عيسى البكوش يكتب/ محمد العروسي المطوي (1920-2005): صاحب ‘التوت المرّ’ و’حليمة’


كتب: عيسى البكوش
كتب عبد الرحمان الكبلوطي متفقد التعليم الثانوي وقتئذ في مجلة ‘المسار’ في عددها 52 لسنة 2001 عن أدب محمد العروسي المطوي في برامج التعليم: ” كنّا في برامجنا قديما عالة على الشرق وعلى مؤلفات الأقدمين إلا أنّ الاتجاه سار في تونس منذ الستينيات نحو الاعتماد كذلك على كتب أبناء الوطن..
وهكذا وقع اعتماد رواية “حليمة” في السنة السابعة أساسي و”التوت المر” في السنة الثامنة، وفي كلّ واحدة منها ينظر التلاميذ في الأغراض النبيلة التي تطرّق إليها المطوي تمجيدا للنضال من أجل الوطن ومساهمة المرأة في حركة التحرير في “حليمة” ومكافحة مخاطر الإدمان على الخمر والانحراف في “التوت المرّ”.
هكذا أصبح المطوي يحتلّ مكانة قارة فيما يسمّى في المناهج بالمطالعة الميسّرة على غرار محمود المسعدي ومصطفى الفارسي وعبد المجيد عطية وآخرين.
البدايات
ولد محمد العروسي ابن الطاهر يوم 14 جانفي من سنة 1920 وهو الذي أطلق على نفسه لقب المطوي.
ابتدأ تعليمه في كتّاب الماية للشيخ عمر بن يعقوب ثم التحق سنة 1928/ بالمدرسة الفرنسية العربية ثم تحوّل إلى الحاضرة سنة 1935 حيث تقدّم لاجتياز الشهادة الابتدائية بمدرسة نهج ‘فابريكات الثلج’ فنالها.
سكن قرب حمّام الرميمي أين كان ينزل بها والده وعدد من أبناء المطوية والمعلوم أنّ أكثرهم استوطنوا بحي ‘طرنجة’.
دخل سنة 1936 جامع الزيتونة حيث تتلمذ على عدد من الشيوخ من أمثال محمد بوشربيّة ومحمد بن نية ومعاوية التميمي والمختار بن محمود ومحمد الزغواني والحطاب بوشناق وعبد الوهاب الكرارطي وكذلك الشاعر أحمد المختار الوزير.
تحصّل سنة 1940 على الأهلية ثم التحصيل عام 1943 ثم الحقوق عام 1945 فالعالمية سنة 1946 كما أحرز الإجازة العليا للبحوث الإسلامية عام 1947.
تولى بعد إحرازه العالمية مشيخة المدرسة المرجانية.
صار أستاذا
نجح سنة 1948 في مناظرة انتداب الأساتذة من الطبقة الثالثة وصارت مهنته تدريس الأدب والتاريخ بالجامع حتى سنة 1956 عندما اختطفته السياسة أو بالأحرى الدبلوماسية فعيّن بادئ ذي بدء ملحقا ثقافيا بأوّل سفارة بالقاهرة، ثم انتقل إلى العراق برتبة سفير ثمّ بمثل تلك الرتبة عُيّن سنة 1959 بجدّة عاصمة المملكة العربية السعودية وقتئذ إلى حدّ سنة 1963 حيث عاد إلى أرض الوطن ليبدأ حياة جديدة برلمانية هاته المرّة فانضمّ إلى مجلس الأمة ثم مجلس النواب لاحقا ومكث فيه أكثر من عشرين عاما ـ من سنة 1965 إلى سنة 1986 ـ عندما أحيل على التقاعد ليتفرغ لرئاسة اتحاد الكُتّاب وهو من مؤسّسيه سنة 1971 على امتداد عشرة سنوات من سنة 1981 إلى سنة 1991 وفي الأثناء ترأس نادي أبي القاسم الشابي الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1962 من سنة 1981 إلى سنة 2005.
كما أنه أسّس نادي القصة يوم 16 أكتوبر 1964 ، وقد كان أسّس وهو في ريعان الشباب نادي القلم سنة 1950.
أمّا في موطنه -المطويّة- فقد ساهم في بعث العديد من الجمعيات من بينها “الشباب الثقافي المطوي” و”الشباب الرياضي المطوي” و”النادي المطوي للتعاون والتعارف”.
انتخب سنة 1990 أمينا عاما لاتحاد الأدباء والكتّاب العرب.
شهادات
يقول عنه علي العريبي في المجلة الصادقية في عددها الخمسين لسنة 2009 : “ما نعرفه عن محمد العروسي المطوي انّه مؤرخ ومحقق وشاعر وروائي وقصّاص، عاش طول حياته شغوفا بالمعرفة كثير القراءة محبّا للكتاب كحبّه لوطنه، صديقا له، ومصداق ذلك تجنّده للدفاع عن الكتاب تأليفا ونشرا وحماية”.
كما ذكر المنعّم محمد قريمان في مجلة “معالم ومواقع” في عددها الخامس عشر لسنة 2004: ” المطوي من أهل العلم والثقافة المحبّين للكتّاب ونشر الكتاب وكان من مؤسّسي مكتبة التلميذ الزيتوني الكائنة بنهج جامع الزيتونة. الرجل وفيّ إلى أهله وبلدته بدون حدّ، جعله هذا الوفاء يهدي مكتبته الضخمة إلى المطوية ومحلّها في المركب الثقافي الذي أصبح يحمل اسمه”.
من مؤلفــاته:
ـ النصوص المفسرة سنة 1955
ـ ديوان فرحة الشعب سنة 1963
ـ حليمة سنة 1964 والتوت المرّ سنة 1967 وقد تحصلتا على جائزة بلدية تونس.
– رجع الصدى سنة 1991 وديوان “حبّيك” سنة 2002.
أمّا في مجال التحقيق فقد أصدر بالاشتراك “جريدة القصر وجريدة العصر” سنة 1966 و”أنموذج الزمان” سنة 1986، هذا إلى جانب كمّ هائل من الأقاصيص الموجهة للأطفال مثل “حمار جكتيس” عام 1972 و”أمير زنجبار” سنة 1976، كما أنّه أشرف على إصدار “موسوعة حيوانات العالم” و”قل لماذا؟”.
وممّا يحسب له إتمامه لأعمال المنعّم حسن حسني عبد الوهاب “ورقات” و”كتاب العمر” و”بساط العقيق”.
يتقارب أسلوبه السردي مع أسلوب البشير خريّف عملاق القصّة في تونس واستعارته للهجة الدّارجة:
“حفظت حليمة كثيرا من المقطوعات الغنائيّة فلم تفتأ تردّد:
سبع حمامات طارو
حطّوا على واد قابس
فيهم حمامة مريضة
ما ضاقت الما من آمس
ترّاس لاحق صبيّة
عطشــان والرّيق يابس
أمّا عن شعره فيقول عنه حسين العوري: ” المطوي رائد قصيدة الشعر الحرّ في بلادنا وأولى نصوصه في هذا المجال قصيدة “نداء الأرض” التي تعود كتابتها إلى سنة 1952 وإن كان له نصّ آخر عنوانه “سلي” مؤرّخ سنة 1939:
” سلي من تصدّى لقوت الطعام
بزور الكلام
ترى أنّ سمّا سمّي الدسم
يصبّ لجمع غرير أغمّ
كأنّ قطيعا أنتشته الذئاب
ففرّ الرعاة ونام الكلاب
من أقواله:
” تتمثل رسالة الأديب في رفع منزلة الإنسان، إنّها كالمصباح يهتدي به الإنسان التائه في ظلمة الحياة وشعابها”.
سئل عن الصديق الوفيّ فقال: “الصديق الوفي نادر في هذا الزمن ولكنّي أكتفي بقول الشاعر:
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم
ولكنهم في النائبات قليل”
الرحيل
غادرنا محمد العروسي المطوي رحمه الله يوم 25 جويلية 2005 ودفن بمسقط رأسه المطوية.
أصدر البريد التونسي سنة 2020 طابعا يحمل صورة الفقيد، وسنّ نادي القصة سنة 2022 جائزة مغاربية تحمل اسمه.




