نوفل سلامة يكتب: العالم يتغيّر رغما عنّا..نحن في مواجهة لحظة الـ ‘لا عودة’


كتب: نوفل سلامة
كل الدراسات التي تناولت التحولات الكبرى تؤكد أن شيئا ما يحدث في عالمنا اليوم في هذه المرحلة من تاريخ البشرية، وفي هذا السياق الذي تعرفه الانسانية جراء التطور المذهل في مجال التكنولوجيا الحديثة ربما قد لا يراه البعض، ولكنه يحدث بكل هدوء ودون ضجيج…
ويكفي أن نلقي نظرة من حولنا لنتأكد أن كل شيء في حياتنا يتغيّر بنسق مؤثر.. فالكثير من الأشخاص يُغيّرون أفكارهم و يتركون معتقداتهم بعد سنوات من الإيمان وحياة اليقين.. وآخرون يختارون الإيمان بعد رحلة من التيه في عالم الإلحاد والشك .. وأفراد آخرون يستقيلون من حياتهم من دون أن يكون لهم خيار آخر أو بديل ويضعون زواجهم ونظام حياتهم ومعتقداتهم واختياراتهم الانتخابية وكل شيء تعوّدوا عليه محل تساؤل، وبدأوا يقرؤون ويبحثون ليصلوا إلى نتائج مختلفة عما كانوا عليه وهذا الذي يحدث ليس موضة ولا مسألة عابرة ولا نزوة أو ترف فكري وإنما هو تيار جديد وكبير يشق حياة البشرية..
منذ عصور والإنسانية تسير وفق طريقة تم رسمها لها حصرت كل همها في البحث عن شغل وعمل تجني من ورائه بعض المال لتؤمن به حياتها ثم التفكير في الزواج وتكوين أسرة وإنجاب أبناء لتغرق بعد ذلك في تفاصيل الحياة اليومية وتنغمس في حالة من الاستهلاك الجنوني المتسارع دون الشعور بأنها مكبلة، ثم وبعد رحلة في هذا الطريق الذي لا ينتهي قد تطول وقد تقصر يغادر الانسان الحياة ويموت..وهكذا يرث الجيل اللاحق نفس هذه الحياة ويعيد نفس هذه الصورة النمطية والسير على وقع نفس الطريق التي رُسمت له..
هذا النموذج من الحياة تم بناؤه بدقة وهندسته بكل براعة، دور العبادة تعتني بالجانب الروحي وتنقية الضمير والدولة تتولى النظام والانضباط ومؤسسات العمل تقوم بمهمة الهيكلة ومنظومة العائلة عُهد إليها الإنجاب ومنظومة الاستهلاك تكفلت بحماية الاقتصاد، وبذلك تضع كل دولة أفرادها في مكانهم الذي رسمته لهم وهذا النظام نجح وواصل في العمل ليس لأنه الأكثر نفعا و عدلا وصلاحا وإنما لأن الإنسان لم يكن بمقدوره الاطلاع على شيء آخر غير الشيء الذي يعرفه أو تبني صورة أخرى للحياة، ولا يملك خيارا آخر او بديلا…
التحول الكبير
غير أن التحول والمنعرج كان مع ظهور الانترنت التي كشفت للإنسان أنه تم التلاعب به وخداعه و وضع في إطار مغلق هامش الحرية فيه مفقود وتم إيهامه بالسعادة الزائفة وخضع لنظام الأدوار فيه مقسمة بإحكام وسمحت له هذه الشبكة العنكبوتية من الاطلاع من خلال صفحاتها على شهادات للملايين من البشر عاشوا بطريقة مختلفة عن حياتنا، ونماذج أخرى للعيش وتعرّف على أقوال الفلاسفة ورجال الدين وهم يتحدثون للناس في هذا الفضاء ويكشفون زيف هذا العالم وخاصة مع ظهور جيل كامل لم يعد يرغب في هذه الحياة التي سار عليها الآباء والأجداد ليس لأنها حياة سيئة ولكن لأنها حياة غير مكتملة في نظره ومنقوصة.
هذا ‘السيستام’ القديم الذي خضعت له البشرية من زمن طويل تم تصميمه للجواب على أسئلة لم يسبق للإنسان الحالي أن طرحها: لماذا نعمل كل هذه الساعات من العمل ولا نحقق معنا مكتملا للحياة؟
ولماذا نعتقد في شيء طُلب منا أن نعتقد فيه من غير التثبت من صحته؟ و لماذا هناك فقر في الوقت أن الثروة الموجودة تكفي للجميع ويمكن أن نقتسمها بالعدل؟ لماذا نشعر أن شيئا ما ينقصنا في حياتنا في الوقت الذي نملك كل ما يجعلنا نحصل عليه؟ ولماذا يتم التلاعب بنا وحصرنا في خيارات لم نخترها ولا كانت نابعة من إرادتنا؟
أسئلة حارقة
هذه أسئلة وغيرها المنظومة القديمة التي هُندست لتحكم حياتنا وفرضت علينا السير وفق قواعدها لا تجيب عليها ولا تملك لها أجوبة لأنها لم تصمم للإجابة على مثل هذه الأسئلة، وإنما هي صُنعت وصُممت لتمنعنا من السؤال، ولتجعلنا نلهث وراء ما صممته…
واليوم في بقاع كثيرة من العالم هناك ثقافات وشعوب مختلفة وبلدان أخرى تفكر بطريقة مختلفة.. نحن اليوم في أوج التطور الإنساني ونعيش ثورة ليست بالمدمرة وإنما هي تغيير صامت يحدث في داخلنا وذواتنا غير أنه يسجل حضوره بيننا بقوة ويسير بخطى ثابتة قد يقلب كل شيء في هذا العالم.
المهم فيما يحدث في هذا السياق التاريخي من عمر البشرية أن كل المؤسسات التي تتحكم في عالمنا المعاصر فقدت كل وجودها وتأثيرها بعد أن توقف الإنسان عن الاعتقاد فيها وفي دورها، وإذا صادف وأن اتفق كل البشر عن التوقف عن الاعتقاد في شيء ما فإن العالم يتغيّر وهذا ما يحصل لنا في هذه اللحظة من التاريخ.
لحظة الـ ‘لا عودة’
في أحد تصريحاته الأخيرة أعلن إيلون ماسك أحد المؤثرين الكبار في توجهات العالم المستقبلية والمتحكمين في مجال التقنيات الحديثة، أنه بعد أربع سنوات من الآن فإن الذكاء الاصطناعي لن يبقى مجرد أداة أو وسيلة في الحياة يستعين بها الإنسان للحصول على ما يرغب فيه، وإنما سوف يتحول إلى حالة وعي وإننا اليوم نقترب من نقطة الـ ‘لا عودة’ حالة التفرد هي السمة البارزة.
مع حلول هذا التاريخ فإن الآلة سوف يكون بمقدورها أن تتحكم في كل شيء وتعوض فعل الإنسان بكل اقتدار في صورة يصعُب معها تمييزها عن الإنسان والأخطر من هذا أن الذكاء الاصطناعي استطاع أن يصل إلى مرحلة أصبحت فيها الآلة قادرة أن تتعلم بمفردها، ومن دون تدخل من الإنسان الذي صنعها وهي مرحلة أطلق عليها إسم ‘انفجار الذكاء’ الذي تكون فيه الآلة قد استوعبت ملايين من المعارف والمعلومات الإنسانية بمفردها ودون أي إعانة..
الآلة لا تنام ولا تتوقف عن العمل مطلقا ولا ترتكب أخطاء وبإمكانها الولوج إلى مليارات المعلومات والقيام بكل الأعمال وبطرقة أفضل من الإنسان…




