صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: الصدمة الطاقية وتبعية الاقتصاد للأجنبي

slama
كتب: نوفل سلامة

تشير المعطيات والأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء حول حالة الاقتصاد التونسي خلال السداسية الأولى من سنة 2026 إلى تحسن ملحوظ في قطاع التصدير ومؤشرات إيجابية سجلها تصدير المواد الغذائية..

ونعني هنا بالأساس المنتجات الفلاحية وعلى رأسها يأتي زيت الزيتون والتمور، ولكن رغم هذا التحسن في الصادرات وهذه المؤشرات الإيجابية المهمة في التقليص من العجز التجاري إلا أن عائدات التصدير لا تمثل إلا حوالي 9% من إجمالي العجز الذي بلغ عتبة 10 .4 مليار دينار..

عجز كبير في الميزان التجاري

وهذا يعني أنه رغم الجهد المبذول للتقليص من الفجوة المتواصلة بين التوريد والتصدير وما نجنيه من عائدات مالية وأرباح من وراء تصدير المنتجات التونسية وما نكسبه من عملة صعبة بعنوان توريد المواد الحيوية والأساسية للاستهلاك المحلي، فإن الميزان التجاري مازال يسجل عجزا كبيرا ولم يتعاف كما لم تقدر عائدات التصدير الفلاحي من ردم هذه الهوة..

مشكل الوضع الطاقي

ويعود هذا العجز الذي يتسبب في هدر أموال طائلة من العملة الصعبة في توريد كميات كبيرة من مواد الطاقة من نفط وغاز لتغطية الاحتياجات المحلية من الكهرباء التي تحتاج إلى توفر مادتي النفط والغاز بالقدر الكافي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث أوضحت بيانات تقرير المرصد الوطني للطاقة والمناجم عن الوضع الطاقي في تونس خلال السداسي الأول من هذه السنة وجود عجز كبير في المواد الطاقية التي نحتاجها للاستغلال الداخلي بلغ حدود 56 % من إجمالي العجز المسجل في الميزان التجاري وهي نسبة مرتفعة حيث أن أكثر من نصف العجز التجاري متأت من توريد مادتي النفط والغاز.
هذه المعضلة التي يعاني منها الاقتصاد التونسي هي إشكال كبير محرج لميزانية الدولة يمثل إحراجا في عملية التنمية المرجوة. فرغم تسجيل تحسن في الإنتاج الوطني وارتفاع صادرات النفط التونسي بنسبة 37 .6 % وبذلك تم تسجيل مداخيل بقيمة 1.37 مليار دينار، فإن هذه العائدات من بيع النفط لم تُمكن من تغطية إلا 18% من قيمة الواردات من النفط الخارجي…

سؤال حارق

وهنا يطرح السؤال لماذا نبيع النفط المحلي لنتولى فيما بعد توريد النقص الحاصل للاستغلال الداخلي خاصة وأن عائداته من العملة الأجنبية لا تكفي لتغطية النقص الحاصل في الميزانية ويتسبب في بقاء العجز التجاري مما يستدعي التفكير في مراجعة استراتيجية التصدير الطاقي حيث أن ما نبيعه من نفط محلي ونحصل عليه من عملة أجنبية نتولى توريده وشراءه بنفس العملة من ذلك أن العجز الطاقي قد وصل قرابة 6 مليارات دينار وهو مبلغ في ارتفاع من سنة إلى أخرى.
ويزداد الإشكال الطاقي أكثر خطورة حينما نعلم أن الطلب المحلي والاحتياجات من الكهرباء والغاز في تزايد مستمر، و بنسق سريع من سنة إلى أخرى نتيجة عدة عوامل أهمها التغيرات المناخية التي جعلت كوكب الأرض يعرف معدلات حرارة مرتفعة صيفا وموجات من البرد شتاء، وهذه العوامل تستدعي تعزيز القدرات الإنتاجية من الكهرباء والغاز لتأمين الاحتياجات الضرورية في مختلف القطاعات من استهلاك منزلي و صناعي و إداري وخدماتي..

حالة من عدم اليقين

ولكن الإكراه في هذا الموضوع أن الانتاج المحلي من هاتين المادتين في تراجع مما يتطلب التفكير في استراتيجية جديدة تحقق الأمن الطاقي والاكتفاء الذاتي حتى لا نضطر إلى اللجوء إلى التوريد من الخارج، وكما هو معلوم فإن الاعتماد على الطاقة المستوردة يجعل البلاد في وضعية عدم اليقين، وفي وضعية تبعية اقتصادية تؤدي إلى عدم استقرار القرار السياسي وارتهان الإرادة الوطنية للقوى المتحكمة في مصادر الطاقة في العالم…وهو ما يُفقد الدولة هامش الحرية التي تُوفره لها السيادة الوطنية فكلفة الاتكاء والاعتماد على الأجنبي لتوفير الحاجيات الداخلية غالبا ما تكون مُكلفة تتجاوز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي لتصل إلى التدخل في الشؤون الداخلية وتوجيه السياسات والقرارات والخيارات الوطنية مما يجعل البلاد في حالة تبعية دائمة، وفي وضعية الاستعمار الخفي وغير المعلن… وفي الكثير من الأحيان يكون صريحا ومعلنا.

الصدمة الطاقية

فما يعبر عنه بالصدمة الطاقية التي كشفت عنها بيانات المعهد الوطني للإحصاء و الأرقام الرسمية المعلن عنها عن اتساع كبير في نسبة العجز الطاقي وارتفاع الواردات من مادتي النفط والغاز وتراجع الإنتاج المحلي من المحروقات زادها خطورة اضطراب تدفق الطاقة العالمية الذي تسببت فيه الحرب في أوكرانيا وإيران وما نتج عنها من تأخر في توزيع مصادر الطاقة وارتفاع أسعارها…
الوضع اليوم يدعونا إلى تغيير الرؤية وتبني خيارات بديلة، وهي معروفة وتتمثل في الذهاب مباشرة وبكل سرعة نحو الطاقات البديلة ونحو الطاقة الشمسية الطريق الوحيد التي أكدت كل الدراسات والتقارير نجاعته وضروريته لتحقيق الأمن الطاقي والاكتفاء الذاتي والخيار الذي يجعل البلاد في مأمن من تقلبات التدفقات من المحروقات العالمية، وهو حديث نعيد ذكره رغم أنه تكرر في السابق وقاله كل الخبراء خاصة وأن المنظومة الطاقية الجديدة القائمة على توليد الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية والاعتماد على اللاقطات الشمسية سوف يستجيب للطلب المحلي ويغطي الاستعمالات المنزلية وحاجيات قطاع الصناعة والنشاط الفلاحي الذي سوف يستفيد من إنتاج الكهرباء في توفير الماء اللازم للزراعة.

المشكل الأكبر

المشكل الكبير في هذا التمشي انه رغم اقتناع الجميع بحجم المخاطر الذي يمثله النقص الحاصل في مصادر الطاقة المحلية وخطورة اللجوء إلى توريد الحاجيات الداخلية من مادتي النفط والغاز على استقلال القرار السياسي وعملية الارتباط بالأجنبي ووضع التبعية الاقتصادية المؤثرة على الإرادة السياسية المستقلة، فإن هناك بطء في الانتقال من الطاقة التقليدية إلى الطاقة البديلة، وأن برامج الانتقال الطاقي رغم التأكيد عليها لا تزال محتشمة ولم تبلغ المستوى المطلوب والمأمول لتغيير وجه البلاد والتقليل من الخسائر المالية جراء التوريد المتزايد للطاقة خاصة في هدر كميات كبيرة من العملة الأجنبية التي تخصص لتغطية حاجياتنا من النفط والغاز لتوليد الكمية اللازمة من الكهرباء الضرورية للحياة وللاقتصاد، بما يحقق ويعزز أهداف التنمية ويُحسن حياة الناس، ويحقق الأمن الطاقي ويفك الارتباط مع كل هيمنة وتبعية للآخر…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى