حين يصبح الموت مادة للمزايدات..ارفعوا أيديكم عن وجع بن قردان وجرجيس!

في لحظات الفواجع الكبرى، تسقط كل الحسابات الصغيرة،وتصمت لغة المزايدات،ولا يبقى في المشهد سوى وجع الإنسان أمام الموت.
ما تعيشه بن قردان وجرجيس اليوم ليس مناسبة سياسية،ولا ورقة للمناورة،ولا فرصة لتصفية الحسابات مع هذا الطرف أو ذاك.
إنّه مصاب جلل، وجرح مفتوح في قلوب عائلات فقدت أبناءها،وأمهات ينتظرن خبرا لن يأتي، وآباء يحدّقون في الفراغ بعدما انطفأت في بيوتهم أصوات أحبائهم.
ومن المؤلم أن تتحول المأساة، وهي في أقدس لحظاتها الإنسانية إلى مادة للتجاذب السياسي، وأن يُسارع البعض إلى الاستثمار في الموت بدل الانحناء أمام حرمة الموتى ومواساة الأحياء. فليس كل حدث ميدانا للخطابات،وليس كل دم جسرا للعبور نحو مكسب سياسي.
اتقوا الله في الموتى
إلى من يتعاطى مع هذه الفاجعة بمنطق المزايدة: اتقوا الله في الموتى، وارحموا قلوب ذويهم. اختلفوا في السياسة كما شئتم،وانتقدوا، وحاسبوا،وطالبوا بالمساءلة عندما يحين وقتها، لكن لا تجعلوا من نعوش الضحايا منابر للصراع، ولا من دموع الأمهات وقودا لمعركة سياسية.
إن أبناء بن قردان وجرجيس الذين رحلوا في هذه الفاجعة ليسوا أرقاما في بيان سياسي، ولا عناوين في معركة حزبية،إنهم أبناء وأحبة وفلذات أكباد، تركوا وراءهم عائلات مكسورة وبيوتا يسكنها الصمت.
وفي مثل هذه اللحظات،تكون الكلمة مسؤولية، والصمت أحيانا شرفا،واحترام الحزن واجبا لا يحتاج إلى قانون.
أما الحديث عن المسؤوليات والأسباب والبحث عن الحقيقة،فله مقامه ووقته،بل إن محاسبة المقصرين وكشف ملابسات الفاجعة حق لا ينبغي أن يسقط.
لكن المساءلة شيء،والمتاجرة بالمأساة شيء آخر، الأولى تحفظ حق الضحايا،والثانية تسيء إليهم.
وفي النهاية…
حين تكون الأمهات في انتظار جثامين أبنائهن،لا يليق بالسياسة أن ترفع صوتها فوق صوت البكاء. دعوا الموتى يرقدون بسلام،واتركوا لقلوب بن قردان وجرجيس حقها في الحزن، فهناك وجع لا يحتمل المزايدات،ودموع لا يجوز أن تتحول إلى سلّم يصعد عليه أحد إلى مكاسب سياسية.
رحم الله أبناءنا جميعا، وربط على قلوب أهلهم بالصبر والسلوان..
محمد المحسن




