صالون الصريح

علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجة

بعد سنوات من بداية الرحلة في قطار العذاب تعلمت ان التجاهل سلاح ضروري لابد للصحفي أن يتسلح به في معركته الشرسة ..
والصحافة معركة شرسة يومية مع الوقت …مع الخطوط الحمراء …مع قانون يمكن المرور مع ملازمة الحذر …مع القيل والقال وكثرة السؤال …مع بحر الاتهامات …وزوابع الشكوك والظنون …مع علامات المنع والتحذير والتنبيه والتحجير ..

ومن لا يستخدم سلاح التجاهل يتعب كثيرا ..وفي النهاية يهده التعب فيسقط و”رحمان يا رحيم ” واعرف زملاء اعزاء لم يحسنوا استخدام ذلك السحر ف ( كلاوها في عظامهم ) وقضوا آخر أيامهم في المستشفيات …
اعرف احد الزملاء ( ربي يرحمو ) كان كل يوم ( يتهز ويتحط ) وكان ( معاركي ) من الطراز الرفيع …يحسن الرد القاسي والموجع على خصومه ويقضي يومه في اختيار الكلمات الأكثر بذاءة ودناءة …وكان يتفنن في أساليب الرد …ونسي في خضم معاركه نفسه واسرته وصحته …وكثيرا ماكان يردد بفخر واستعلاء : شكون ينجم يكح معايا …انا في معركة مقدسة ضد انذال الكلمة والقوادة واللي ماهمش رجال ..
وشيئا فشيئا انهارت اعصابه …واصابته رعشة مستمرة …ولم يعد يتحمل ( كلمتين خوات ) وكثيرا ماكان يجد نفسه في مركز الشرطة جاءت به كلمة بذيئة ..او كلمة نابية …أو كلمة صاعقة ..
نعم صاعقة فهو أول من اخترع هذا النوع من الكلمات ..
كان يقول أنا أدمر أعدائي بالصاعقات الماحقات التي لم تصنعها مصانع امريكا ولا الاتحاد السوفياتي ..
وكنت كثيرا ما التقيه في مقهى دار الثقافة ابن خلدون ..
اجده هائجا مائجا فاحاول تهدئته واقول له :
سيب عليك من المعارك الوهمية واكتب لنا ما تقهر به خصومك ..
واضيف : قاومهم بابداعك ..بانتاجك …بكتبك ..بأدبك …بنجاحك ..
ويسمعني وهو يغلي ثم يقول لي : شوف يا تحب نضربك ..والا نسبك ..هيا قوم وخليني والا توة نهد الدنيا ..
ولكنني لا اتركه واصبر على ” جنونه “..واحاول بمودة صادقة انهاء نوبة الجنون التي تصيبه بين الحين والآخر ..
وكان محمود المسعدي وزير التربية من الد اعدائه ومعركته لم تتوقف الى ان انتقل الى العالم الاخر ..
كان لا يحب المسعدي ..
وكان يشتري كتاب ” السد ” ويجمع حوله المارة في شارع الحبيب بورقيبة ويشعل فيه النار ..
ولما ساءت حالته النفسية أكثر فاكثر كان يضع ” السد ” فوق طاولة ” البار” ويشرب إلى ان يسكر ثم يذهب الى المرحاض ويبول على الكتاب ..
وكان يتفنن في المشاكسة و( ما يرشفها لحد ) الى ان ترصده مجهول في آخر الليل وهو ( مشنشنها) وأعطاه (طريحة نباش القبور )..
دمدم له وجهه..وكسر له اسنانه الامامية …وطعنه في بطنه المتدلية امامه ..
وانتهت به الكلمات الصاعقات الماحقات التي تحولت في جوف الليل إلى لكمات صاعقات ماحقات الى الفراش في مستشفى الرابطة ….
وكم كان يثير حنقي عليه …وشفقتي عليه ..
حنقي لانه يصر خوض معارك وهمية خاسرة …
وشفقي عليه لأنه قامة صحفية وأدبية لا تليق بها الصعلكة ..
ولكنني بالتجربة سلمت بان الصعلكة تولد مع الانسان مثلما يولد معه لون بشرته ..
الصعلوك صعلوك مثل ذيل الكلب لا يمكن تعديله …
انا من انصار التغافل ..
واحبذ عدم الرد على من يشتم ويسب ويتهم ويتطاول ويتبورب ويريد اقناعك انه يملك الحقيقة ..
اتغافل ..وأمر كأني لم أقرأ ..ولم اطلع ..
وافعل ذلك ليس احتقارا ..أو تجاهلا ..او تكبرا ..
ولكنني افعله من باب ” مانحبش نطيح قدري ” ..
ثم أن لا وقت لدي …وليست لدي الرغبة في الدخول مع ( مرامدي ) في حفلة قذرة …حقيرة ..ودنيئة ..
هو ( مرمدي ) لن يخسر شيئا بل بالعكس سينتشي ..وسيستمتع …وسيشتهر على حسابي واكون انا الخاسر ..
انا من مدرسة محمد حسنين هيكل الذي لم يكن يرد ..
هاجموه طويلا وكثيرا وكان هو دائما ( مش هنا )..
ولم يهاجموه بالتدوينات السخيفة فقط ..
هاجموه بكل الوسائل …وصدرت عنه عشرات الكتب التي تشكك في تجربته ..ولعل أشهرها كتاب ضياء الدين بيبرس .ومقالات ناصر الدين النشاشيبي ..وطلقات مصطفى أمين ..
ولكنه لم يتوقف ولو للحظة عند هذه الهجمات الكاسحة ..
كان يمضي كالقطار السريع الذي يطحن كل شيء في طريقه ولا تشغله إلا محطته القادمة …
يقول هيكل في هذا الصدد :

” لا بد أن أكون واضحا معك فأقول إنني لا أرد على حملات ، إذا كان هناك حوار موضوعي فإنني على استعداد له، أما حين يصبح الأمر شتائمَ وسباباً فإن المسألة تختلف”
ثم قال:” لا أستطيع أن أكون طرَفاً في أي شيء، ولا حتى في خصومة، مع بعض الناس، هذه ليست فقط قضية كبرياء، ولكنها أيضاً قضية حقيقة، فأنا أعتبر أن ما قيل عنِّي – خصوصا من قائليه – لا يمكن أن يسبب لي ضررا بل العكس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى