عيسى البكوش يكتب/ عمّار فرحات (1911-1988): رسّام الشعب


كتب: عيسى البكوش
‘هو أحد أبناء الشعب، لا يعرف القراءة والكتابة، شغلت إبداعاته وشخصيته الفذّة الحياة الفنيّة على امتداد نصف قرن’.
هو ذا الفنّان التشكيلي عمّار فرحات كمّا خطّه يراع الفنّان علي اللواتي في المجلّة الصادقيّة في عددها الثامن من سنة 1998، ولد عمّار فرحات بـ باجة سنة 1911 وانتقل صحبة عائلته إلى الحاضرة سنة 1920.
البدايات
اشتغل عاملا بمخبزة وبائعا متجوّلا وفحّاما ودلالا في سوق النحاس. يقول عنه الفنّان الصداق قمش في الأسبوع الثقافي بتاريخ 6 جانفي 2013: ‘كان عمّار يعبث بالفحم على جدار البيت وفي الزقاق’.
ثمّ لمّا كانت سنة 1935 اتّخذ صاحبنا القرار الحاسم. إذ يقول في كتاب نشره الاتحاد الدولي للبنوك سنة 1982 الذي اهتمّ بأعماله: ‘أقسمت في تلك السنة أن أكون رسّاما … لا غير، فاشتريت صندوقا من الألوان وكان لي الشرف أن أحمله معي دائما ووعدت نفسي بأن أكون جديرا بفنّ الرسم.. محترفا الفنّ حتّى مماتي.”
وابتدأ بإنجاز صور شخصية لمشاهير المطربين كان يبيعها في المقاهي.
نظم معرضه الأوّل سنة 1938 برواق جريدة Le petit matin وكان تعرّف من قبل ذلك على الأخوين الهادي وزبير التركي الذي كان يردّد: ‘إنّ عمّار فرحات هو الموهبة الربّانية الوحيدة في تونس’، وارتبط بهما ما دام حيّا…
وفي نفس السنة شارك لأوّل مرّة في الصالون التونسي الذي افتتح كما هو معلوم سنة 1894.
سنة 1948 كان من بين الذين أسّسوا مدرسة تونس للفنون التشكيلية.
جولة بين الدول
سنة 1949 يفوز بجائزة الرسم عن لوحته ‘استعداد العروس’ تمثلت في بعض النقود وتذكرة سفر بالباخرة إلى فرنسا. وهناك اكتشف المتاحف والأروقة، كما اكتشف نفسه وتتابعت سفراته فكانت وجهته إيطاليا سنة 1952 ثمّ السويد سنة 1957 فـ روسيا سنة 1960.
قبل أن يسافر إلى السويد نظّم معرضا خاصا تولى تدشينه رئيس الحكومة الحبيب بورقيبة.
سنة 1964 شارك في معرض الرسم التونسي المعاصر في ميلانو بإيطاليا، كما شارك عام 1968 في تظاهرة “خمسون سنة من الرسم في تونس” بقاعة الفنون.
تحصّل سنة 1983 على الجائزة الوطنية للفنون التشكيلية أي في السنة نفسها التي نظّم فيها آخر معرض شخصي له.
عالم الطبقة الشعبية
أمّا عن فنّه فيقول علي اللواتي: ” لم يصوّر عمّار فرحات القصور التي لم يعش فيها ـ إذ ظلّت نفسه وفيّة لعالم البسطاء والكادحين، إنّه عالم الطبقة الشعبيّة من عمّال وباعة متجوّلين وحشاشين وبدو وفقراء ورعاة…”.
أمّا عن المرأة فلقد رسمها عمار فرحات في لباسها التقليدي وجمالها التلقائي، كما رسم التونسي في أفراحه وأتراحه، فكان التعبير بألوان طبيعية وحسّ صادق.
يقول الصادق قمش: ” لقد اختار عمّار في رسمه اختصار الأشكال والألوان والابتعاد عن التكلف والتعقيد، وكم كان يبدع عندما يختار الألوان التراثيّة متنقلا من الأصفر الصحراوي إلى البنّي يضفي عليها لمسة من الأزرق البحري وأحيانا لمسة من اللّون البرتقالي.
نبوغ وعبقرية
إنّه وإن كان عصاميّا فإنّ المسار الذي اختاره وهو في منتصف العقد الثالث من عمره فإنّه يذكّرنا بالقرار الذي اتخذه الرسّام العالمي Paul Klee لمّا جاء إلى تونس وبالذات في مدينة القيروان حيث اكتشف الضوء: “أنا فنّان … أنا رسّام”.
كتب عز الدين المدني في الملحق الذي خصّصه في جريدة الأسبوع الثقافي لعمّار فرحات:” لم يمارس عمّار فرحات الرسم بل اخترع الرسم. إنّ الإنسان ليندهش كيف استطاع عمّار فرحات أن يكون معلّما نفسه بنفسه أن يكون المعلّم والتلميذ في نفس الحين، إنّ أميّته هي التي صنعت منه النبوغ والعبقريّة”.
توفي رحمه الله يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر مارس من سنة 1987.
سنة 1997 أصدر البريد التونسي ثلاثة طوابع بريدية تحمل ثلاثة من لوحات فرحات كما أردفتها بـ7 طوابع أخرى في فترات متلاحقة في نطاق سلسلة لتكريم أساطين الفنّ التشكيلي.
والمعلوم أنّ الفقيد كان أنجز أوّل طابع بريدي بمناسبة معرض تونس الدولي بـ25 فرنك أي قبل إصدار الدينار التونسي.
والجدير بالذكر أنّ المنعّم حمّادي الصيد قد أنجز سنة 1963 بالساتباك SATPEC شريطا وثائقيا عن عمّار فرحات تحت عنوان “يوم من أيّام رسّام تونسي” ويمكن مشاهدته على وثائقي المعهد الفرنسي السمعي البصري INA.
شغف كبير
في لقاء أجراه معه الصديق المنعّم خالد التلاتلي في التلفزة التونسية، أجاب عمّار فرحات عندما سئل عن شغفه بالموسيقى الكلاسيكية الغربيّة: ” لقد اشتريت في زمن الحرب العالمية الثانية مجموعة من الاسطوانات كانت تُباع على الرصيف بثمن بخس فلمّا استمعت إليها انجذبت لها ومن حينها وأنا أرسم وموسيقى موزارت وبيتهوفن ولايدن وباخ تشنّف مسامعي”.
لقد أصدر الصديق العميد الحبيب القزدغلي هذه الأيّام من نشر “دار نيرفانا” كتابا حول “تاريخ اللجنة التونسية من أجل الحريّة والسلام (1948-1968)” التي بعثها وترأسها الدكتور سليمان بن سليمان وتظهر في غلاف الكتاب صورة لوفد اللجنة التي زارت الاتحاد السوفياتي سنة 1960 ومن ضمنه الفنّان عمّار فرحات، وهذا وجه آخر للحكاية.
إنّ هذا الرجل يعدّ بحق فنّان شامل ورسّام كوني تخطّت أعماله الزمان والمكان.




