صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: أي خيارات اقتصادية وأي هوية تنموية لإخراج البلاد من أزمتها؟

slama
كتب: نوفل سلامة

مواصلة في تنظيم حلقات النقاش الحر التي تشرف عليها الكتيبة احتضنت مكتبة الكتاب مساء يوم الخميس 27 أوت 2026 بالمركز العمراني الشمالي اللقاء الثالث من هذه اللقاءات…

وقد أثث هذا اللقاء كل من السياسي والوزير الأسبق فوزي عبد الرحمان و الأستاذ الجامعي عبد الرحمان اللاحقة، في حين أدار النقاش الأستاذ الباحث في علم الاجتماع الأستاذ مولدي القسومي، وخصص لمناقشة المسألة الاقتصادية في تونس، وسؤال المنوال التنموي الأصلح في هذا السياق المتقلب الذي تعرفه البلاد وتعيش على وقعه أغلب المجتمعات التي مرت بتجربة انتقال ديمقراطي متعثرة…

زمن الأزمات..

وعرفت تحولات سياسية هزت أركان الأوضاع القديمة ولكنها لم تنجح في إرساء نظام اقتصادي واجتماعي يكون أكثر عدلا وصلاحا وإفادة للمواطن في علاقة بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم والصعوبات التي تكبل الاقتصاد التونسي وانعكاساتها على الوضع الاجتماعي ومعيشة المواطن التي عرفت خلال سنوات الثورة وخاصة في السنوات الأخيرة تراجعا خطيرا وحالة من التدهور وبنسق متواصل جراء تلازم الأزمات المتعددة و التي لم تنته…

ضريبة الخيارات الاقتصادية

فبمجرد أن تتراجع أزمة حتى تظهر أزمة أخرى لتزيد من متاعب المواطن وقد تم إرجاع الصعوبات التي يعرفها الاقتصاد التونسي إلى ضعف الأداء الحكومي وعدم خبرة الوزراء الماسكين بالسلطة، في حين أن التشخيص الموضوعي يُرجع أسباب الأزمة إلى الخيارات الاقتصادية المتبعة ومنوال التنمية المطبق، والذي استهلك واستنفذ أغراضه وفقد صلاحيته مما يستدعي التفكير في منوال اقتصادي جديد يواكب تطورات المرحلة ويحقق الثروة ويخلق مواطن الشغل المطلوبة ويحقق العدالة الاجتماعية بين الجهات دون حيف ولا إقصاء…

منوال تنمية تجاوزه الزمن

من خلال المداخلتين اللتين استمعنا إليهما حول فكرة الاقتصاد الكلي وإشكالية التنمية في تونس والأزمة الاقتصادية المتراكمة و فشل الخيارات الاقتصادية والتنموية المستفحلة، وتداعيات هذه الأزمة على الوضع الاجتماعي للشعب تبين أن هناك معضلة عميقة تتعلق بمأزق منوال التنمية المتبع والذي صُمم لوضع ومرحلة تاريخية تم تجاوزها…
مما جعل من الصعوبة بمكان أن يواصل أكثر بعد أن فقد جدواه ومعضلة أخرى تتعلق بالخيارات الاقتصادية المتبعة التي لم تمنح الاقتصاد التونسي المتانة والصلابة المطلوبة ولا تمشيا ولا هوية واضحة، مما فرض لتحسين الأوضاع الذهاب نحو تبني خيارات جديدة بافكار جديدة وبآليات مختلفة…

وفي هذا المستوى من التحليل يُطرح السؤال حول أهمية العقل الاقتصادي القادر على تقديم رؤية تنموية جديدة، وسؤال هل يمكن أن نبني اقتصادا قويا بخيارات اجتماعية من دون نخبة مفكرة؟ وقبل ذلك هل ما زالت فكرة منوال التنمية مفيدة وتصلح في هذا العالم الذي يعرف اليوم تقلبات في المعرفة ومراجعات كبرى بخصوص المدارس الاقتصادية الكلاسيكية؟ وإذا كان منوال التنمية ضروريا في عملية التخطيط الاقتصادي فأي منوال يصلح للبلاد اليوم ويكون قادرا على خلق الثروة؟

وضع معقّد جدا!

من الأفكار الأساسية التي ذكرت في هذه الندوة أن التشخيص الدقيق لحالة الاقتصاد التونسي تفيد بأن الوضع الذي نحن عليه معقد جدا، ويحتاج الإجابة بكل وضوح على سؤال الخيارات الاقتصادية الواجب تبنيها، وسؤال آخر حول أي دور للدولة في هذا السياق العالمي الذي يشهد تراجع حضورها وسؤال حول أي هوية يمكن أن نعطيها للاقتصاد الوطني في علاقة بمختلف المدارس الاقتصادية المهيمنة على مختلف التجارب العالمية.

من الإجابات المهمة التي أكدت عليها حلقة النقاش أن الاقتصاد التونسي لا يمكن أن ينغلق على نفسه وينفصل عن العالم، ويقرر أن يعيد بناء ذاته من دون الاندماج في سلاسل القيمة العالمية…

توضيح العلاقات

كما أن الانكماش على الذات وفك الارتباط مع التوجهات العالمية في التجارة والصناعة والخدمات عملية مُربكة في ظل غياب عناصر القوة الضرورية للبناء من دون الاعتماد على الآخر. وبناء على هذه الفكرة فإن تونس لا يمكن لها أن تستغني عن صندوق النقد الدولي وألا تكون لها علاقات مالية مع المؤسسات العالمية المانحة للقروض حتى تتمكن البلاد من النهوض وبناء منوال تنمية جديد فقط ما تحتاجه الدولة في علاقتها بهذه المؤسسات المالية هو توضيح نوعية العلاقة وتفادي التدخل في السياسات العامة أو التحكم وتوجيه الاختيارات السيادية وهي مسألة ليست بالسهلة وتحتاج رؤية واضحة وإرادة سياسية قوية.

حضور الدول وتدخلّها

من الأفكار الأخرى التي تم النقاش حولها موضوع مكانة الدولة في العملية التنموية حيث تم التأكيد على أن الخصوصية التي عليها المجتمع التونسي والطبيعة الاجتماعية لغالبية الشعب تجعل من حضور الدولة ضروري وتدخلها مهم، وهذا يعني أن منوال التنمية الجديد يتطلب تبني فكرة الدولة الاجتماعية الديمقراطية بمحددات حمائية يجعل الدولة حاضرة بقوة في الكثير من المجالات فطبيعة المجتمع وشرائحه الاجتماعية وحالة الجهات والمناطق كل ذلك يفيد أن المجتمع مازال في حاجة لتدخل الدولة وحضورها.

السير في خط متواصل

اليوم الاقتصاد التونسي دخل نفقا ويبدو أنه لن يخرج منه في المدى القريب رغم أن الأفكار والحلول للخروج من الأزمة موجودة ومتوفرة فقط ما ينقص هو القرار والرؤية والإرادة الجادة، وإجراء حوار وطني يشارك فيه الجميع وكل الفرقاء للوصول إلى تبني برنامج عمل متكامل ودائم بمراحل وآجال ومحاسبة وتقييم يلزم كل الحكومات ويكون متواصلا في الزمن من دون الرجوع عنه بعد كل انتخابات سياسية وقدوم فريق سياسي مكان آخر…
فمسألة مراكمة التجربة والبناء على ما سبق وما تم إنجازه مسألة شكلت عائقا أمام بناء اقتصاد وطني قوي فمنوال التنمية الذي يتم إقراره والاتفاق عليه لا يجب أن يتم التراجع عنه بمجرد مجيء فريق جديد للحكم لتتم عملية الهدم وإعادة البناء من جديد..
إذ أن إحدى مشاكل البلاد الكبرى أن الدولة لم تقدر أن تسير في خط متواصل واختيارات ثابتة واستراتيجية واحدة واعتماد التقييم قبل تغيير المسار ليجد المجتمع نفسه أمام هدر كبير للوقت والجهد.
هذه بعض الأفكار وجزء من النقاش الذي تناولته هذه الندوة وثمة أفكار أخرى لم نأت عليها وقد حاولنا قدر المستطاع التطرق إلى ما جاء فيها رغم تباين الآراء واختلاف المواقف..
ويبقى سؤال الاقتصاد وسؤال الخيارات الاقتصادية وهوية منوال التنمية الأصلح للبلاد والمفيد للشعب سؤال دائم والحديث بخصوصه لا ينتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى