صالون الصريح

محمود حرشاني يكتب: هذا الرجل..أدخلني إلى الإذاعة

Mahmoud Horchani
كتب: محمود حرشاني *

غيّب الموت أحد رجالات صفاقس البررة وأحد رجالات الإعلام والثقافة وثاني مدير لاذاعة صفاقس توفيق حشيشة..فتقبله الله بواسع رحمته…

تعرّفت عليه لأول مرة في شهر جويلية سنة 1973 لما تمت دعوتي من قبل ادارة اذاعة صفاقس لبدء تسجيل أولى حلقات برنامجي الاذاعي الذي قبلته الاذاعة ليكون ضمن برمجتها الجديدة..

أول لقاء

لم أكن أعرف الرجل من قبل ولا اعرف حتى مقر الاذاعة ومن يعمل فيها.. فقد كانت علاقتي باذاعة صفاقس هي علاقة مستمع مغروم بالاذاعة ومراسل للعديد من البرامج التي تُقدمها مثل برنامج ‘كنش المذيع’ للمرحوم محمد الهنتاتي و’نادي الاصدقاء’ و ‘من النافذة’ للمرحوم محمود بنجماعة وبرنامج الاطفال يوم الاحد.. وكنت اتصور الاذاعة عالما آخر أرسم له عديد الصور في خيالي.

وكنت في بيتنا في قريتنا البعيدة أُقلد بعض الأسماء واتخيّل نفسي مذيعا او مقدم برامج، وعندما ذُكر اسمي لأول مرة في الاذاعة في احد البرامج تخيلت نفسي اصبحت نجما معروفا واسمي يُذكر في الاذاعة..

لا وسيلة اتصال!

أعددت مشروع برنامج وارسلت الى الاذاعة ونسيت الموضوع ولم يكن في قريتنا لا هاتف ولا أي وسيلة اتصال…وحتى الرسائل كانت تأتينا مرة في الاسبوع بالبريد المتجول ..وكنت إذا رغبت في توجيه رسالة الى إذاعة من الإذاعات اسلمها لصاحب عربة من اللوح يجرّها بغل وهي وسيلة النقل الوحيدة في قريتنا ليضع عليها طابعا بريديا ويودعها مركز البريد في البلدة..
وعندما قبلت الإذاعة مشروع برنامجي لم يجدوا طريقة للاتصال بي الا مركز الحرس الوطني فهو الادارة الوحيدة التي كان عندها هاتف..

1
. صورة الكاتب محمود حرشاني في بداياته الإذاعية
بُلغت بالخبر السعيد ففرحت وفرحت العائلة فقد دخلت عالم الاذاعة من الباب الكبير وأنا مازلت تلميذا.
ومن الغد قطعت المسافة بين قريتنا وبلدة سيدي علي بن عون على الأقدام .. ولم أشعر بالتعب صدقوني لانتظر الحافلة القادمة من قفصة باتجاه صفاقس..
وكانت تلك من أجمل السفرات في حياتي.. وصلت الى صفاقس وركبت سيارة تاكسي باتجاه المقر القديم للاذاعة..
قدمت نفسي فأخذني أحد العاملين الى سي محمد الهنتاتي مدير البرمجة.. نظر إليّ مُستغربا وقال لي
-هو انت محمود الحرشاني؟
– قلت له نعم وأنا صاحب البرنامج.
رحب بي ثم دعا المرحوم محمود بنجماعة وقدّمني إليه وقال لي
– سي محمود سيساعدك. ولكن قبل ذلك تعال معي واخذني الى مكتب المدير
قال لي سي محمد الهنتاتي
*سي توفيق يريد ان يراك
دخلت مكتبه متهيبا.
وقف سي توفيق حشيشة بقامته الفارهة وكانت تملأ وجهه ابتسامة خفيفة مرحبا بي..ثم طلب مني الجلوس…
ورفع عني ما كنت اشعر به من خجل..وقال لي وهو يودعني..لا اشك في ان برنامجك سيكون ناجحا فقد لمست حرصك وحماسك..
ولم يكن سي توفيق يدري انه بتلك المقابلة وبتلك البشاشة ورّطني في حب لم اشفى منه الى حد اليوم..

* كاتب وصحفي أول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى