صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: المِظلّة الأمنيّة الأمريكيّة في المنطقة…حِماية أمْنِ “إسرائيل” أوّلاً!

adanille
كتب: هادي دانيال

على الرّغم مِن أنّ التّاريخ المُعاصِر لم يَبْخَلْ على العرَب شُعُوباً ونُخَباً وحُكّاماً، بالدّرُوسِ والعِبَر والأدِلَّةِ وَوَسائل الإيضاح، إلّا أنَّهُم “ثابتون على عَهْدِهِم” بالولاءِ للسيّد الأمريكيّ والإذعان لإملاءاتِه التي تسلِبُهُم سيادتهم على الأرض العربيّة وما فَوقَها وما تَحتَها مِن ثروات بشريّة (أدمِغة ذات نُبُوغ علمي لجامعاتهم ومراكز بحوثهم وشبيبة يتمّ تجنيدها كمُقاتِلِين في حُرُوبِهِم) وثروات طبيعيّة (بترول وغاز ومعادن ثمينة).

درس شاه إيران

لم يَستَفيدوا مِن درس الشاه “محمّد رضا بهلوي” الذي كان حارِسَ مصالِحِهِم في المنطِقة، قَبْلَ أنْ تَتَصَدَّر “إسرائيلُ” هذا الدَّوْر، فلم يَمْنَحه سيّده الأمريكي حتى اللجوء الإنساني، عندما أسقطتْه “الثورة الإسلاميّة” عن عرشِه، وتُرِكَ لِمصيرٍ مَجهول إلى أن تلَقَّفَه زميلُه في الولاء لِواشنطن الرئيس المصري “محمّد أنوَر السادات” الذي فاخرَ بالقطْعِ نهائيّاً مع سياسة سَلَفِهِ الرئيس “جمال عبد النّاصِر” فطَردَ الخُبَراءَ السوفييت وَوَضَعَ “بيضَ مِصْرَ كُلِّه في السّلة الأمريكيّة” فَلَم تَكْتَفِ الدّوائرُ الصهيـ.ونيّة بإعادة السلّة إليهِ فارِغَةً، بَل “كافأتْه” بِرَصاصاتٍ قاتِلَة مِن بنْدُقيّة “خالد الإسلامبولي” المُنْتَمِي إلى “تنظيم الجهاد الإسلامي”، وربّما هذا ما جَعَلَ خَلَفَه الرئيس محمّد حسني مُبارَك يَصْدَح لاحِقاً بِمَقُولَتِهِ الشهيرة ‘المتْغطِّي بالأمْريكان عْرْيانْ’.

وَلَمْ تَكْفِهِم مِن الأدِلّةِ كيف تَرَكَ الجيشُ الأمريكي الأفغانيّين الذين كانوا يُحاربون إلى جانِبِه ضدّ الجيش الروسي ثُمَّ ضدّ حركة “طالبان”، تَحْتَ رحمةِ سلطة “طالبان”، وفي سوريا حَوّلوا “اليسار” الكردي، قَبْلَ أن يُشكّلَ ما يُسمّى “قوّات سوريّة الديمقراطيّة” (قسَد)، الذي جَلَبَ الجيش الأمريكي ومكّنه من ثماني عشر قاعدة عسكرية في شمالي سوريا بذريعة الحرب على الإرهاب “الدّاعشي”، واستقوى بهذه القواعد على حكومة الرئيس بشّار الأسد في دمشق، حَوَّل الأمريكان هذا “اليسار” الكردي إلى غَطاء لـ ‘الجولاني’ منذ تسليمه السلطة بِدِمشق وَرشِّه بالعطْرِ الأرجواني، فَغبّ ارتكاب مجازر السّاحِل دَفَعَ الأمريكان قادة “قسد” (اليساريين) لِتَغطيتِها بِمُباحثات مع “الجولاني” والأمْر ذاته حَصَلَ بَعْدَ مَجازِر السويداء، والمجازر الأخرى، إلى أن تَمّ تقديمِهِم “كبْش فِداء” لعلاقات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامْب” مع الرئيس التركي “رجب طيّب أردوغان” و “الجولاني”، فَتَمّ حَلّ “قَسَد” بِقرار أمريكي و ذَهَبَ هَدراً دَمُ الآلاف مِن شهيداتها وشهدائها مُقابِل تَعيين “مظلوم عابدي” مستشاراً لـ الشرع، وكان ذلك هديّة “ترامْب” لأردوغان والجولاني اللذَين أوكِلَ إليهِما نيابة عن واشنطن وتل أبيب، قِتال “الحوثيّين” في اليمَن إلى جانب القوات الخليجيّة، وقتال “حزب الله” في لبنان بَعْدَ حَشْد ميليشيات في شماله، مُقابل تقاضِهما ذلك أموالاً طائلة..

وسائل الإيضاح

ولم تُقْنِعِهُم وسائل الإيضاح في الحرب الأمريكيّة ـ الإسرائيليّة على إيران المُتَمَثِّلَة في نَقْلِ وسائل الدِّفاع الجويّ مِن القواعد العسكريّة الأمريكيّة في الخليج إلى فلسطين المحتلّة لحماية الكيان الإسرائيلي من الصواريخ الإيرانيّة. وعندما شنّت الرياضُ حَربَها الأخيرة ضدّ صنعاء فإنّ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامْب” رَفَضَ ، حسب موقع “أوكسيوس”، طَلَبَ وليِّ العهد السعودي، مَرّتَين، توجيه ضربات عسكرية أمريكيّة مُباشرة إلى قوّات “الحوثيّينّ” التي أنْجزَت سيطرة كاملة على “باب المندب” برّاً وَبَحراً وَجوّاً، ذلك أنّ “ترامْب” سَبَقَ أنْ صَرّح أكثر مِن مَرّة بأنّ التريليونات التي غَرَفَها مِن الخليج كانت تمويلاً لحربه هو و”بنيامين نتنياهو” على إيران. وبالتالي على هؤلاء الحكّام أن يدفعوا تريليونات أخرى ليساعدهم في “حروبِهِم” على اليمن زاعماً أنّ “الحوثيين” تحدّثوا معه بأنّهم لن يمسّوا السفُنَ والمصالحَ الأمريكيّة وبالتالي هُوَ غيْر مَعنيّ بِحرب الرياض عليهِم ولا بِنتائجِها التي لم تكُن لصالِحِ الأخيرة، علْماً أنّ “الحوثيين” نفوا كُلَّ ما وَرد بتصريحات الرئيس الأمريكي.

ترامب يتهرّب من مواجهة الحوثيين

وواقِع الحال أنّ “ترامْب” فَضّلَ تَجَنُّب الدخول في الحرب الأخيرة لصالِح الرِّياض، لأسبابٍ عسكريّة، تتَعَلَّق بِعَدَمِ جاهِزيّة قوّاتِه في المنطقة، ذلك أنّ “المظلّة الأمريكيّة” في المنطقة تَدَّخِرُ ذخائرَها الدِّفاعيّة والهجومِيّة لِحِماية أمْنِ “إسرائيل” في حَرْبٍ مُنْتَظَرَة عشيّةَ وإبّان انتِخابات التجديد النصفي الأمريكيّة، الأمْر الذي أشَرْتُ إليه بمقالاتٍ سابقة وأكّدَه “جي دي فانس” نائب الرئيس الأمريكي بِتَصريحاته الأخيرة.

فالمظلّة الأمريكيّة المُتَمَثِّلَة بالقواعد العسكريّة والاستِخباريّة، ليس الهَدفُ الأمريكي مِن وجودها حِمايَةَ أمْن هذه الدُّوَل العربيّة شُعُوباً وحكومات، بل وظيفتها الحَصْرية السيطرة على الطاقة مِن نفط وغاز ومعادِن ثمينة ثانياً، وحِماية أمْن الكِيان الصهـ.يوني أوَّلاً. وهذا لَم تُخفِهِ الإداراتُ الأمريكيّة كافّة وأفصَحَت عنه إدارة “ترامب” قَوْلاً وفِعْلاً. كم مَرَّةً خاطَبَ الرئيس الأرجواني قادة الخليج وَجْهاً لِوجه وأمامَ مايكرفونات وكاميرات وسائل الإعلام: ” أريدُ أموالَكُم…وإلّا”.

الموقف الأمريكي الحقيقي

وواقِعُ الحال أنّ أنْقَرَة وإسلام آباد غَيْرُ مَسموحٍ لَهُما أنْ يُشكّلا بديلاً للمِظَلّة الأمريكيّة، فقط قد يسيلُ لُعابُهُما أمامَ ما يأملان الحصول عليه مِن المال الخليجي مُقابِل “تَحالُف عسكري” سيدعم الرّياض سياسيّاً وربّما لوجستياً لكنّه لن يقاتِل نيابةً عنها أو إلى جانِبِها، في الميدان. إنّ الموقف الحقيقي للدوائر الصهيـ.و أمريكيّة في واشنطن إزاء الرياض هو: “لن ندعمكم ولن نسمَح لأتباعنا أن يدعموكم إلّا بالقدْر الذي نسمَح بِه ويُبقيكُم تدورون في فلَكِنا”، خاصّة وأنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة أكبر مُوَرِّدِيّ الأسلحة إلى السعوديّة في العالم ففي السنوات من 2021 إلى 2025 بلغت واردات السعودية من الأسلحة الأمريكية 77 بالمائة من واردات أسلحتها الرئيسيّة من دول العالم، في نوفمبر 2025 أعلنت الرياض وواشنطن رَفْعَ الاستثمار السعودي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية مِن 600 مليار دولار إلى تريليون دولار. وبالتالي فأنْ تستورِدَ الرياض 6,8 بالمائة مِن إجمالي واردات الأسلحة الرئيسية عالميّا خلال السنوات الخمس الماضية سيجعَل الدول التي تُصَنِّع تلك الأسلحة حريصة على إبقاء الرياض في حالة عدم اطمئنان أمْني إن بِتَهويل الخطر الإيراني عليها أو بِنَشر “نتنياهو” نَفْسَه خريطة تؤكِّد أطماعه التوسُّعيّة بأراضٍ سُعوديّة أيضاً وُصُولاً إلى دَفْعِ السعوديّة إلى حَرْبٍ مَجهولة المآل ضدّ اليمَن. لِمَ لا مادامت السعوديّة هي سوق الأسلحة الرئيسة لِمَصانِع الأسلِحة في العالَم؟.

إنّ المال الذي يُمَوّل الحروب الأمريكيّة والإسرائيليّة على إيران واليمن ولبنان كما مَوَّلَ الحرب على وسوريا وليبيا ، إلى أن سُلِّمَت السلطات فيهما إلى فصائل إرهابيّة تكفيريّة، فعَمّتهما فوضى مسلّحة دمّرت مؤسسات الدولَتَين، وحَوّلَتهما إلى مساحات جغرافيّة غيْر قابِلة لِلعيش تصطرع عليها مُكوّنات ما قبْل الدولة مِن عشائر وطوائف عرْقيّة ودينيّة وافتَقَدَ النّاس فيها حتى أبسط الحقوق كالحقّ الحياة والطعام والشراب، أمّا الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في التعبير والصحة والتعليم والكهرباء فتلك يُمكن الحصول عليها في أمصار ‘الكُـ.فّار’/ بلدان اللجوء الغرْبيّة خاصّة.

التعويل على الذات

إنّ السعوديّة بِتريليونات الدولار، بإمكانها أن تَبْني مِظَلّة أمنيّة مِن شُعُوبِ المنطقة، قَبْلَ حكّامِها وشُعوبِها، لو استثمرت هذه الأموال اقتصاديّاً واجتماعيّاً وصحيّاً وتعليميّاً وثقافيّاً، في هذه الشُعُوبِ وفي مقدّمتها الشعب السعودي والشعب اليمني، وفي إطفاء الصراعات الداخلية والبينية في الدوَل العربيّة. وهذا بالتأكيد يَتَطَلَّبُ إعادة نَظَرٍ جذريّة في سياساتها الداخليّة والإقليميّة والدّوليّة.

ولكن حالياً، بإمكانِها التعويل على إمكاناتِها الذاتيّة لِتأمِين أمْنِها الوَطني، ولَوْ مؤقّتاً بإدارة ظَهْرِها للغَرْب والتّوجُّه شَرقاً تأكيداً على أنّ المَشهد السياسي الدولي يتوجّه بِخطى سريعة نحو تَعدد الأقطاب وخاصّة على المستوى العسكري، ففي الصين وروسيا وكوريا الشماليّة مِن الأسلحة الهجوميّة والدّفاعيّة ما يُمكِن للرياض أن تتَبضّعه دون أن تأخذ بكين و بيونغ يانغ وموسكو في الحسبان دائماً أنْ لا يخلّ بِشَرْطِ تفوّق “إسرائيل” عسكريّاً مهما دَفَعَ العربُ مِن أموال، مثلما تفعل واشنطن، كما أنّ بإمكان الرِّياض أن تجد تسويات مع صنعاء وطهران عبْر القاهرة أو بكين، فَتَحقِن الدِّماء وتُجَنِّب المنطقة حرباً قد تُفَكِّك الجغرافيا السياسية الحالية، وفي الوقت نَفْسِه تردّ لـ”جُحُود” الرئيس “ترامْب” الصّاعَ صاعَيْن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى