صالون الصريح

توزر لن تنساه: الشاذلي الساكر..رجل أفنى جانبا من حياته في نشر المعرفة وإيقاظ الأسئلة في عقول الشباب..

كتب: الزعيبي حمادي

رحم الله الأستاذ والمفكر الشاذلي الساكر ابن توزر، مدينة العلم والشعر، ذلك الرجل الذي لم تكن معرفته مجرد محاضرات تُلقى وتنتهي بانتهاء الجلسة بل كانت أسئلة تُزرع في العقول وتظل تنمو في الذاكرة حتى بعد مرور السنين.

التقيته صدفة ولكنني اليوم أشعر أن بعض الصدف ليست عابرة كما نظن، وأن الأمكنة أحيانا تعرف أكثر منا كيف ترتّب لقاءاتنا مع الماضي.
كانت الصدفة قد حملتني إلى معهد أبي القاسم الشابي بتوزر وهناك تحت جدار المعهد رأيته جالسا.
توقفت أمام المشهد طويلا…
أستاذ الفكر جالس تحت جدار معهد يحمل اسم أبي القاسم الشابي، شاعر تونس الخالد.

أي رمزية يمكن أن تكون أبلغ من هذه؟

كأن المكان نفسه أراد أن يستعيد ذاكرته وأن يجمع في لحظة واحدة الشعر والفكر، المدرسة والجامعة، التلميذ والأستاذ، الماضي والحاضر.
تحت جدار يحمل اسم الشابي جلست الذاكرة إلى جوار رجل أفنى جانبا من حياته في نشر المعرفة وإيقاظ الأسئلة في عقول الشباب.
لم يكن المكان مجرد جدار ولم يكن جلوسه تحته مجرد مصادفة عابرة، فقد شعرت للحظة أنني أمام مشهد تختصر فيه توزر شيئا من روحها، مدينة أنجبت الشعراء و الأدباء والمفكرين و العلماء وظلت شوارعها تحفظ خطى الذين مرّوا بها وتركوا في أبنائها أثرا.
هو لم يكن يعرفني وربما لم يعد يتذكرني لكنني كنت أعرفه جيدا ولم أنسه قط.

محاضرات في دار الثقافة

كان في سنواتنا الجميلة يلقي محاضراته في دار الثقافة وفي المكتبة العمومية، وكانت هذه الفضاءات تستقبلنا أفواجا من التلاميذ والشباب، نتعطش إلى علمه الغزير ونصغي إليه بشغف لا ندرك قيمته إلا الآن، بعد أن ابتعدت بنا السنوات عن تلك المقاعد.
حدثنا عن الكرونوسيكولوجيا، وعن الشخصية، ولغة الجسد وفلسفته، وعن السلطة والمجتمع، وعن قضايا الإنسان التي كانت تبدو لنا يومها أكبر من أعمارنا، لكنها كانت توسّع مداركنا وتدفعنا إلى التفكير والسؤال.
كان يمنحنا شيئا لا تمنحه الكتب وحدها، لقد كان يمنحنا متعة التفكير.

حدّثته عن الذكريات

وحين اقتربت منه ذلك اليوم، لم أكن مراسلا ولم أحمل ميكروفونا، ولم أبحث عن تصريح أو حديث صحفي.
كنت فقط تلميذا قديما عاد إلى أستاذه.
اقتربت منه، سلمت عليه، ثم قبّلت رأسه.
وبدأت أحدثه عن ذلك الزمن، عن المحاضرات، وعن دار الثقافة، وعن المكتبة العمومية، وعن أولئك التلاميذ الذين كانوا يحيطون به عطشى للمعرفة.
وما إن استرجعنا شيئا من تلك الذاكرة حتى رأيت الفرح يشرق في محيّاه.
كانت ابتسامته في تلك اللحظة بالنسبة إليّ أجمل من أي حديث طويل. شعرت أنني لم أذكّره فقط بماض بعيد وإنما أعدت إليه ولو للحظات جزءا من شبابه ومن رسالته ومن أولئك الذين مروا من أمامه ثم حملوا شيئا منه معهم إلى الحياة.
وقبل أن أودعه، طلب مني أن أنتظره.
نهض واتجه إلى منزله القريب ثم عاد يحمل كتابين من مؤلفاته.
ناولني إياهما فشعرت أنني لا أتلقى كتابين فحسب وإنما أتلقى ذاكرة كاملة.
طلبت منه أن يكتب لي إهداء بخط يده وأن يضع توقيعه.
وفي تلك اللحظة شعرت أن الزمن قد عاد بنا إلى الوراء…
ذلك التلميذ الذي كان يجلس ذات يوم بين جحافل التلاميذ يستمع إلى الأستاذ يقف اليوم أمامه بعد عقود، طالبا منه أن يوقّع له كتابا.

تلميذ عاد لأستاذه….

يا لها من دورة جميلة للزمن!
ويا لها من مصادفة اختارت مكانها بعناية!
معهد أبي القاسم الشابي شاعر توزر، وجدار يحمل اسمه وأستاذ الفكر الشاذلي الساكر، وتلميذ قديم جاءته الصدفة من مكان لا يدري إلى هذا المكان بالذات.
كأن توزر في تلك اللحظة كانت تقول لي إن الذاكرة لا تسكن الكتب وحدها ولا الصور وحدها بل تسكن الأمكنة والجدران والطرقات والوجوه.
وربما لهذا السبب بقي المشهد عالقا في داخلي:أستاذ ومفكر يجلس تحت جدار معهد أبي القاسم الشابي وتلميذ قديم يقف أمامه ويقبّل رأسه.
لا مراسلا كنت، ولا صحفيا، ولا طالبا لخبر… كنت فقط تلميذا عاد إلى أستاذه بعد أن عبرت به الحياة سنوات طويلة ليقول له دون حاجة إلى كثير من الكلام أنا يا سيدي لم أنسك… وما تركته فينا من أثر لم يستطع الزمن أن يمحوه.
رحم الله الأستاذ الشاذلي الساكر ورحم الله أيامنا الجميلة، ورحم تلك الأمكنة التي كانت تصنع فينا شيئا لا نعرف قيمته إلا عندما نصبح بعيدين عنها.
وربما كانت أجمل هدايا الصدفة أن تعيدنا ولو للحظات إلى نسخة قديمة من أنفسنا… نسخة التلميذ الذي كان يفتح عينيه على العالم ولا يعرف بعد كم سيشتاق يوما إلى ذلك العالم..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى