نوفل سلامة يكتب/ تفاقم أزمة الإصلاحات الهيكلية لكافة المنظومات الوطنية: خطر الانهيار!


كتب: نوفل سلامة
الجديد اليوم وبات معروفا منذ سنوات ولم يشكل مفاجأة ما صرح به وزير الاقتصاد والتخطيط منذ أيام قليلة في مجلس نواب الشعب من أن ‘أغلب المؤسسات العمومية أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة فهي لا تحقق أرباحا مالية في الوقت الذي تضطر فيه الدولة لتمويل مستحقاتها لضمان استمراريتها واستمرارية المرفق العام’…
وهو تصريح قيمته اليوم في هذا الظرف الذي تمر به البلاد بعد الحديث المكثف عن الصعوبات التي تتعرض لها منظمة الطاقة وشبكة الكهرباء تحديدا في تزويد المواطنين بالكمية اللازمة من الكهرباء وبالجودة المطلوبة، ودون انقطاعات لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، قيمته في كونه يمثل اعترافا صريحا من الحكومة بأن أغلب المنظومات الوطنية التي كانت إلى وقت قريب مفخرة البلاد لقدرتها على تأمين الخدمات الأساسية للمواطن وتلبية حاجياته و راهنت عليها الدولة في عضد جهدها في تحقيق دورها ومهمتها الاجتماعية…
عجز مالي ومساندة من الدولة
في هذا اللقاء الذي جمعه بنواب الشعب كشف وزير الاقتصاد والتخطيط عن أرقام مهمة منها وجود ما لا يقل عن 195 مؤسسة ومنشأة عمومية تشرف عليها الدولة وفق القائمة الرسمية التي حددتها رئاسة الحكومة تشتمل على دواوين وصناديق ومعاهد ومراكز ووكالات ومستشفيات وشركات نقل وأقطاب مختلفة وبنوك وشركات تنشط في مجالات مختلفة تعمل بفضل التمويل الحكومي، وتعيش على المساندة الدائمة من خزينة الدولة وهي مؤسسات تعرف عجزا ماليا متواصلا وديونا متراكمة ولا تحقق أرباحا إلا للعدد القليل منها مما منعها من تحقيق توازنها المالي وتعرف مشاكل هيكلية منعتها من تطوير نفسها…
وقد فرض عليها واقع العجز والإكراهات التي عطلت تطويرها وتحسين أدائها وحوّلتها إلى عبء ثقيل على الدولة ومعطل للتنمية تحويل وجهة هذه الاعتمادات لإنقاذ هذه المؤسسات بدل تخصيصها لفائدة المشاريع التنموية…
أزمة هيكلية
وهي أزمة عالجتها كل الحكومات السابقة بحلول ترقيعية ظرفية من دون الالتفات إلى تبني المقاربة الشاملة والعميقة التي تحافظ على هذه المؤسسات وتنهي أزمتها المالية وتحقق عملية الإصلاح الهيكلية التي تحتاجها، ونتيجة لهذه السياسة التي راهنت على الإبقاء على هذه المؤسسات واجهة للمرفق العام من خلال مواصلة دعمها المالي الذي يتحمل القسط الكبير منه المواطن دافع الضرائب، أن تراكمت الأخطاء وتعمق العجز المالي وتوسعت دائرة الخسائر…
اليوم هناك اعتراف صريح وإقرار واضح من قبل الحكومة مبني على بيانات رسمية ومعطيات صحيحة بأن كل المنظومات التي عوّلت عليها الدولة لتحقيق دولة عصرية ومجتمع متطور وخدمات اجتماعية نافذة، وبالجودة المطلوبة تعرف مشاكل جمة وإكراهات وصعوبات عديدة حوّلت هذه المؤسسات إلى عبء ثقيل معطل يتطلب إصلاحات هيكلية لم تعد تتوقف عن الدعم المالي من قبل الدولة فقط، وإن كان الجانب المالي لازما وضروريا ولكنه لم يعد يكفي وإنما المتأكد هو الشروع في إصلاح شامل لكل القطاعات التي تعاني مشاكل داخلية ومشاكل في الأداء ومشاكل في التسيير ومشاكل في حوكمتها.
اليوم مكنت المعطيات التي قدمتها وزارة الاقتصاد والتخطيط من الوقوف بكل وضوح على الثقل الكبير الذي تمثله هذه المؤسسات العاجزة والفاشلة في تكبيل الحكومة ومنعها من تحقيق كل وعود التنمية نتيجة النزيف المالي المتواصل لدعمها ونتيجة تعثر الإصلاحات الهيكلية..
وقد بينت الأرقام المعلن عنها أن الدولة تدعم هذه المؤسسات التي تشكو عجزا ماليا بما قيمته 7.10 مليار دينار وهو مبلغ يقتطع من خزينة الدولة ويحرم الحكومة من عائدات مالية كان من المفروض أن توظف في مشاريع استثمارية بدل تأمين نفقات أجور موظفي هذه المؤسسات ونذكر هنا على سبيل الذكر لا الحصر شركة التكرير ‘ستير’، ديوان الحبوب، المجمع الكيميائي والشركة التونسية للكهرباء والغاز والقائمة تطول…
قطاع الصحة العمومية مثالا
وأبرز مثال على خطورة أزمة المؤسسات العمومية ما يشهده قطاع الصحة العمومية من تراكم المشاكل المالية والهيكلية، فرغم أن الدولة تحاول قدر المستطاع إصلاح القطاع و سد النواقص التي يعرفها لتأمين الحد الأدنى من الخدمات بالترفيع في الاعتمادات المخصصة لوزارة الصحة حيث رصدت ميزانية سنة 2026 زيادة تقدر بـ 350 مليون دينار إلا أن الوضع الصحي في تراجع متواصل، والأداء الصحي في حالة تذبذب حيث تعتمد المنظومة الصحية في بلادنا على شبكة موسعة من المؤسسات والوحدات الصحية تضم حوالي 184 مؤسسة استشفائية موزعة بين 28 مستشفى عاما و31 مستشفى جهويا و 112 مستشفى محليا إضافة إلى 31 معهدا ومركزا متخصصا مع 2104 مركزا للصحة الأساسية كل هذه المنظومة وهذه الشبكة المتداخلة، والتي كانت تعد مفخرة دولة الاستقلال وتعتبر صورة من صور الاعتزاز التي يُروّج لها في الداخل والخارج على أنها من أهم إنجازات الحداثة التونسية تعرف اليوم ضعفا فادحا في الأداء وتراجعا في توفير الخدمات المطلوبة بالنوعية اللازمة
وتعرف وضعا مزريا واهتراء وتقادما للكثير منها ومشاكل هيكلية تلامس ضرورة تجديد التجهيزات الطبية وتحديث البنية التحتية والرقمنة وتوفير الأدوية بالقدر المطلوب بعد أن باتت مفقودة ويضطر المواطن إلى شرائها من الصيدليات الخاصة…
زاد عليها قلة الإطار الطبي وشبه الطبي المختص الذي ترك القطاع العام وحوّل وجهته إما بالهجرة والعمل في بلدان أجنبية توفر له وضعا أفضل أو بالتعاقد مع المصحات الخاصة لتحقيق وضعا ماليا مريحا.
هذا القطاع بهذه الشبكة الكبيرة من الوحدات التابعة له وبهذا الرهان الكبير الموضوع على عاتقه، وهذا الدور المحوري الذي أُعطي له لتحقيق فكرة الدولة الاجتماعية وتحقيق الصالح العام وتحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطن دافع الضرائب، فإن ثلثي الاعتمادات المرصودة له في الميزانية تذهب لخلاص أجور ورواتب العاملين في القطاع وأما الثلث المتبقي فإن جزءا منه يخصص لتسديد نفقات التسيير والجزء الآخر وقيمته 780 مليون دينار فقد خصص لتمويل بناء مؤسسات جديدة أو تجديد المعدات القديمة وهو مبلغ ضئيل لا يفي بالحاجة في قطاع حساس كقطاع الصحة…
وهي وضعية مالية تُصعّب عملية النهوض بالقطاع وتعطل عملية الاستثمار في القطاع الصحي وتتطلب إصلاحا عميقا؟
الإصلاح ضرورة قصوى
اليوم مع كل أسف كل المنظومات الحيوية والتي يحتاجها المواطن تشكو مشاكل هيكلية وتعرف عجزا ماليا وتراكم مشاكلها لسنوات ما صعب وعقد معالجتها وجعل عملية الإصلاح تصعب أكثر وتخيف من يُقدم عليها لكونه لا يعرف من أين يبدأ؟ ولا كيف يصلح؟
فبالإضافة إلى ضرورة التعجيل بمعالجة مسألة العجز المالي وإعادة التوازن المالي فإن كل القطاعات من صحة وتعليم ونقل وكهرباء وماء وعمل بلدي وخدمات إدارية ووضع البيئي وغيرها تحتاج إلى إصلاحات هيكلية وإعادة ترتيب لنشاطها وتجديد في أساليبها وهذا كله يحتاج إلى عزم وإرادة صادقة ووضع خطة اصلاح واضحة بأهداف وآجال دقيقة ملزمة فمشكلة البلاد لا تكمن في نقص الأفكار ولا في غياب الحلول بقدر ما هي مشكلة عزم وإرادة وبرمجة ومراقبة وتصميم.




