نوفل سلامة يكتب: أي مخاطر لتفوّق العقل الآلي على الإنسان أو حينما تسلب الإرادة البشرية؟


كتب: نوفل سلامة
جدل واسع في الغرب ونقاش عالمي يدور في أوساط القرار السياسي والدوائر العلمية، وبين أغنياء العالم ورموز الذكاء الاصطناعي وكبرى الشركات المتخصصة في شبكات التواصل الاجتماعي والمالكة بزمام البرمجيات والتقنيات الحديثة حول مخاطر المواصلة في هذا النسق السريع المنفلت الذي يسير على وقعه عالم التكنولوجيا الحديثة ومجال تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرمجياته…
وتعلو اليوم أصوات تطالب بضرورة التفكير في وضع ضوابط وقواعد أخلاقية وقانونية وأطر تنظيمية لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي أو التحكم في اتجاهاته مؤكدين على أن عملية تنظيم هذا ‘الذكاء الفائق’ لا يعني عرقلة تقدمه في سياق نجد فيه الولايات المتحدة الأمريكية تعبر عن موقف مساند لتنظيم تطوير الذكاء الاصطناعي وتقييده خوفا من خسارة سباق التقنية المحتدم مع الصين، خاصة وأن الأنباء القادمة من هذا البلد تقول بأن الصينيين غير متحمسين لهذا النقاش العالمي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي ولا راغبين في توقيف تطويره بالمرة…
السؤال المحوري
المشكلة حسب بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت ليست في الخوف في أن تستيقظ الآلة الذكية فجأة، وتجد نفسها قادرة على التحكم في كل شيء ولها من القوة الذاتية للتصرف واتخاذ القرار لتقتل أعدادا هائلة من البشر، كما أن الخطر اليوم لا يكمن في إحتمال فقدان الكثير من الوظائف أو انتهاك الخصوصية الإنسانية، وإنما الخوف في أن يصل هذا التطور السريع إلى طرح أسئلة وجودية تتعلق بمدى قدرة الانسان على الاحتفاظ بالسيادة والتحكم والسيطرة على ما أبدعه؟
وهذا التساؤل هو اليوم ليس مجرد تكهنات أو خيالا علميا وإنما هو مخاوف وردت على لسان أبرز العقول وأهم الرموز التي ساهمت في بناء هذا العصر..
سيناريو فقدان السيطرة
أكثر الفرضيات المخيفة والممكنة هي احتمال فقدان السيطرة الكاملة على هذه الأنظمة عندما تتجاوز القدرات الذهنية لصانعها، وهذا ما حذر منه الباحث السابق في شركة غوغل والملقب بـ أب الذكاء الاصطناعي ‘جيفري هينتون’ من أن الطريقة التي يتم بها تعلم الأنظمة الحديثة ومشاركتها للمعارف تفوق بمراحل نمط التعلم البشري وقد بات من الصعب ـ حسب قوله ـ منع إمكانية استغلال هذه القدرات في أغراض مضرة وخطيرة على حياة الإنسان، وهذه التهديدات قد تصل إلى نشوء كائن أذكى من البشر بإمكانه السيطرة على مقدراتهم ويعتبر أن هذا الكلام هو حقيقة وليس فرضية..
فمع ارتفاع النسق المذهل في تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي فإن الخطر حاصل لا محالة إذا لم نفرض ضوابط حارسة..
وفي نفس هذا السياق من المخاوف فقد نبه العديد من المختصين إلى أن خطر هذه الثورة التكنولوجية المجنونة، وهذا التسارع المنفلت في تطوير البرمجيات الذكية لن يتوقف عند حدود المخاطر المعلن عنها والمحصورة في موضوع فقدان الوظائف وإلغاء الكثير من المهن وانعكاسات ذلك على حياة الإنسان ومعيشته حينما لا يجد عملا يوفر له مرتبا يؤمن له حاجياته الأساسية، وإنما يمتد التهديد إلى مسألة أخطر بكثير تلامس أُسس البناء المجتمعي والديمقراطي عبر ما يوفره الذكاء الاصطناعي من أدوات التلاعب بالوعي والتضليل وتحويل وجهة انتباه الناس والتحكم في المواقف وتوجيه الرأي العام، والتأثير على أفكار الأفراد بكل سهولة ويسر من خلال محاكاة الواقع وصياغة الخطابات المضللة وخروج الآلة الذكية عن الأهداف التي رُسمت لها ومن أجلها صنعها الإنسان وعدم احترامها للقيّم ومصالح البشر…
تدخل حكومي ضروري اليوم؟
يرفض الكثير من المختصين فكرة أن التنظيم الذاتي للألة الذكية كاف لتجنب كل المخاطر المصرح بها، ويرون أنه لا بد من تدخل حكومي لوضع قواعد مُلزمة
وأجهزة رقابة لإنفاذ القوانين الحامية لهذه الضوابط فالخطر اليوم ليس فيما وصل إليه الذكاء الاصطناعي من تطور، وإنما الخطر في تحوله إلى كيان له القدرة على التشكل والتعلم بسرعة فائقة تتجاوز أدوات التعلم لدى البشر فالمطلوب ليس كبح مسار العلم وايقاف التطور العلمي وإنما الضروري والمتأكد هو حماية مستقبل البشرية وإخضاع التطور التكنولوجي إلى رقابة أخلاقية وقانونية ومحاسبة جادة قبل أن يصحو العالم على كارثة.
لقد أظهر هذا النقاش خطر انفلات الآلة وخروجها عن التحكم البشري فتصبح لها القدرة على التصرف الذاتي ومن دون حاجة إلى تدخل الإنسان كما هو الحال في المجال العسكري حيث من الوارد جدا إذا ما تواصل استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في أغراض عسكرية بهذا النسق السريع، فإن الانسان قد يفقد وسائل التحكم في منظومات الآلات الذكية التي تُستعمل في الحروب والسيطرة على استعمالاتها في كل المجالات الأخرى..
خطر آلة دمار غير منضبطة
والسؤال الذي طرحه المختصون في معرفة الكيفية التي يمكن أن نتعامل بها في مثل هذه الوضعية التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام آلة دمار غير منضبطة وقادرة على التصرف الحربي من دون حاجة إلى أي نوع من التدخل البشري وخاصة إمكانية أن تخترق المنظومات الأمنية بكل سهولة وإمكانية أن تطور نفسها وتُحسن من درجة قدرتها على السيطرة الذاتية.
لقد تحول هذا النقاش العالمي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي والتهديدات التي قد يتسبب فيها التسريع الكبير في تطوير البرمجيات الذكية من فرضية وجود خطر حقيقي يتسبب فيه هذا التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى موضوع تقدير جسامة هذا الخطر حيث لم يعد افلات الآلة من سيطرة الإنسان وتحكمها الذاتي مجرد فرضية واحتمال بعد أن أكد الكثير من الخبراء وقوع ذلك في المستقبل القريب.
لقد تحول النقاش من مسألة التطور التكنولوجي المذهل وكيفية كبح جماح هذا النسق المجنون ومن التحسين التقني الذي يفرز كل ثانية إمكانيات جديدة لهذه البرمجيات الذكية مما يجعلها خارج السيطرة ويمنحها القدرة على التصرف بمفردها إلى إشكالية تحديد مستقبل العلاقة بين الإنسان وهذه الآلة المتطورة الذكية حيث اعتبر المهتمون بهذا النقاش أن التقدم التكنولوجي قد يتجاوز قدرة البشر على الضبط والتوجيه، ويمكن الآلة من قدرات ويمنحها إمكانية ‘التحسين الذاتي التكراري’ الوسيلة التي تتيح للآلة والبرمجيات القدرة على إعادة كتابة رموزها وتطوير قدراتها ذاتيا دون حاجة للتعديلات البشرية وتجاوز عتبات التفكير الإنساني، وهي مخاطر حقيقية تفقد البشر القدرة على الفهم والسيطرة على هذه الأنظمة المركبة…
سباق محموم
وهذا يعني انه اذا ما واصل الانسان في هذا النهج من التطوير السريع للذكاء الاصطناعي من دون ضوابط ولا معايير فان الإنسانية سائرة نحو الأسوأ جراء المنافسة الشرسة بين الاقطاب المهيمنة على هذا المجال العلمي..
فهل يقدر المجتمع الدولي أن يفرض إجراءات من شأنها أن تبطئ عملية التطوير وتقلص من نسق السرعة التي تيسر عليها الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في فضاء مفتوح وبيئات متصلة بعضها ببعض مما يجعل عملية الإبطاء عملية صعبة التحقق وتطوير الذكاء الاصطناعي سوق واسعة أصحابها لا يفكرون الا في تحقيق الربح المادي..
فالخطر الواضح اليوم لم يعد في فكرة تغول الآلة وإنما في تفريط الانسان في أدوات الرقابة والقيادة والتحكم فيما صنعه وأوجده، فـ إمكانية أن تنحرف استعمالات الذكاء الاصطناعي عن مسارها وتتجه نحو استعمالات يمكن أن تشكل خطرا على الإنسان والدول واردة جدا بل محققة، فالعالم اليوم يعيش سباقا محموما بين الدول يتجه نحو حرب الذكاء الاصطناعي شبيهة بسباق التسلح التي ظهرت إثر الحرب العالمية الثانية.
والسؤال اليوم بعد هذا النقاش العالمي في معرفة الحدود الممكنة التي قد يصل إليها هذا النسق السريع من تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي وهل هناك من نهاية يمكن أن نتفق عليها لنقول الآن قد وصلنا إلى ما نريده؟
أسئلة حارقة
وهل يمكن بعد هذا التقدم المذهل في مجال التكنولوجيا الحديثة أن تكون لنا الجرأة والشجاعة لنتخذ قرار إيقاف أو إبطاء التطوير السريع للذكاء الاصطناعي بعد أن تحقق للإنسان كل ما يريده من وراء تطوير هذه التقنيات الحديثة وتوقي حدوث المخاطر التي تحصل للإنسان من وراء هذا التقدم وهذا التطوير؟
المشكلة في هذا النقاش أن نفس الأصوات الأكثر تحذيرا من مخاطر الاستعمالات المكثفة للذكاء الاصطناعي والنسق السريع في تطوير برمجياته هي نفسها التي تؤمن بفوائده الكبيرة على الإنسان والامكانيات الهائلة التي يتيحها لتحسين نوعية العيش على كوكب الأرض.




