في بلاط صاحبة الجلالة: المنجي القصوري … وفاء لا يجف وحبر لا ينضب!


كتب: محمد الماطري صميدة
هناك صحفيون يملؤون الصفحات وهناك صحفيون يملؤون الذاكرة… والمنجي القصوري واحد من أولئك الذين اختاروا أن يتركوا أثرا نبيلا قبل أن يتركوا اسما كبيرا!
وفي بلاط صاحبة الجلالة ـ ودعوني هنا أتدفق قليلا ـ لا يكتب التاريخ بعدد السنوات بل بعدد المواقف ولا تقاس قيمة الصحافي بعدد المقالات التي نشرها بل بالأثر الذي تركه في المهنة وفي الناس.
ومن هؤلاء الذين استحقوا مكانتهم عن جدارة يبرز اسم الزميل المنجي القصوري الذي جعل من الصحافة رفيقة عمر،ومن الكلمة الصادقة رسالة لا وظيفة.
بدأت رحلته مبكرا وهو ما يزال طالبا بالسنة الثانية من الجامعة سنة 1978 عندما التحق بجريدة الأمة لسان الاتحاد القومي للفلاحين آنذاك.
اكتشف عالم الصحافة
هناك اكتشف عالم الصحافة وأثبت بسرعة أنه يملك قلما مختلفا فكان يكتب باستمرار حتى أسندت إليه مسؤولية الإشراف على القسم الرياضي بعد انسحاب الزميل المنجي النصري…ومنذ تلك اللحظة، أدرك أن الصحافة ليست محطة عابرة بل قدر جميل سيلازمه طوال حياته.
وفي سنة 1981 غادر المهنة مؤقتا بعدما التحق بالتدريس أستاذا للتعليم الثانوي بالقصرين ثم بزغوان غير أن الحبر الذي يسكن أصابع الصحفي لا يجف … لذلك لم يطل الغياب فعاد سنة 1984 بطلب من محمد غديرة رئيس الاتحاد القومي للفلاحين ليعمل صحافيا موضوعا على ذمة المنظمة قبل أن يتولى رئاسة تحرير جريدة الأمة ومجلة تونس الخضراء مؤكدا أن القيادة التحريرية لا تكون بالمناصب بل بالكفاءة وحسن إدارة الكلمة.
ثم حمل مسؤوليات إدارية كبرى داخل المنظمة الفلاحية فعُين سنة 1990 مديرا للهياكل ثم مديرا عاما للهياكل سنة 1995 لكنه لم يغادر عالم الصحافة لأن القلم ظل رفيقه الدائم والكتابة بقيت وطنه الذي لا يغادره.
محطات مهنية ثرية
وكانت له أيضا محطات مهنية ثرية في جريدتي بلادي والصدى وهناك تعرف إلى نخبة من أعلام الصحافة التونسية من بينهم صالح الحاجة وعبد الحميد القصيبي ومحمد بن رجب ومصطفى مشاط وغيرهم من الذين شكلوا مدرسة صحفية قائمة على الاحترام والاحتراف.
وفي سنة 2002 دعاه الإعلامي الكبير صالح الحاجة إلى الانضمام إلى أسرة جريدة الصريح فكان له عموده القار “الموقف السياسي” الذي واصل من خلاله قراءة الأحداث وتحليلها حتى سنة 2008 بلغة رصينة وفكر متزن ورؤية سياسية هادئة بعيدة عن الإثارة المجانية.
ولم يكن نشاطه مقتصرا على الإعلام، إذ عمل بين سنتي 2000 و2008 مكونا سياسيا لإطارات الدولة مستثمرا ثقافته وخبرته في التأطير والتكوين قبل أن يواصل مسيرته في العمل المدني حيث يشغل منذ سنة 2015 خطة نائب رئيس المنظمة التونسية للتربية والأسرة مكلفا بالإعلام والاتصال والرقمنة كما يشرف على تحرير مجلة المنظمة مؤكدا أن العطاء لا يتوقف عند سن أو منصب.
صاحب قلم متدفق
غير أن أجمل ما في المنجي القصوري ليس المناصب التي تقلدها بل الإنسان الذي يسكنها … فهو صاحب قلم متدفق لا يعرف الجفاف يكتب بسلاسة العارف وهدوء الواثق ويؤمن أن الكلمة لا تكتسب قيمتها من حدتها بل من صدقها.
لم يكن يوما ممن يرفعون أصواتهم ليجذبوا الانتباه، بل كان يترك لقلمه أن يتحدث عنه، فاحترمه القراء، وقدره زملاؤه.
أما إنسانيته فهي الوجه الآخر لصحافته…عرفه أهل المهنة وفيا لزملائه حافظا للعشرة محبا لأصدقائه يفرح لنجاح غيره كما يفرح لنجاحه ويؤمن أن الصحافة الحقيقية لا تصنعها المنافسة العقيمة بل تصنعها الأخلاق الرفيعة والاحترام المتبادل.
والفقرة الأخيرة في هذا المقال تفرض نفسها عليّ ..أجدني أقول إن هناك من يترك وراءه أرشيفا من المقالات وهناك من يترك مدرسة في الأخلاق … والمنجي القصوري جمع بين الاثنين فاستحق أن يكون من فرسان الكلمة الذين كلما مر الزمن ازدادوا حضورا في الذاكرة وازدادوا احتراما في القلوب…!
لقد أثبت المنجي القصوري عبر أكثر من أربعة عقود أن الصحافي الحقيقي لا يتقاعد من الكلمة لأن الحبر إذا سكن القلب ظل يجري في الشرايين حتى آخر العمر!




