نوفل سلامة يكتب: هل يتحقق إصلاح المنظومة التربوية بما يضمن تعليما متطورا بخيارات وطنية


كتب: نوفل سلامة
بعد إقراره في دستور 2022 وسنتين من إحداثه في شهر سبتمبر 2024، وبعد تنظيم إطاره القانوني وتنظيمه الإداري والمالي بموجب أوامر سابقة واستكمال تركيبته بموجب الأمر عدد 203 المؤرخ في 12 أوت 2026…
عقد منذ أيام قليلة المجلس الأعلى للتربية والتعليم أولى جلساته لينطلق فعليا في أعماله وضبط برنامجه وفق الرهانات والأهداف التي أوكلت إليه، وهي مهمة ومسؤولية جسيمة وضعت على كاهل النخبة التي تم اختيارها للقيام بهذا الإصلاح التاريخي تحتاج رؤية استراتيجية واضحة لتحويل كل الانتظارات الوطنية إلى برنامج عمل واقعي وناجع بخيارات جديدة مختلفة عن الخيارات التي قيّدت مشاريع إصلاح التعليم السابقة.
تطوير المدرسة التونسية
فهل بدأنا هذه المرة في إصلاح حقيقي للتعليم قادر على تطوير المدرسة التونسية بما يجعلها تستجيب لروح العصر وطموحات الشعب وصناعة جيل واع ومسؤول مشبع بالوطنية، وقادر على المراهنة عليه لبناء مستقبل جديد للبلاد بعد سنوات وعقود من تطبيق منظومة تربوية جنت الويلات على أجيال كثيرة من أبنائنا، وانتجت واقعا مدرسيا وبيئة تعليمية متهالكة وتعليما فاشلا أخرج طلبة في غالبيتهم يجهلون القراءة والكتابة فضلا عن أعداد كبيرة من المنقطعين عن الدراسة في سن مبكرة…
ليتحولوا مع الوقت إلى كتل بشرية منفلتة أغلب أفرادها في سن المراهقة الدولة لا تعلم عنهم شيئا ليتحولوا شيئا فشيئا إلى مشاريع انحراف، وفي أفضل الأحوال أفكار هجرة غير نظامية قبل أن يلتهم جزء منهم واقع الجريمة المنظمة وحياة الشارع وعالم السرقة والمخدرات و يجر البعض الآخر إلى التفكير في التخلص من حياة التهميش، بالإقدام على الانتحار للتخلص من واقع العجز والهروب من حياة الضياع وألم انتظار تغيير وضع لن يتحسن من دون مساندة من الدولة.
إذا تجاوزنا الحديث عن الهياكل المكونة للمجلس الأعلى للتربية والتعليم بعد أن استكملت تركيبته ومسألة النخبة التقنية والسياسية التي عُهد إليها مهمة الإصلاح و الدور المركزي الذي كلف به وهو إعداد الدراسات والتحاليل المتعلقة بالسياسات والبرامج والخطط العمومية واقتراح الإصلاحات وإبداء الرأي في الخيارات الوطنية الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، وهو حديث مستفيض قد نعود إليه في مناسبة أخرى وركزنا النظر في المسألة الجوهرية، وهي إعداد استراتيجية وطنية للتعليم وإنجاز رؤية استراتيجية لمدرسة الغد ووضع برنامج إصلاح واقعي وناجع يقطع مع البرامج السابقة ومشاريع التعليم التي طبقت وفشلت بشهادة الجميع وخاصة شهادة أهل الميدان وأصحاب الخبرة والاختصاص…
فإن أهم تحد يعترض المجموعة المكلفة بالمهمة هو القدرة على التخلص من الوصايا الخارجية وفك الارتباط مع مراكز الهيمنة الخارجية والمتحكمة في توجيه الشعوب والتحكم في الدول من خلال البرامج التربوية ومشاريع إصلاح المدرسة، ذلك أن كل إصلاحات التعليم التي راهنت عليها الدولة منذ الاستقلال كانت تحت الوصاية الأجنبية ومتابعة لصيقة من قوى الاستعمار القديم و الجديد…
ولم تقدر البلاد رغم كل المحاولات من الخروج عن هذا المسار والتعويل على الذات في وضع برنامج وطني بعقول تونسية ورؤية وطنية تستجيب لخصوصية الشعب…
سؤال حارق
وهنا يطرح السؤال هل سيعوّل المجلس الأعلى للتربية على رؤية وطنية نابعة من أفكار وفهم وتحليل وحلول لواقع المدرسة التونسية من خلال أبناء الوطن وتجربتهم و خبراتهم أم أنه سيواصل كسابقيه الاعتماد على المقاربات الأجنبية والخيارات المستوردة والرؤى غير الوطنية التي اتضح فشلها وعدم قدرتها على تطوير التعليم نحو الأفضل…
خاصة وأن التجربة قد أكدت أن المقاربات الأجنبية المستنسخة لا تصلح لبيئتنا ولا تفيد واقعنا ولا تتماشى مع التلميذ التونسي ولا تصلح له، وهي مقاربات صممت خصيصا لمدرسة المجتمعات الأخرى التي وضح اليوم فشلها في أوطانها…
حتى لا يتسلل الاستعمار الجديد
وهذا يعني أنه إذا واصلت النخبة التي عُهد إليها مهمة إصلاح التعليم الاعتماد على الآخر و استنساخ المقاربات الأجنبية وجلب مشاريع تعليم من الخارج فإننا سوف نواصل في إنتاج نفس الفشل ونواصل في ضياع أجيال أخرى من التلاميذ لذلك فإنه من المهم أن يكون الإصلاح الحالي بعقول تونسية بحتة وأفكار من داخل الوطن وبخيارات محلية صرفة..
وهذا التمشي هو إلى جانب كونه حماية للذات و يستجيب إلى خصوصية المدرسة التونسية ويعكس ما نريد من التعليم فإنه يقطع الطريق أمام الأجنبي لمواصلة تدخله في شؤوننا وقضايانا وبسط نفوذه ووصاياه علينا ذلك أن مجال التعليم هو من أخطر المجالات التي يتسلل منها الاستعمار الجديد ومراكز النفوذ والهيمنة.
خطر الارتهان للقوى الأجنبية
وموضوع استقلال الخيارات والتعويل على الذات في صياغة مشروع لإصلاح التعليم يحتاج إلى تمويل وطني و يقوم على عدم التعويل على الخارج في رصد ميزانية لهذا المشروع فكما هو معلوم فإن كل الإصلاحات السابقة التي طبقتها تونس كانت بتمويل خارجي وبدعم مالي من هياكل مالية لها نفوذها على المستوى الدولي، وهي لا تمنح الاعتمادات المالية من دون مقابل ولا إملاءات ولا شروط وخطورة الاعتماد على التمويل الخارجي في اصلاح التعليم يكمن بالإضافة إلى تكبيل الإصلاح وجعله نسخة من البرامج الأجنبية، فإنه يجعل الدولة مرتهنة لفائدة قوى الهيمنة من وراء القروض أو الهبات أو الإعانات المالية ويكبل الإرادة الوطنية ويجعل المدرسة التونسية تفكر بعقول الآخرين وتطبق خيارات الأجنبي…
لذلك فإن من أوكد القرارات التي على مجلس الأعلى للتربية اتخاذها هو رصد ميزانية وطنية من دون تعويل على أموال صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو أي هيئة مالية أجنبية والتعويل على عقول أبناء الوطن وأفكارهم.
فرصة تاريخية
ما أردنا قوله هو أننا اليوم أمام فرصة تاريخية للقيام بإصلاح شامل وعميق للتعليم يلامس الزمن المدرسي والبنية التحتية للمؤسسات التربوية ويتطرق لتكوين المدرس وجودة البرامج والمناهج التعليمية ويحدد الأهداف من كامل العملية التربوية، برؤية وطنية تستجيب لرهانات وطنية تحافظ على الخصوصية والهوية المحلية ويُغيّر من واقع المدرسة في علاقة بترسيخ الانتماء الحقيقي لا الاستعراضي للوطن ويحقق استقلال القرار الوطني والقطع مع تاريخ طويل من الهيمنة والتدخل في مسار التعليم.




