صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: محاولة الانقلاب على بورقيبة ‘مؤامرة 1962’

slama
كتب: نوفل سلامة

من المسائل التاريخية التي بقيت إلى اليوم تثير الجدل الكبير ومحل سؤال لم ينته في الذاكرة الوطنية للتونسيين، ومن القضايا التي حولها خلاف واسع في مجريات أحداثها أسبابها ومآلاتها، وكانت من المسائل الرئيسية التي قسمت الشعب وافقدته لحمته التي كسبها في زمن الاستعمار الفرنسي…

ومن الملفات التي غُيّبت في كتابة تاريخ الزمن الحاضر و التأريخ لأحداث بداية الاستقلال وبناء الدولة التونسية الحديثة، ما حدث في بداية ستينات القرن الماضي، وتحديدا سنة 1962 من محاولة لقلب نظام الحكم…وما اصطُلح على تسميته بالمؤامرة ضد نظام حكم الرئيس الحبيب بورقيبة قادتها مجموعة تتكوّن من 26 فردا نُسب إليهم التخطيط والإعداد للقيام بمحاولة افتكاك الحكم بالقوة واستعمال الأسلحة الثقيلة تتكوّن من 16 عنصر من المدنيين وتسعة أفراد من العسكريين ينتسبون إلى المؤسسة العسكرية…
وهي المجموعة التي تعلقت بها القضية التي نظرت فيها المحكمة العسكرية
وهزت البلاد في تلك الفترة وخلخلت أركان السلطة، وأقلقت مضجع الرئيس وكانت منعرجا حاسما غيّر أفكاره ومجرى رؤية الدولة للحياة السياسية والمجال الحقوقي، وكانت محل اهتمام واسع على النطاق الوطني والعالمي واعتنت بها الصحافة العالمية والمحلية بكثافة…

عملية مفصلية في تاريخ تونس

غير أن أصحاب مهنة التأريخ في بلادنا كانوا شحيحي الاهتمام بها ولم تلق هذه العملية الخطيرة والمفصلية في تاريخ تونس ما تستحقه من البحث والتدقيق من أجل كتابة أمينة للتاريخ التونسي بطريقة تُقربه إلى حقيقة ما حصل فعلا من دون تزييف أو قلب للحقائق، وبعيدا عما تقوله الرواية الرسمية التي كتبها مناصرو الدولة في محاولة لمصالحة الشعب مع تاريخه وذاكرته.
هذا الهاجس التاريخي وهذا النقص الموجود في الدراسات والأبحاث الجامعية والثغرة الموجودة في سردية تاريخ تونس المعاصر كانت محل اهتمام الكاتب محمد المي الذي أصدر كتابه الأخير ‘محاولة الانقلاب على بورقيبة مؤامرة 1962’، وهو مؤلف من منشورات الدار المغاربية للطباعة والنشر، عدد صفحاته 365 صفحة من الحجم المتوسط يحتوي على تقديم للدكتور عبد الجليل بوقرة ومقدمة لصاحب الكتاب تليها وقائع المحاكمة التي ضمت 25 استنطاق وأربعة مرافعات وكلمة أخيرة للمتهمين ونص الحكم…

تقليب صفحات التاريخ المنسي

ما يُحسب لـ محمد المي أنه خصّص حيّزا من وقته واهتمامه وعاد إلى ملابسات هذه الحادثة وفحص كل ما كُتب حولها في الصحافة التونسية في تلك الفترة وتحديدا جريدة العمل لسان الحزب الحاكم وجريدة الصباح القريبة من التيار اليوسفي، وعاد إلى الأرشيف القديم ليستخرج منه ما يمكن أن يسلط به الضوء على جوانب غير معروفة عن الواقعة من أجل تعميق الفهم والتعرّف على الحقيقة التاريخية من خلال أقوال وإجابات المتهمين أمام المحكمة العسكرية.
ما يمكن أن نستفيد به من هذه العودة إلى تقليب صفحات التاريخ المنسي التي يقترحها علينا محمد المي أن المتورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة التي جدّت سنة 1962 هم مجموعة نُسبت إليها المؤامرة تتكون من 26 فردا تم القبض على 25 منهم ومحاكمتهم أمام المحكمة العسكرية التي ترأسها القاضي “علي الشريف” في حين بقي شخص وحيد في حالة فرار، وأن المتورطين ينقسمون إلى مجموعة مدنية ومجموعة عسكرية وأن المدنيين يتكونون من 16 فرد في مقدمتهم الأزهر الشرايطي من مدينة قفصة مهنته فلاح وعبد العزيز العكرمي من قفصة أستاذ مساعد وساسي بويحيى من مدينة المتلوي صاحب رخصة نقل وأحمد بن التيجاني من تالة فلاح وشغل منصب وكيل جمهورية مساعد وأحمد الرحموني من تالة أستاذ وتميم بن الكامل من سليانة موظف وفلاح والعربي العكرمي من قفصة شيخ تراب ومحمد العربي الصامت من المظيلة فلاح والكفلي الشواشي من مجاز الباب معلم وعز الدين الشريف من قفصة معلم وعلي القفصي من منزل جميل بنزرت فلاح والحبيب حنيني من بنزرت شغل منصب مساعد مندوب في الحزب الحاكم وعبد القادر بن شريط من بنزرت محتسب وعلي بن سالم كشك من بنزرت عون فني ومحمد صالح البراطلي من بنزرت عامل بناء ومحمد الهادي القفصي من منزل بورقيبة وكيل شركة.

أما المجموعة العسكرية فعددها تسعة وهم عمر البنبلي من القلعة الكبرى ملازم أول بالجيش الوطني وحسن مرزوق من قابس ملازم أول في الجيش الوطني ومحمد المثناني من القيروان حافظ أمن وأما البقية فهم كبير المحرزي من المرسى وصالح الحشاني من حمام الأنف ومحمد بركية من صفاقس ومحمد بن قيزة من تونس والمنصف الماطري من تونس وعبد الصادق بن سعيد من قبلي فيشغلون رتبة ‘بوزباشي’ وهي تسمية تركية يقابلها رتبة النقيب في العصر الحالي.

بين الشرايطي والبنبلي

اللافت في استنطاقات المتهمين أن الرأس المدبر والمحرك الأساسي لهذه العملية التي استهدفت قلب نظام الحكم لم يكن على عكس ما رُوج له الأزهر الشرايطي وإنما محمد البنبلي الذي كان موجودا في المشرق وعمل لفترة متطوعا في الجيش المصري وشارك في حرب فلسطين سنة 1948 وطلب منه بعد الاستقلال العودة إلى تونس في إطار عملية لمّ شمل كافة التونسيين الموجودين بالمهجر التي قامت بها الدولة وانضم إلى المجموعة وهو يحمل رتبة ملازم في الجيش الوطني.

غضب المقاومين

كما كشفت الاستنطاقات أن كل المدن التونسية وكل الجهات في تلك الفترة كانت غاضبة من السياسات المتبعة من قبل القيادة الجديدة والخيارات التنموية التي سارت عليها البلاد، وأن الكثير من التونسيين في كافة المدن والقرى لم يكونوا راضين على ترتيبات مرحلة ما بعد الاستقلال وكانت تأمل أن ينالها حظ أوفر من الاستقلال جراء التضحيات التي قدمها أبناؤها غير أن أكثر الجهات معارضة وغضبا من الرئيس بورقيبة وكان لها نفس ثوري انقلابي ورغبة في مواصلة الكفاح والخروج على السلطة التي تركزت بعد إعلان الجمهورية هما مدينتا
‘قفصة وبنزرت’، وربما بهذا تُفهم المعاملة السيئة التي عامل بها بورقيبة هذه الجهات وحالة الاقصاء والتهميش وسياسة العقاب التي مورست عليهما..
المفيد الذي نخرج به من خلال الاطلاع على استنطاقات المتهمين أن دواعي الخروج على السلطة والعزم على القيام بعملية انقلابية كان الجانب الذاتي والجانب الموضوعي حاضرا فيها غير أن الأسباب الشخصية كانت هي الطاغية أكثر على الأسباب الأخرى. فرغم أن الأبحاث قد كشفت أن كل اللقاءات التي دارت في مختلف الجهات والتي خُصصت للتنسيق والإعداد لساعة الصفر والترتيبات التي قامت بها المجموعة التي خططت قد تناولت الوضع العام في البلاد ومشاعر الغضب الشعبي من الخيارات السياسية والاجتماعية التي سارت عليها الدولة وخاصة مسألة معركة بنزرت التي اعتبرت خطأ جسيما ارتكبه بورقيبة حين ضحى بآلاف الشهداء في معركة غير متكافئة القوى وموضوع الاتفاقيات التي أمضاها مع فرنسا، والتي رأى فيها الثوار أنها لم تكن منصفة للشعب، وتُبقي على هيمنة دائمة للمستعمر رغم رحيله ومسألة الاستقلال الداخلي التي شكلت نقطة خلاف كبرى رفضها الكثير من المقاومين ، إلى جانب هذه الأسباب الموضوعية بينت الاستنطاقات أن أغلب المنقلبين لم يكونوا راضين على مكانتهم الاجتماعية ووضعهم المادي وكانوا يعتقدون أن الدولة قد قصرت في حقهم حين لم تمنحهم ما يستحقون من المكاسب والامتيازات مقارنة بمكانتهم زمن الاستعمار فاعتقدوا أن لمقاومة المستعمر ثمن وعطاء وبذلك يكون بورقيبة قد تنكر لهم واهملهم واقصاهم وقرب غيرهم و أعطاهم ما لا يستحقون…

حيث بينت الاستنطاقات أن الكثير من أفراد المجموعة كانوا يرغبون في الحصول على رخص مختلفة وتسهيلات إدارية ووظائف في الدولة وهذا يفيد أن من الدوافع الرئيسية لكل هذا الغضب الذي ولد فكرة التآمر على أمن الدولة الداخلي كانت خيبة الأمل من الحصول على الامتيازات والترضيات من الدولة.

المثير في هذه القضية ما حصل من خلاف وعدم توافق بين المجموعة المدنية والمجموعة العسكرية على تنفيذ الانقلاب حيث كشفت التحريات أن العسكريين أرادوا أن يتولوا هم بأنفسهم عملية الانقلاب وطلبوا عدم مشاركة المدنيين وإبعادهم ليتكفلوا بالمؤسسات المدنية من إذاعة وتلفزة وبريد وكل المؤسسات الحيوية وعدم وجود رؤية واضحة لكيفية إدارة البلاد بعد الإطاحة بالنظام وافتكاك الحكم وبروز خلاف حول مصير منظومة الحكم القائمة حيث ذهب البعض إلى ضرورة اغتيال الرئيس بورقيبة وجميع الوزراء وكتّاب الدولة في حين رأي البعض الآخر أن في هذا التصرف عواقب وخيمة وأنه من الأجدى اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة و تجنب إراقة الدماء.

حدث فاصل بين زمنين

المهم الذي نخرج به من هذه الحادثة ما قاله الدكتور عبد الجليل بوقرة من أن محاولة سنة 1962 الانقلابية المعروفة باسم مؤامرة 62 ” لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت حدثا مفصليا وفارقا في تاريخ تونس المعاصر كانت فاصلا بين زمنين ومنعرجا حادا تغيرت بعده تونس جذريا وتغير بعده بورقيبة عما كان عليه بين سنة 1956 و1962 من اندفاع في مشروعه التحديثي..
إذ بعد أن تعددت المبادرات التحديثية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية على امتداد ست سنوات توقف كل شيء بعد الكشف عن المؤامرة وبات بورقيبة يميل تدريجيا الى سياسة محافظة باستثناء مبادرة يتيمة في السبعينات عندما دعا باحتشام إلى المساواة في الميراث دون تحويل دعوته إلى إجراء تشريعي وعملي..وبذلك انتهت فسحة التعددية الحزبية النسبية الموروثة عن فترة الاحتلال الفرنسي إذ أقر الحزب الحر الدستوري الحاكم أثناء انعقاد مجلسه في 2 مارس 1963 أي بعد ثلاثة أشهر من المؤامرة أن يتعهد الحزب بالنفوذ والسلطة وبضرورة اضطلاع الدستوريين بالمسؤوليات الحيوية ومناطق النفوذ وأعلن بورقيبة في المناسبة ذاتها أن عهد استقلال المنظمات القومية قد انتهى..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى