صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: غرينلاند وبعد..

slama
كتب: نوفل سلامة

في خطوة اعتبرت مدروسة من الرئيس دونالد ترامب لتحويل وجهة أنظار الرأي العام العالمي عن موضوع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه على أيدي قوات أمريكية خاصة، وما خلفته هذه العملية من تداعيات خطيرة عن النظام العالمي الحالي…

وتخفيف الضغط على الإدارة الأمريكية التي وجّه لها نقد كبير نتيجة التعدي على سيادة الدولة الفنزويلية وانتهاك حرمة دولة مستقلة تحظى باعتراف أممي وتخضع لشرعية القانون الدولي..

ضم جزيرة غرينلاند!

أطلق ترامب ساعات قليلة بعد عملية فنزويلا تهديدات خطيرة بضم جزيرة غرينلاند الدانماركية إلى مجاله الحيوي وعزمه شراءها باعتبارها تمثل أمنا قوميا لبلاده، وقد خلفت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة في العواصم الأوروبية التي اعتبر بعض قادتها أن الرئيس ترامب قد تجاوز حده في فرض رؤيته للعلاقات الدولية باستعمال القوة والتخويف والترهيب، وما ينجرّ عن هذا السلوك من مخاطر على السلم العالمي وعلى النظام العالمي الذي تحتكم إليه الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية.

تصريحات ترامب بعزمه ضم جزيرة غرينلاند بقرار منفرد في تجاهل تام لكل الأعراف والقوانين الدولية التي تحكم العلاقة بين الدول والتشريعات التي تنظم الصراعات والخلافات التي قد تطرأ بين الحكومات، قد تلقفتها الصحافة العالمية لتفتح نقاشا واسعا حول العرض الأمريكي لصورة السياسة الجديدة التي يريد ترامب فرضها على العالم بالعودة إلى فكرة المجال الحيوي..

رئيس ‘فوضوي’؟

وشدّدت الصحافة على خطورة هذا التمشي في علاقة باستقلال الدول وسيادتها على أراضيها..مع توجيه سهام النقد اللاذع إلى الرئيس ترامب ووصفه بالرئيس ‘الفوضوي’ الذي لا يعترف بقوانين ولا معاهدات ولا مؤسسات دولية أمام مصالح بلاده التي يحددها وفق رغبته وقراراته المنفلتة خاصة وأن كل الدول وسيادتها أصبحت مهددة أمام رؤيته.
المغيّب في هذه التغطية الإعلامية وهذا النقاش العالمي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتكلم من فراغ وخطابه السياسي حول غرينلاند ليس خطابا فوضويا كما تم الترويج له والرجل لم يكن في هذا الموضوع شخصية منفلتة معتوهة وإنما هو رئيس يعرف ما يقول وماذا يفعل ويتبنى خطابا يتضمن جوانب من المعقولية والقبول…

رؤية ترامب..

فماذا يقول ترامب حول جزيرة غرينلاند؟ يقول بكل بساطة أن غرينلاند أرض تقع في القارة الأمريكية وتحديدا في الجزء الشمالي منها وهي تنتمي إلى المجال الجغرافي لبلدان أمريكا الشمالية فلماذا تكون تحت سيادة الدانمارك وهي دولة أوروبية تنتمي إلى القارة العجوز؟
وبالتالي ما دخل الدانمارك في بلد يقع في القارة الأمريكية؟ وحتى وأن خضعت هذه الجزيرة في فترة من تاريخها إلى الاستعمار الأوروبي وكانت في حقب تاريخية قديمة تتبع التاج النرويجي أو الدانماركي خلال الفترة الممتدة بين القرن الثالث عشر والسابع عشر ميلادي، فهذا لا يعني أنها سوف تبقى إلى الأبد ملكية أوروبية ولا يعني كذلك أن تظل تابعة للإدارة الدانمركية؟
فما هي مبررات ذلك والحال أن غرينلاند قد حصلت على استقلالها في سنة 1979 و تمتعت بالحكم الذاتي خلال سنة 1982 وانطلاقا من هذه المعطيات التاريخية والجغرافية يعتبر ترامب أن الوقت قد حان حتى ترفع الدانمارك وصايتها على غرينلاند وأن يتم فك الارتباط السيادي بينهما، وأن تعود هذه الجزيرة إلى وضعها الطبيعي جزءا من الجغرافيا الأمريكية وجزءا من المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية.
هذه الأرض الشاسعة التي تبلغ مساحتها 2.166.084 كلم والتي يغطي الجليد معظم مساحتها ويسكنها عدد قليل من السكان لا يتجاوز عددهم 57 ألف نسمة ويتركب من خليط من سكان أصليين يعود أصلهم إلى شعب ‘الأسكيمو’ ومن أفراد من أصول نرويجية (الفايكينغ) ودنماركية وبرتغالية وحتى كندية وفدت على هذه الأرض خلال حقب تاريخية في هجرات استكشافية بداية من القرن الثالث عشر ميلادي، ومعهم تحولت هذه الأرض إلى مستعمرة تابعة في كل مرة إلى إحدى هذه الدول إلى أن استقر أمرها خلال القرن السابع عشر ميلادي مع الدانماركيين، وعودتهم الثانية بعد أن توفي جميع الوافدين خلال القرن الخامس عشر ميلادي بمرض غامض بقي مجهولا، وإلى اليوم لم يعرف السبب الذي أباد كل الوافدين…
ومع الاعتراف الأممي خلال القرن العشرين بتبعية غرينلاند إلى الدانمارك أصبح هذا الفضاء الجغرافي الواقع في شمال القارة الأمريكية مقاطعة تابعة لدولة الدنمارك رغم تمتعها بالاستقلال الذاتي مع بقاء الشؤون الخارجية والمالية والدفاع تابعة للدنمارك.

قواعد أمريكية

هذه الجزيرة التي أطلق عليها الدنماركيون أسم غرينلاند أي ‘الأرض الخضراء’ والتي يتقاطع موقعها بين الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، قد منحها أهمية جيوسياسية كبيرة وموقعا استراتيجيا لفت إليها الأنظار وجعلها محل نزاعات وصراعات بين الامبراطوريات القديمة حيث لم تعرف خلال تاريخها الطويل إلا الاحتلال والاستعمار ولم تخرج من وضعية المستعمرة وتتحول إلى مقاطعة تتمتع بالحكم الذاتي إلا مؤخرا مع الدنماركيين. ونظرا لموقعها الهام أنشأت الولايات المتحدة الامريكية باتفاق مع الدانمارك أكبر محطة رادار في العالم مع قواعد عسكرية هامة.

وقف تمدد الصين وروسيا

المنطق الذي يحكم خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له بناء تاريخي وجغرافي وسياسي وأمني مقبول، ويفرض أن ننصت إليه، فالرجل يدافع عن أمن بلاده القومي ويحاور الأوروبيين في مسألة انتماء غرينلاند إلى القارة الأمريكية ويطالب بإنهاء الوصايا الإدارية والسياسية عليها من قبل الدانمارك التي لا تربطها بها أية علاقة إلا الروابط الاستعمارية والتي لا يمكن ـ حسب رأيه ـ أن تبقى متواصلة وهو في هذه الرؤية التي تضع في الحسبان ما تتوفر عليه غرينلاند من ثروات طبيعية ضخمة من معادن نادرة وكميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي لم يتم استغلالها بعد لا يمكن أن يلومه أحد، طالما وأنه يدافع عن مصالح بلاده وأمن وسلامة شعبه..
كما أنه يخطط لإيقاف تمدد الصين وروسيا وبناء قوتهما الاقتصادية من خلال إيقاف مصادر هذه القوة المتمثلة في مصادر الطاقة رغم كل التهديد الذي تمارسه أمريكا وسياسة التخويف والترهيب التي تتبعها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى