الصريح في ميناء جرجيس..حين تنطق التفاصيل بحقيقة المرفق العمومي..

ليس كل تحقيق صحفي يبدأ بشكوى، ولا كل جولة ميدانية تنتهي بإدانة.أحياناً يكون من واجب الصحفي أن ينقل أيضا ما يراه جيدا، وأن يقول كلمة حق حين يجدها،تماما كما يرفع صوته حين يعاين خللا أو تقصيرا..
ومن هذا المنطلق، قادتني مهمتي الصحفية إلى ميناء جرجيس التجاري،حيث حاولت أن أقترب من تفاصيل العمل داخل هذا المرفق الحيوي، وأن أعاين عن قرب مدى انتظام الإجراءات،وطريقة التعامل مع المسافرين،وسلاسة المسار الديواني والأمني، بعيدا عن الأحكام المسبقة والانطباعات الجاهزة.
نظام وتنظيم
منذ الوهلة الأولى،لفت انتباهي مستوى من النظام والتنظيم داخل الميناء، وانسيابية الإجراءات التي تمر عبرها عملية العبور بما يقلص قدر الإمكان من حالة الارتباك والانتظار التي قد ترافق مثل هذه المرافق،خاصة خلال فترات الذروة وعودة التونسيين المقيمين بالخارج.
شكرا لرجال الأمن والديوانة
ولعل أكثر ما يستحق التنويه هو ما لمسته شخصيا من احترام وحسن تعامل من أعوان الشرطة والديوانة، فقد كان التعامل مهنيا ومحترما، دون تعقيد أو تعطيل، وهو أمر لا ينبغي أن يمر مرور الكرام،لأن صورة المرفق العمومي لا تصنعها البنايات والتجهيزات وحدها،وإنما يصنعها قبل كل شيء الإنسان الذي يقف في الصف الأمامي لاستقبال المواطن والتعامل معه.
وفي مثل هذه المواقع، تكون التفاصيل الصغيرة أحيانا أكثر تعبيرا من البيانات الرسمية.
نبرة الحديث، طريقة توجيه المسافر،احترام المواطن،وضوح الإجراءات،وسرعة التدخل عند الحاجة…كلها عناصر تصنع الفارق بين مرفق يشعر فيه المواطن بأنه محل احترام،ومرفق يتحول فيه العبور إلى تجربة مرهقة.
وما عاينته خلال هذه الجولة يجعلني أقول بوضوح: هناك جهود تُبذل، وهناك أعوان يؤدون مهامهم في ظروف ليست دائما سهلة،ويستحقون أن يُذكروا بالخير حين يحسنون أداء واجبهم.
لكن الإنصاف الصحفي يقتضي أيضا ألا يتحول التنويه إلى تبرير، وألا يتحول النقد إلى تجريح.
فالصحافة ليست محكمة للإدانة،وليست مكتب علاقات عامة.إنها عين تراقب،وتسأل، وتنقل ما تراه كما هو،وتضع الإيجابي في مكانه،كما تضع النقائص-إن وُجدت-تحت الضوء.
مواصلة تحسين الخدمات
ومن هنا،فإن تطوير العمل داخل ميناء جرجيس التجاري لا ينبغي أن يتوقف عند حدود ما تحقق، بل يتطلب مواصلة تحسين الخدمات، وتبسيط الإجراءات،وتوفير مزيد من الإرشاد للمسافرين، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين،بما يجعل الميناء أكثر قدرة على استقبال المواطنين، وخاصة أبناء تونس بالخارج، في ظروف تليق بصورة البلاد.
فالانطباع الأول الذي يحمله القادم إلى تونس قد يتشكل أحيانا من دقائق قليلة يقضيها في الميناء، ومن كلمة يسمعها ومن طريقة يُعامل بها.
وفي نهاية هذه المعاينة الصحفية،أقولها من موقع الصحفي الذي جاء ليرى ويسأل لا ليمدح أو يذم: حين نجد ما يستحق الإشادة، فإن المهنية تفرض علينا أن نقوله.وحين نجد ما يحتاج إلى إصلاح، فإن الأمانة نفسها تفرض علينا أن نضعه تحت الضوء.
طالع أيضا: الصريح أونلاين بميناء جرجيس..حين تعود البواخر محمّلة بالحنين وتفتح أبواب الوطن
وميناء جرجيس التجاري، بما يمثله من بوابة اقتصادية وحضارية للجنوب التونسي، يستحق أن يكون في مستوى انتظارات المواطن وأن تظل أبوابه مفتوحة على التنظيم،وحسن المعاملة والنجاعة والأهم..على احترام الإنسان.
وفي النهاية، يبقى المرفق العمومي مرآةً لمن يعملون فيه، وحين يقترن النظام بحسن المعاملة، والإجراء بالاحترام تصبح أبسط لحظة عبور رسالة جميلة عن تونس.
وما عاينته في ميناء جرجيس يستحق التنويه لأن الصحافة النزيهة لا تبحث عن العثرات فقط، بل تنصف أيضا من يُحسن أداء واجبه.
متابعة: محمد المحسن




