الصريح الثقافي

في جرزونة: ما يضحكنيش…تُعيد للكوميديا وهجها وعمقها

في ثاني عروض مهرجان جرزونة، في دورته 30، اعتلى الممثل ياسين الصالحي، الركح في سهرة الإثنين 25 أوت 2025 ليقدم مسرحية ” ياسين الصالحي ما يضحكنيش” أمام جمهور كبير أتى من جلّ أنحاء بنزرت وجرزونة ليشاهد هذا العرض المسرحي الذي انتظره الجميع بكل شوق.

المسرحية أعادت للكوميديا وهجها وعمقها

بعيدا عن التهريج “الماسط” وبعيدا عن تمرير الإيحاءات المُسقطة من قاموس القذارة الأخلاقية، تمكّن الممثل ياسين الصالحي من تقديم عمل مسرحي عميق، ويدعونا من خلاله للتفكير في كلّ شيء وعدم الخضوع إلى المسلمات بدون إعمال العقل.
وبالفعل، وبالرغم من الإطار الهزلي للمسرحية، فقد تمكن ياسين الصالحي تمرير الكثير من الرسائل وإماطة اللثام على الكثير من العادات والتقاليد البالية. والأهم في كلّ هذا سلط الضوء عن دور العرب في نحت الحضارات على مرّ العصور مقارنة مع غيرهم.

نحن ضحايا!

ليصل إلى حقيقة واحدة بأنّنا كنّا ضحايا بعض العادات والتقاليد البالية والتخاريف التي لا تغني ولا تفيد. بل من آثارها أن شدّتنا إلى الوراء أمام التقدم الذي يشهد العالم الآخر. مستدلا على ذلك ببعض الاختراعات التّي حققها العالم الآخر ليصل اليوم إلى أوج العطاء فيما بقينا نحن العرب مستهلكين لا غير…

أسباب تأخرنا بناء على المسرحية

“الخربقة” والحسد والبغضاء والتناحر فيما بيننا والتناقضات التي نعيشها في حياتنا اليومية وغيرها من العادات البالية، كانت كلّها تحت مجهر هذه المسرحية. ولم يسلم منها أيّ جانب، انطلاقا من الولادة وما تصحبها من عادات سخيفة على غرار ربط الطفل حتى لا يتحرك كثيرا وصولا إلى كلمة ‘كخة’ التي حرمتنا من أجيال مفكّرة – حسب المسرحية. هذا فضلا عن نظرية “السلطعون” التي حللتها المسرحية في أكثر من جانب ونحن نعيش حالات منها يوميا سواء داخل عائلاتنا أو داخل المجتمع أو حتى في الإدارة وأماكن العمل عموما. كلّ هذه الأسباب كانت وراء تأخرنا لاهتمامنا بالقشور.

وما يمكن القول وأنّ ” ياسين الصالحي ما يضحكنيش” أعادت للكوميدي ووجها وعمقها في تناول المواضيع ولو عبر محطات تاريخية هامة مرّت على الإنسانية وعبر استعمال بعض نظريات علم النفس وعلم الاجتماع للاستنارة بها في شرح هذا الوجود البشري. بل تعمّدت المسرحية إلى التذكير ببعض قواعد الرياضيات كدعوة لإعادة التفكير في كل ما حولنا و في كل تصرفاتنا و عاداتنا؟

منجد خاص لإيقاف سيارة التاكسي

حتّى طريقة ايقاف سيارات الأجرة ( التاكسي) و الحركات التي يأتيها الحريف للتدليل على المكان المقصود لم تشب على عاداتنا السيئة و طرحتها المسرحية بطريقة هزلية فائقة.
من هذه الحركات، الحركات العادية المعروفة لإيقاف سيارة “تاكسي” ولكن منها ما هو أعمق لإيقافها عبر حركات خاصة. فمثلا يمكنك تدوير “حزامك” إذا كان المكان المقصود النقطة الدائرة القادمة. وبإمكانك التدليل أنّك ذاهب إلى منوبة عبر حركة تدل على الخبل.. وهكذا إلى أن تمّ الاستنتاج وأنّ الحركة التي كان يأتيها الرئيس الراحل بن علي ‘وضع الكف على الكف’ كان يقصد بها الذهاب إلى حي التضامن.

مسرحية حصدت استحسان كل الحضور

التفاعل الكبير مع أحداث المسرحية، التي صال وجال خلالها الممثل ياسين الصالحي ولمدّة 90 دقيقية، كانت كافية أيضا لجعل الجمهور لا يتوقف عن الضحك بل وأيضا للتفاعل معه أحيانا كثيرة. و حتّى نعكس رأي المختصين في الميدان المسرحي، صرّحت جميلة التليلي، مديرة مركز الفنون الدرامية والركحية ببنزرت، وذلك بعد انتهاء العرض بما يلي ” عرض ممتاز أثبت أن الكوميديا فن راق، و أننا بإمكاننا أن نضحك من كلّ شيء كطريقة لإعادة التفكير في الأشياء. و ياسين الصالحي، يضحكنا ويدعونا إلى التفكير في آن واحد، كيف لا وهو ينهل من الفلسفة و التاريخ و الموروث الثقافي و العلوم والحضارات.. إنّه ممثل متفرّد بطريقة طرقه و متمكن من فنّه و محترم لجمهوره بل نقول وأنّه أعاد للكوميديا عمقها و للضحك بريقه.. فشكرا أيّها الفنان’

ملاحظة أخيرة

بعض التمطيط في بعض ردهات المسرحية وإعادة المعاد كان بالإمكان تجنبه. وأيضا، وبصراحة، غياب عملية الإخراج تماما لهذا العرض المسرحي. بل كان طيلة العرض عبارة عن أستاذ يلقي درسا أمام التلاميذ ولكن بطريقة مدروسة تشدّ التلاميذ ووسيلتها الكوميديا.
لكل ذلك نهمس في أذن المبدع ياسين الصالحي إضفاء لمسة من الإخراج وستكون بالفعل تضحكنا أكثر وأكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى