صالون الصريح

علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجّة

الصحافة لا توصف فقط بأنها مهنة البحث عن المتاعب ومعناها بالفلاقي ‘يا حيط ايجا طيح عليا’…كلوف ..وشريان شبوك …هكاكة لله في سبيل الله ليست كذلك فقط هناك من الطيبين والمتفائلين من يصفها بـ ‘صاحبة الجلالة’..

وهذا وصف جميل ولكنه خيال في خيال حتى لا أقول إنه يشبه قول ضرب الحبيب زبيب بينما الضرب هو ضرب وموجع ..ومقلق..
ولكن الحياة كلها عذاب فوق شفاه تبتسم ولولا الأمل لانتحر الانسان منذ لحظة ولادته ولكنه يكتفي بالبكاء وينطلق على بركة الله في خوض معركته في جحيم من المهد الى اللحد..
وكم عرفت زملاء أعزاء كانوا ‘جايبين ما عندهم …ونافخين صدورهم’ ويرون في أنفسهم عظماء …وعباقرة ..وحتى زعماء …و’ما كيفهم حد’..
وكانوا يظنون أن لقب صحفي ‘شيء كبير’…ويحظى بتقدير خاص …ويمنح لصاحبه امتيازات خاصة …
كانوا يظنون ان كلمة صحفي وحدها تكفي لتفتح أمامه كل الابواب …ولكنهم لم يكن يعرفون ان الباب الوحيد الذي تفتحه في وجوههم هو باب الجحيم ..
والله كانوا ‘يسخفوني برشة’…ولكنني كنت اتعامل معهم على طريقة: ‘اللي تراه راكب على فركة قلو مبروك الحصان’…
احد الزملاء احب فتاة التقاها في مناسبة عائلية وارتبط معها بعلاقة صداقة وبذل كل ما بوسعه ليتقرب اليها وسكر بحبها، وكانت هي لا تبخل عليه بكلمات كالسكر …و’جدت عليه انها تبادله الحب’..وقرر ان يتزوجها ..’شبيك راهو صحفي كبير عندو مركز وهيبة’ ..فاتصل بوالدها لجس النبض ..
اولا ” ما قابل بوها الا بالسيف ..مرة مسافر ..ومرة لاهي ماعندوش وقت ..” وبعد جهد جهيد وانتظار طويل وتدخلات استطاع ان يحصل على موعد بشرط ان لا تكون المقابلة صحفية وان لا ياتي ومعه الة تسجيل ولا الة تصوير ..
ذهب اليه في بنايته الفخمة ولم يدخل الا بعد ان ‘شاورو عليه’ رغم انه استظهر لهم ببطاقته الصحفية وقال لهم انه فلان ابن فلان ..
دخل المكتب الكبير فوجد نفسه أمام كتلة بشرية ولحمية ضخمة …رجل طويل عريض كانه فيل ..وبفمه ‘سيڤار’ كــأنه شجرة ..
تقدم منه ومدّ له يده ليصافحه فصافحه ببرودة شديدة وسأله:
شكون سيادتك …بالله ذكرني ..انا كبرت وما عادش نضبط ..
قال له : انا الصحفي اللي كلمتك برشة مرات في التليفون …وصديق بنتك كوثر ..
– مرحبا ..توة تفكرتك ..ايه لاباس حاجتك بحاجة ..عندك شكون تحب نخدمهولك …حاجتك بقرض وانا نضمن فيك …؟
واضاف : ادخل في صلب الموضوع يعيش ولدي عندي برشة التزامات ..
– حبيت نقلك …وتلعثم ثم سكت ..
قلي اش حبيت نقلك ؟
– نقلك على كوثر ..
-ماتفجعنيش ..شبيها كوثر ..
لاباس ..اما ..
– أما شنوة انطق ..
– حبيت زعمة نخطبها ..
وانفجر الرجل ضاحكا …ولم يستطع ان يتوقف عن الضحك …
ويضحك بقوة ويهتز ويصفق ويتمتم …
نوبة الضحك هذه لم تتوقف الا عندما رن جرس التليفون ..
ولم تستغرق المكالمة الا ثوان قال بعدها وهو يتوجه بالكلام الى الصحفي واقترب منه كأنه سيهجم عليه ..
– توة ما تحشمش على روحك تحب تخطب بنتي …انت تحب فلوسها مش تحبها هي …اللي كيفك نعرفهم مليح ..برة يعيّش ولدي اخطب من قماشك واخطى الطفلة راهي بنت ملياردير يا غفاص ..
وتقدم الرجل نحو الباب وفتحه وقال للصحفي : هيا تفضل من غير مطرود وسلملي على عرفك وقلو راني نخمم باش نشريه هو وجريدتو …
ومن يومها تفرغ هذا الصحفي للكتابة عن الفيل ..
كل أسبوع مقال طويل عن الفيل السارق …الفيل المتحيّل …الفيل المرتشي ..الفيل الفاسد ..
وكانت مقالاته تحمل عنوان ‘الصحافة الاستقصائية’..
ولكن الفيل لم يتحمل ..
صبر عليه بعض الوقت وفي النهاية قدم به قضية عدلية ..
و’ما نحكيلكمش’ ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى