عيسى البكوش يكتب/ الهادي الجويني (1909-1990): أحد أساطين الفنّ في القرن العشرين


كتب: عيسى البكوش
حبّي يتبدّل يتجدّد
ما يتعدّش كيف يتعدّد.
هي إحدى روائع علي الدوعاجي والتي لحّنها وأدّاها أحد المقرّبين لجماعة هذا الشاعر الملهم والذي طار ذكرهم في الآفاق ـ جماعة تحت السور ـ.. هو الهادي الجويني المولود بحي المركاض بالحاضرة يوم غرّة نوفمبر من سنة 1909.
التحق وهو صبيّ بكتّاب الحجّامين ثمّ انتقل إلى مدرسة باب الجديد ثمّ إلى فرع المدرسة الصادقية، وكان يتعلّم بالموازاة العزف على آلة العود متأثّرا بمحمّد القصبجي، ثمّ تمكن من إتقان الترقيم الموسيقي بفضل تأطير الفنّان الإيطالي بونورا الذي مكّنه من الانخراط في معهد الموسيقى بنهج زرقون إلى حدّ ارتقائه لرتبة أستاذ في نفس المعهد. وقد انتدب في الأربعينات بالمدرسة الصادقية لتعليم الموسيقى، وإليه يرجع الفضل في تلحين نشيد المدرسة وهو من نظم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:
على الهضاب وسط روض بديع
تبدو القبـــاب والمنار الرفــــيع
إنّ أوّل أغنية قام بتلحينها وهي من نظمه بالاشتراك مع شافية رشدي وقد غنّياها سويّا ‘شيري حبّيتك’، وهي كما يدلّ عنوانها من فصيلة الأغاني ‘فرنكو أراب’ ولكنه سرعان ما أصبح يبحث عن أغاني أصيلة معنى ونغما.
أعمال خالدة
وبحكم انتمائه – مثلما أشرنا إليه آنف إلى جماعة تحت السور- فلقد وجد ضالّته فلحّن من نظم محمود بورقيبة ” لو كان موش الصبر يطفي ناري”، وعبد الرزاق كرباكة “مكتوب يا مكتوب” والهادي العبيدي “اللّي تعدّى وفات” وجلال الدين النقاش “تبّعني نبنيو دنيا زينة” ومصطفى خريّف قصيد “قد مضينا”.
كما أنّه لحّن “دورين” الأوّل لعلي الدوعاجي “عتاب” والثاني لـ محمود بيرم “اعطفي عادل قوامك”.
نغمات أندلسية
لقد ارتأى بابا الهادي – كما يدعوه العاملون إلى جنبه في الإذاعة التونسية التي كان من أوّل المنتمين إليها عند إحداثها عام 1938- أن يطعّم ألحانه بالنغمات الأندلسية والإيقاعات اللاتينية، فكانت “تحت الياسمينة في الليل” في مقام الفالس، و”لاموني اللي غارو منّي” في مقام الرومبا، و”مكتوب” في مقام الباسو. وكانت الطبوع التونسيّة في كمّ هائل من الأغاني التي يردّدها الناس إلى يوم الناس “خلخال بورطلين” و”يلي نسيتي خالك” و”أوّل نظرة درباني” و”محسونة قلّي علاش” .
لقد انتمى إلى الرشيدية حيث تعرّف على محمد التريكي الذي انتدبه كعازف عود لمرافقة المطرب علي الرياحي في أوّل ظهور له عام 1936 في قصر الجمعيات “دار الثقافة ابن رشيق”.
كانت له مواهب متعدّدة من ذلك مشاركته في فرقتي المستقبل التمثيلي للبشير المتهني والكوكب التمثيلي
لـ محمد الحبيب. وقد لحّن في مجال الفن الرابع مسرحية “مجنون ليلى” بطولة فتحية خيري و”بين نومين” لعلي الدوعاجي و”عائشة القادرة” لعبد الرزاق كرباكة.
برز في الفن السابع
كما أنه برز في مجال الفنّ السابع في بعض الأفلام في المغرب الأقصى سنة 1947 وفي أفلام “المجنون” و”كتاب القدر” وبالخصوص “الباب السابع” الذي كتب حواره الإذاعي نور الدين بن محمود (1914-1990) والذي يقوم فيه بدور البطولة رفقة زوجته الفنانة وداد.
وقد أعيد تقديم هذا الشريط تكريما للهادي الجويني في نطاق مهرجان أيّام قرطاج السينمائية لسنة 2010
لقد أنجزت حفيدته كلير بن حسين شريطا وثائقيا يتعرّض لحياة الفقيد تحت عنوان:
Papa Hedi, the man behind microphone
لبّى الهادي الجويني نداء ربّه يوم 3 نوفمبر 1990 ووارى جثمانه الثرى في مقبرة الجلاز وما زالت الأجيال تردّد:
نحبّك وأنا حبّي ليك
حياتي موش خسارة فيك
كيف ما يرجع الفرططّو
للنّار اللي تحرقو
كيف ما يرجع الفلاح
للحقل اللّي يعرّقو
كيف ما يرجع الملاّح
للبحر اللّي يغرّقو




