عيسى البكوش يكتب/ أحمد عبد السلام (1922-2007): أحد مؤسّسَيْ الجامعة وأوّل رئيس لـ بيت الحكمة


كتب: عيسى البكوش
المهدية ليس فقط عاصمة العبيديين وموطن المعز لدين الله الفاطمي مؤسّس القاهرة العاصمة المصرية بل هي أيضا معين لا ينبض من الأعلام التي يتباهى بها داخل حدود هذا الوطن وخارجها.
فالأسماء كثيرة لا تحصى فمنهم آل حمزة وآل عبيد وآل التركي وآل الرمادي والأخوين أحمد ومحمد عبد السلام.
البدايات..
ولد أحمد عبد السلام إذن بالمهدية يوم 17 جانفي عام 1923.
زاول تعليمه الثانوي بالمدرسة الصادقية وعلى إثر تحصله على شهادة الباكالوريا، التحق بجامعة الجزائر حيث أحرز على الأستاذية في اللغة والآداب العربية، ثمّ بالسربون حيث نجح في مناظرة التبريز عام 1947 فالدكتوراه عام 1969 بجامعة Aix-en- Provence بفضل أطروحته التي أضحت مرجعا للجميع حول ‘المؤرخون التونسيون في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر’.
عند عودته إلى تونس التحق بعرينه أي الصادقية لغاية إرجاع الدّين أي تلقين الناشئة ما حمله في صدره فوق الهضاب أي القصبة وعلى جبل Sainte Geneviève بالحي اللاتيني.
ولكنه لم يعمّر بين أحضان هذا الموروث الذي كسبناه من مكوث خير الدين بديارنا قبل عودته النهائيّة إلى مركز الخلافة العثمانية.
رئاسة الجامعة التونسية
فلقد حان ميعاد ولادة الجامعة التونسية فكانت الانطلاقة على أيدي الوزير محمود المسعدي ومترجمنا.
ولمّا كان الوزير وزيرا فإنّ الأستاذ أحمد عبد السلام هو الذي ترأّس الجامعة، ولو أنّ التسمية الإفرنجية لا تدلّ على ذلك، فكان يسمّى Le pro-recteur فهو إذن من فصيلة البناة الذي بصموا هاته الأرض وآثارهم تدلّ على ذلك، لا فقط من خلال المبنى الحجري بل أساسا من خلال المبنى البشري.
فكم من أجيال تعاقبت على مدارج “9 أفريل” وكأنّي كلّما أمرّ من أمامها أو ألج في أروقتها أستمع إلى صدى الماضي وأنا الذي وقفت ذات أكتوبر من سنة 1969 على إثر انتخابي في مؤتمر المهدية، المهدية دائما.. أمينا عاما لاتحاد الطلبة لأخطب في جموع الطلبة لأوّل مرّة بصفتي تلك وأقول لهم ما قلت : ” إنّ الاتحاد ليس حكرا على أحد ولكلّ المشارب حق في التواجد داخله وفي تحمّل مسؤولية تسييره، إنّ الاتحاد ديمقراطي أو لا يكون”.
وقد كلفني هذا الكلام ما كلفني.
قدّمت هذه الشهادة للتدليل بالحجة التاريخية على الأجواء السائدة آنذاك في رحاب هذا “المعبد” الذي أقام هيكله الأستاذ أحمد عبد السلام ومن معه من الروّاد.
وقد سبق له أن أدار المدرسة العليا للمعلمين لعدّة سنوات، كما أنّه ترأّس اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم عام 1958 وهو الذي انخرط منذ بواكير عمره المهني في الحراك النقابي، فلقد تقلّد مسؤوليات أولى في نقابة التعليم الثانوي باتحاد الشغل من سنة 1949 إلى سنة 1953 وهو ما أهّله لعضوية الهيئة الإدارية لمنظمة حشاد من سنة 1952 إلى سنة 1956.
ترأّس اللجنة الوطنية الثقافية من سنة 1959 إلى سنة 1962.
ولقد أصدر المنعّم محمد اليعلاوي كتابا خصّ به مترجمنا ‘مساهمة الأستاذ أحمد عبد السلام في الثقافة التونسية’ صدر عام 2003 عن بيت الحكمة، هذه المؤسّسة التي ولدت شامخة والتي تشرّف الأستاذ عبد السلام برئاستها من سنة إحداثها إلى سنة 1987.
أستاذ زائر بجامعة السوربون
لقد ذاع صيت الأستاذ أحمد عبد السلام فانتدب أستاذا زائرا بالسوربون وبـCollège de France سنتي 1974 و1975، وانتخب في نفس المدّة عضوا بأكاديمية العلوم لـ بلدان ما وراء البحار.
ترأّس أيضا المعهد العالي للتوثيق ويرجع الفضل إليه في إنشاء ‘حوليات الجامعة التونسية’.
لقد اهتم فيما اهتم في مجال البحث والتأليف بابن خلدون ونشر في الغرض كتابا تحت عنوان: “Ibn Khaldoun et ses lecteurs ” وقدّمه المستشرق André Miguel ، وكذلك أحمد بن أبي الضياف، إلى جانب كتابين نشرهما بالفرنسية:
-La Tunisie et la France،
-Sadiki et les Sadikiens
وهذا الأخير الذي نشرته دار سيراس لصاحبها “الصادقي” محمد بن اسماعيل نفدت كلّ طبعاته وقد أتى على كل فترات هذا المعهد من زمن انبعاثه إلى حدود عام 1957 والمؤمّل أن يتناول مؤرخونا المراحل المتبقية إلى يوم التاريخ.
توفي رحمه الله يوم 12 ماي 2007.




