صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ محجوب بن ميلاد (1916-2000): صاحب المصطلح المأثور ‘تحريك السواكن’

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

عندما نستحضر عبارة أو قولة مألوفة يعبر بذهننا أحد المصطلحات المأثورة فإنّه سرعان ما يبرز لنا قائلها أو ‘مُبدعها’…

كذلك الشأن بالنسبة لـ”تحريك السواكن” التي اقترن مدلولها ومضمونها بالفيلسوف محجوب بن ميلاد الذي رأى النور في منزل جميل يوم 4 جويلية من عام 1916.

البدايات

زاول تعليمه الثانوي بالمعهد الصادقي من 1930 إلى 1936 ثمّ بمعهد كارنو حيث تحصّل على شهادة الباكالوريا سنة 1938 وسافر على إثرها إلى باريس حيث التحق بجامعة السوربون فنال فيها إجازتي الفلسفة واللغة والآداب العربيّة، ثمّ من بعد ذلك نجح في مناظرة التّبريز في مادة الفلسفة في نفس الجامعة.
عاد إلى أرض الوطن عام 1948 فباشر التعليم في مدرسة الترشيح ثمّ في جامع الزيتونة إلى أن التحق بكليّة الآداب حيث درّس الفلسفة لمدّة عقدين وكان متميّزا بحضوره بين أروقة الجامعة وهو يحمل ‘الكلباك’.
أدار لمدّة عشرة أعوام تلك المدرسة، وكم كانت سعادته العظمى لمّا تولى كرسي التدريس في مرحلة التبريز للفلسفة باللغة العربيّة وهو الذي ما فتئ يدفع لتعريب الفلسفة وإخراجها من جلبابها الكولونيالي.

دخل الإذاعة

كان له شغف منذ أن حلّ بالديار الفرنساوية بالإذاعة إذ أنّه انضمّ إلى راديو باريس كمذيع ثمّ كمنتج للبرامج.
وعند عودته إلى الديار التونسية التحق بصفة طبيعية براديو تونس في مقرّه بزاوية نهج أثينا واشتغل خطّة مذيع للربط وبالخصوص كمقدّم لحديث صباحي شدّ إليه أسماع النّاس وحمل هذا الحديث اسما لامعا : ‘تحريك السواكن’ الذي أصبح طوال حياته ومن بعدها صنوا لاسمه…
وقد جمع عددا من تلك الأحاديث في مجلّد أصدره عام 1968 عن دار بوسلامة.
وامتدّت هذه الأحاديث حوالي عشرين عاما أي الخمسينات والستّينات من القرن العشرين، وبثّ خلالها جام فكره في شؤون الدنيا والدين وبالخصوص في شأن التربية وهو الذي كان يحمل مشروعا للإصلاح، وقد باشر هذا الشأن كامل حياته المهنية في مفاصل التكوين.

مدارس الترشيح

وقد أدرنا المجن له عندما حذفت مدارس الترشيح وأصبحنا نعوّل على خرّيجي الكليات فنسينا أو تناسينا أنّ مهنة التدريس ليست مهنة ككلّ فهي رسالة يقع صقلها داخل الأطر الأكاديمية المناسبة.
فالبيداغوجيا ضرورية في هذا المجال وبدونها لا يستقيم تلقين المعارف. فالسؤال المهمّ هو ليس ماذا نلقّن بل كيف نلقّن؟ ولذلك كلّه جاء العنوان الكامل لكتاب مترجمنا ‘تحريك السواكن في شؤون التربية’.
كما كانت للمحجوب بن ميلاد رغبة أخرى في مسيرته العلميّة: التحديث، فهو صاحب رؤية للنهوض بمجتمعه تعتمد على ما اصطلح عليه بالأصالة والتفتّح.

العودة إلى الاجتهاد

وفي باب الأصالة كان يدعو إلى العودة إلى دعامة من دعائم الدين وهي الاجتهاد، وكان ميّالا للمحاورة والجدال – بالتي هي أحسن طبعا. وكان معجبا بالمناظرات جمع Disputato كما يصفها المفكر محمد أركون (1928-2010) بين المعتزلة والأشاعرة.
كانت له قراءته للمسائل الخلافية، وكان مثل بعض الفلاسفة كالغزالي (1058-1111م) وابن رشد (1126-1198م) و Immanuel Kant (1724-1804) يعتبر الإيمان هو الفيصل عندما يصل العقل إلى حدّه.
يقول الحق: ” يسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي”
سورة الإسراء، الآية 85

هل لهذا السبب اختاره محمود المسعدي (1911-2004) لكتابة مقدّمة كتابه السدّ في طبعته الثانية بينما اختار الشاذلي القليبي (1925-2020) للطبعة الأولى!..
على كلّ، فالمسعدي وبن ميلاد صنوان إذ الاثنان أدركا أنّ الإنسان يسعى في هذا الكون إلى البقاء … والبقاء لله.
انتقل المنعّم المحجوب بن ميلاد إلى رحمة الله يوم 11 جويلية من عام 2000.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى