صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: الوزير إدريس ڤيڤة (1924-2026)..كما عرفته

issa-bakouche-3
كتب: عيسى البكوش
لقد كانت لي مع سي ادريس ڤيڤة خلال المدة التي قضّاها بمقر السيادة بشارع الحبيب بورقيبة في الحاضرة أي إلى حدود يوم 05 جانفي 1984 لقاءات متعددة إذ أنه كان متابعا لكلّ ما يدور في مدينتي التي تعجّ بالمسائل الحقيقية منها والوهمية أحيانا، فترابها “سخون” مثلما حمله عنوان إحدى روايات أميرة غنيم…

إذ يقطنها جلّ الوزراء بما فيهم أوّلهم المنعّم محمد مزالي الذي احتدّ الخلاف بينه وبين سي إدريس عشية وقائع الرابع من جانفي والمعروفة بأحداث الخبز فالتجأ الأخير إلى مغادرة البلد مثلما غادرها من قبل المنعّم أحمد بن صالح ومثلما سيغادرها المزالي نفسه بعد سنتين ونصف ثم عاد جميعهم إليها: “بلادي ولو جارت عليّ”.

دعوة إلى أريانة

لقد دعوته للإشراف على انطلاق الاستشارة التي قرّرها المجلس البلدي حول المخطط البلدي وحول آفاق أريانة في حدود عام 2000، ولقد شرّفني بالحضور ودعا كلّ رؤساء بلديات ولاية تونس للمواكبة وألقى كلمة منهجيّة أثنى فيها على هاته المبادرة.
Driss Guiga Issa Baccouche
صورة تجمع الراحل ادريس قيقة بكاتب المقال الأستاذ عيسى البكوش
إنّي أستحضر زمنا هامّا في تاريخ المدينة إذ أنه على إثر النجاح المنقطع النظير لـ عيد الورد الذي بعثته في شهر ماي من سنة 1982 لم يتعطل الوشاة والذين يتملكهم الغيظ – وهو ما لا يخلُ منهم زمان ولا مكان – تحركت مصالح التفقد في وزارة الداخلية وتمّ استدعاني من طرف سي ادريس على إثر انتهاء أشغالها وقال لي مهنئا: ها إنّ التقرير قد أنصفك وأظهر أنّ تصرفاتكم كانت سليمة وطلب مني الاسترسال في مثل هذه الأنشطة فانشرح – كما هو متوقع صدري لهذا الكلام الجميل – ولكني صارحت سي إدريس أني لن أعيد الكرّة ولن تكون دورة أخرى للعيد ما دمت أمينا للمدينة لأني استخلصت العبرة ممّا حدث وكفتني هذه ‘الضريبة’.
إحداث ولاية أريانة
ثم كان وقت آخر وذلك في شهر مارس من السنة الموالية عندما أعلن الرئيس بورقيبة باقتراح من سي إدريس إحداث ولاية أريانة.
وللحقيقة فإن الوزير كان أذن من قبل ذلك بتكوين لجنة للنظر في إعادة ترتيب ولاية تونس واختارني من بين أعضاء تلك اللجنة التي عملت على امتداد أشهر عام 1982 وقد آلت أعمالها إلى بعث ثلاث ولايات: الأولى مطابقة لحدود بلدية تونس والثانية في الجنوب ومقرّها حمام الانف والثالثة في الشرق ومقرها المرسى.
ولكن آلت الأمور إلى ما آلت إليه وبالخصوص إلى ضمّ الخط الشمالي باعتباره يضمّ مقر السيادة أي قصر الجمهورية بقرطاج والخط الغربي أي باردو باعتباره يأوي مجلس النواب وذلك إلى ولاية تونس وبالتالي بعث ولاية جديدة مقرّها أريانة وتضمّ شمالا قلعة الأندلس وسيدي ثابت وغربا طبربة والبطان والجديّدة وبرج العامري والمرناقية ووادي الليل والدندان ومنوبة التي أصبحت سنة 2002 مقرا لولاية جديدة مقطوعة عن ولاية أريانة.
قصر بن عيّاد
لقد عنّ لي وقتئذ إنجاز فكرة كانت تخامر من سبقني في نيل شرف خدمة متساكني أريانة وهي نقلة مقرها البلدي إلى قصر بن عيّاد الكائن بنهج 18 جانفي فسلمت المقر الكائن بشارع فرحات حشاد، ـ وقد كان من قبل كنيسة تسلمتها السلط التونسية بمقتضى اتفاق مع الفاتيكان عام 1963- إلى الوالي الجديد المنعّم أحمد بن جميع وانتقلت إلى المعلم الأثري، فهاتفني سي إدريس منوّها بصنيعي الذي لم يكن له نظير.
آخر مكالمة
وتمضي السنون والشهور والأيّام، وبالأمس القريب أي منذ بعض الأسابيع هاتفته وهو في بيته بالحمّامات سائلا عن أحواله موجّها له التحية فحيّاني بأحسن منها وتلك إحدى شيم الرجل الذي أدركته المنون وهو في الثاني بعد المائة من عمره المديد ” فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فراديس جنانه ورزق أهله وذويه وكلّ الذين أدركوه من أحبائه المخلصين جميل الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى