علمتني الصحافة..

كتب صالح الحاجّة
كان من أكبر الصحفيين الذين يكتبون باللغة الفرنسية..
وكان من امهر من يترجمون من الفرنسية الى العربية ..
وكان يحسن تدبيج التقارير الاخبارية باللغتين..
وكان ‘يفهم’ في الصحافة كمهنة وتوجهات ‘مليح’..
عرفته منذ ان كان يدرس في الثانوي ..ولكننا لم نكن أصدقاء ..
كنا نلتقي أحيانا ..فنتبادل التحايا..وندردش قليلا ..والسلام ..
واشهد انه عندما بدات العمل في جريدة الصباح قدم شهادة إيجابية في شأني وقال لمن كانوا يقودون الجريدة: هذا الشاب فرصة ثمينة لكم ..وما تندموش اذا شجعتوه ..راهو قلم ..
وكان يفعل ذلك دون علمي …ولم اعرف ذلك الا بعد وقت طويل ..
ثم ترك الصحافة غير مأسوف عليها عندما دخل دنيا السياسة …واستقطبوه في عدة مناصب ..
والسياسة اما ..واما ..
إما ان تكون صيد ..
واما تاكلك الذيوبة ..
وهو للأسف الشديد اكله توأم روحه ..
كيف ذلك؟
كان له صديق بمثابة الاخ لا يفترقان ..ولا ينفصلان ..وبينهما ‘ماء وملح’..
وإذا بالإخوة تكشف عن وجهها الحقيقي ..
لم تكن اخوة …بل كانت علاقة نفاق ..وخيانة ..وغدر …
لقد باعه صديقه وعرضه في المزاد العلني وحوّله الى سلم صعد عليه ..
ذات يوم وهما في جلسة خمرية مع عدد من الاصدقاء نطق الصحفي العريق بعبارة نابية في شخص مسؤول كبير ..فما كان من الأخ ان ‘هزها باردة وسخونة’ لصاحب الشأن ..
وبسرعة البرق وجد الصحفي العريق نفسه في الشارع ..
باختصار شديد تحول الى مشرد شبه ‘مهبول’..
لقد دمرته مجرد ‘قوادة’ …
وبمرور الأيام انتقل من حالة التشرد الى حالة الهذيان ..
كان صرحا فهوى ..ومن فعل فيه ذلك؟
فعله فيه ‘صاحبو وخوه’..
ولذلك قيل منذ القدم احذر عدوك مرة واحذر صديقك الف مرة..
الصديق هو من يعرف نقاط ضعفك فيضربك في الموضع القاتل..
وشاءت الصدفة ان التقي ذات مساء بالصحفي العريق ..
وجدته في شارع محمد الخامس بالعاصمة يجلس تحت النخلة ومعه رفيقته ‘دبوزة شراب احمر’ وكعبات زيتونة …وباكو 20 مارس …
اقتربت منه وسلمت عليه ..
بالكاد تذكرني ..
قال لي : اقعد ..تي اقعد برك ما تتقلقش من التراب ماشينلو ..ما شينلو ..اما خسارة ماعنديش كاس ..خوذ كان تحب وامشي كريرو ..
خذيت بخاطرو وقعدت قعدة لم انسها في حياتي وكررت فيها عبارة ‘يلعن بو الدنيا ..و مهبول اللي يعمللها قدر ويعطي فيها الثقة’ ..
وتركته يحكي حينا ..ويهذي أحيانا ..وكنت أصغي إليه بانتباه ومودة ..
انا كنت احترم الرجل …
احترمته قبل مأساته وبعد مأساته ..
قال لي: عندي ليك رجاء …ثم بكى ..
وعندما يبكي الرجال تتزلزل الجبال..
وبيديه جفف دموعه وقال لي :
بربي انقل عني رسالة ..قل فيها لمن يهمهم امري: ارحموا عزيز قوم ذل ..
وقبل ان تنزل دموعي تركته مع حزنه وغادرته صحبة حزني..




