إنصاف اليحياوي من داخل معرض الكتاب: إليكم صفحات ليست كالصفحات..

كتبت: إنصاف اليحياوي
كان معرض الكتاب يعيش ضجيجه المعتاد ـ خطوات متسارعة، وأصوات متداخلة، وعطر الورق يملأ الممرات كأنه نَفَس المكان ذاته. غير أن جناح ‘صفحات’ كان يحمل نبضاً مختلفاً، أكثر هدوءاً وأعمق حضوراً..
وفي زاوية من المكان، جلس إبراهيم نصر الله وكنت بجانبه …لم يكن يجلس جلسة المحتفى به، بل جلسة من يواصل رحلته. لا تكلف في ملامحه، ولا تعالٍ في عينيه اللتين تنظران إلى كل من يقترب منه كأنهما تقرآن فيه رواية لم تُكتب بعد. اقتربتُ منه وأنا أحمل ثِقل أسئلة أعددتها، لكنني ما إن جلستُ حتى نسيتها، وبدأتُ أسأل بما يُمليه المكان لا ما كتبته مسبقاً.
تحدثنا عن البدايات، فابتسم ابتسامة من يعرف أن السؤال أكبر مما يبدو…يجيب بهدوء ويرى ان الكتابة لم تبدأ حين نُمسك القلم، بل حين ندرك أن ما يؤلمنا يؤلم غيرنا أيضاً، وأن الوجع المشترك هو الخيط الذي يصنع منه الأدب حبلاً يتشبث به الناس .. لم تكن إجابة، بل كانت مدخلاً إلى عالم بأكمله.
كتبته كإنسان
سألته عن الفلسـ.طيني في رواياته ـ ذلك الإنسان الذي يحمل وطنه في روحه وهو يمشي على أرض ليست أرضه ـ فتوقف قليلاً، كمن ينصت إلى شيء بداخله قبل أن يتكلم ويجيب ..”لم أكتب الفلسـ.طيني كضحية، كتبته كإنسان يحمل حياةً كاملة، بكل تناقضاتها وهشاشتها وشموخها في آنٍ واحد. الضحية صورة مسطحة، والإنسان عميق لا نهاية لأعماقه”…هو يكتب عن الفلسـ.طيني سفير القضية و الملهاة!
تحدّثنا عن “زمن الخيول البيضاء” ..”ارواح الكليمانجارو”..”قناديل ملك الجليل:..:اعراس امنة” و عن “حرب الكلب الثانية”…. وعن ملهاة الموتى والأحزان، وعن الزمن الفلسطيني الذي يأبى أن ينتهي. كان يتكلم عن شخصياته كمن يتحدث عن أصدقاء غائبين، لا عن أدوات سردية. وكيف يتعلق بشخصياته حين يودعها في نهاية الرواية اذ يعتبر أن الشخصية الحقيقية لا تُودَّع. هي التي تتركك أنت وترحل، حين تجد طريقها إلى القارئ!!
الكُتب تُنصت
كانت الأجواء حولنا تشهد على اللقاء — الكتب كأنها تُنصت، والزوار الذين يمرون يُبطئون خطاهم دون أن يدركوا، مشدودين بهذا الصوت الهادئ الذي يقول الكثير بكلمات قليلة.
قبل أن أغادر، سألته: هل يخشى يوماً أن ينفد ما يكتبه؟ وينضب معين افكاره الروائية فحدثنا ان لديه عدة مشاريع روايات بدأ كتابتها لكنها لم تكتمل.. وطالما ثمة إنسان يحبّ ويخسر ويحلم ويُهزَم ويقوم — لن ينفد الكلام. الكتابة ليست ملكاً للكاتب، هي ملك للحياة التي تُكتب عنها!
خرجتُ من جناح ‘صفحات’ وفي يدي كتاب وقّعه لي، لكن في رأسي جمل لم تُكتب بعد، زرعها فيّ رجل لا يُعلّم الكتابة، بل يُذكّرك بأنك كنت دائماً تحملها داخلك.
هل تريد تعديل نبرة النص، أو إضافة تفاصيل واقعية من اللقاء الفعلي إن كان قد جرى؟
أنهار الخيال بلا توقف
إبراهيم نصر الله جلس معنا كأنه لم يغادر رواياته يومًا، صوته هادئ ومتمهّل، لكن في داخله تجري أنهار الخيال بلا توقف. في ذلك الركن البسيط، شعرت أن الزمن قرر أن يتوقف قليلًا لكي ينصت.
فهو الرجل الذي حمل فلسطين على كتفيه في أكثر من ثلاثين رواية وديوان شعر، دون ان يعرفها يوما
…لم يتحدث عن الوطن كما يتحدث عنه الخطباء، بل تحدث عنه كمن يصف وجه أمّه.
إبراهيم نصر الله ليس مجرد كاتب أردني فلسطيني؛ هو أرشيف روح أمة. صاحب “الملهاة الفلسطينية” الملحمية التي رسم فيها قرنًا كاملًا من الوجع والأمل والمقاومة، والفائز بجائزة البوكر العربية عام 2018 عن روايته “حرب الكلب الثانية”. كلماته لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش.
حين انتهى اللقاء وتحلق من حوله مريدوه، أدركت أنني لم أُدر حوارا مع كاتب وشاعر وفنان ـ بل شهدت درسًا في كيف يتحول الألم إلى جمال، والمنفى إلى وطن آخر داخل الحرف.
شكرا لمدير معرض الكتاب على الثقة والدعوة لإدارة الحوار..شكرا إبراهيم نصر الله على سخاء الحضور والردود..دام مداد وسدادك!




