالِ الإسرائيلي في الجنوبِ السوري!) وذلك مِن أجْلِ تحميلِ فصائل “المُقاوَمة العراقيّةّ مَسؤوليّة ذلك والزَّجِّ بِها في مُواجَهة الجيشِ العراقي، مِمّا يمنع هذه الفصائل مِن دُخُول سوريا، كما هدَّدَتْ، إذا دَخَلتْ قوّاتُ “الجولاني” إلى لبنان، كما يَمْنَعُها مِن إسنادِ إيران باستهدافِ القوّات الأمريكيّة والإسرائيليّة في المنطقة.

إذا كان حُكّام “كييف” يُبَرِّرون دعْمَهم لإرهابِيِّي “جبهة النصرة” أو “هيئة تحرير الشام” في إدلِب، قبْلَ سُقوطِ دمشق في 8 ديسمبر2024، بِتمكِينِهم مِن المُسيّرات والمُدرِّبين الأوكرانِيِّين بذريعة أنّهم يُواجِهون “عدوّاً مُشتركاً” هُوَ الوُجُود الرُّوسي الدّاعِم للجيش العربي السوري بقيادة الرئيس بشّار الأسد، وإذا كانوا نِكايةً بِمُوسكو يُدرِّبُون عناصر مُسَلَّحَة مِن “جماعة نصْرة الإسلام والمُسلمين” التابعة لِتنظيمِ “القاعدة” الإرهابي، ضدّ حُلَفاءِ روسيا في النيجر ومالي لِزَعْزَعَةِ استقرار منطقة الساحل، كما صرّحَ رئيسُ النيجر الجنرال “عبد الرحمن تياني” بِخِطابٍ ومُقابَلَةٍ رسميّة بثّها التلفزيون الحُكُومي، فماذا يَعني اعتداء القوّات الأوكرانيّة على سفينةٍ إيرانيّة في بَحرِ قزوين، أو استهداف منشآت مَدَنِيّة عِراقيّة وسُعوديّة مِن الأراضي العراقيّة لاتِّهامِ “المُقاومة العراقيّة” وإحداث أزْمَة بين العراق والسعوديّة مِن جِهَة وبين الحُكُومة العراقيّة و “الحشْد العراقي” وُصُولاً إلى نِزاعٍ شِيعي – سنّي مُسلّح، داخِل العِراق والمَنطِقة.

وقبْل ذلك إرسال مُسيّرات ومُدرّبين أوكرانيّين إلى الإمارات المتحدة تمّ استهدافهم بالصواريخ الإيرانيّة في المعارك السابقة مِن هذه الحرب؟.

كيان وظيفي؟

ماذا يَعني هذا السلوك غيْر أنّ الرئيس الأوكراني المُنتَهِيَة وِلايته، “فولوديمير زيلينسكي”، حَوّلَ أوكرانيا مِن دولة وَازِنَة اقتصاديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً إلى كِيان وظيفيٍّ في خدمة المصالح الغربية الأوربيّة – الأمريكيّة والصـ.هيونيّة على حساب المصالح الوطنية أو القوميّة الأوكرانيّة. وقد أخذته العزّة بالإثم إلى المُغامَرَةِ ليس فقط بتحويل الشعب الأوكراني إلى وُقُودٍ لِهذا الدَّور الوظيفي، بل إلى المُقامَرة بِمصائر أوكرانيا ووُجُودِها الجغراسياسي، فسياسة “زيلينسكي” وحكومته التي يَحمِلُ مُعظَمُ أفرادِها الجنسيّة الإسرائيليّة أيضاً فتحتْ البابَ على مِصراعَيْه نحو تفكيك الجغرافيا السياسيّة الأوكرانيّة، هذه الجغرافيا التي كانت “كييف” قد حَصَلَتْ على جزءٍ كبيرٍ مِنْها على حساب روسيا، وهنغاريا، وبولونيا ورومانيا بِقراراتٍ صَدَرَت عن زعِيمَي الاتحاد السوفياتي فلاديمير إيليتش لينين وجوزيف ستالين، وكان يُمكِن لِهذه الجغرافيا السياسيّة أن لا تُمَس لو أنّ حكّام “كييف” ترَفَّعوا عن أن يكونوا رأسَ حَرْبةِ مُؤامرة غربيّة صهيونيّة لتفكيكِ الاتحاد الرُّوسي…
الأمْر الذي دَفَعَ الرئيسَ الرُّوسيَّ “فلاديمير بوتين” إلى شنّ العمليّة العسكريّة الخاصّة التي استعادَ بِها مِن أوكرانيا الأقاليمَ الرُّوسيّة الخمسة: شبْه جزيرة القرم، دونيتسك، لوهانسك، زابوريجيا، وخيرسون. هذه العملية التي حوّلها الغربُ إلى حربٍ طويلة قد تَستنزِف روسيا نسبيّاً، لكنّها تُهدِّد أوكرانيا في مَصيرِها كَدَوْلة، خاصّة وأنّ تَرَنُّحَ أوكرانيا الوُجُودي حاليّاً سيدفع بودابست ووارسو وبوخارست إلى استعادةِ أراضيها التي ضمّها “ستالين” إلى أوكرانيا، على غرار إقليم “زاكارباتيا” الهنغاري، إقليمي غاليسيا الشرقيّة وفولينيا البولونِيَّين، ومناطق شمال بوكوفينا، هيرتسا، هوتين وبودجاك الرومانيّة. وهي جميعها تقع غَرْبَ أوكرانيا. فما الذي يتبقّى مِن أوكرانيا إذا ما تواصلت الحربُ على هذا المنوال الذي يُفْضِي تَوَاصُلُه فقط إلى انتصارِ الجيش الرُّوسي ليس على الجيش الأوكراني المُتداعي فقط بل على الغرب الذي يمدّ “زيلينسكي” وجيشَه بالأمْصال التي قد تؤجِّل رفْع “كييف” الرايات البيضاء.

حماقة أوكرانيّة

وعلى الرُّغْمِ مِن أنّ استمرارَ هذه الحرب هو حماقة أوكرانيّة لأنّها تُفضي تماماً إلى النقيض مِمّا توهّمَ “زيلنسكي” أنّها قد تُحقِّقه، كما هُوَ جريمة غربيّة مُزْدَوِجة ضدّ الشعبَين الروسي والأوكراني، إلّا أنّ “زيلينسكي” يُحاوِلُ أن يُقنِعَ نَفْسَه قبْلَ مَن تبقّى حيّاً أو لم يُهاجِر بَعْدُ مِن مُواطِنِيه، بأنّه ليس مَعزولاً، وبأنّ أوكرانيا لا تزال دولة مُستقِلّة، وذلك بإقامةِ حفْلٍ ضَخْمٍ يوم 24 أوت الجاري سيدعو إليه إضافة إلى زُعَماءِ الدُّوَل الأوربّيّة زُعَماءَ دُوَلِ إفريقيّةٍ وعربيّة مِن أولئك الحكّام الوظيفيّين الذين يُدْعَون إلى البيت الأبيض لِتقديمِ ولاء الإذعان والطاعة لِسيِّدِهِم البرتقالي أمامَ الكاميرات.

يجب إنهاء هذه الحرب

ولا شكّ أنّ المُشارَكة الرسميّة في احتفالٍ مُكابِرٍ كهذا تحفّ به المَخاطِرُ الأمْنِيَّة والأخلاقيّة، هِيَ، أي المُشاركة، بمثابة مَوقف يُساندُ استمرارَ تدميرِ المُدُن والبلْدات والقُرى والبُنى التَّحتيّة المَدَنِيّة والعسكريّة وقتْل المزيد مِن البَشَر، أمّا المَوقِف الحكيم، فَهُوَ التَّرَوِّي وَعَدَم تَسْخِين رأس “زيلينسكي” والعمَل على إنهاءِ هذه الحرب، عِندَئذٍ يُصبِحُ الاحتفالُ بِعِيدِ استِقلالِ أوكرانيا الأصْليّة، مُجَرَّدَةً مِن الإضافات السوفياتيّة أو الستالينيّة إليها، احتفاءً بانتِصارِ الوطنيِّ الإنسانيّ على العَوْلَمِي الليبرالي المُتَوَحِّش الذي يُريدُ أمْرَكَة العالَم وصَهْيَـ.نَتَه بالقُوَّةِ القاهِرَة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى