عيسى البكوش يكتب: مئوية الدكتور حسونة بن عياد (1926-2010)


كتب: عيسى البكوش
هو لعمري ممّن يصحّ فيهم قول المتنبي :
“علامة العلماء واللج الذي
لا ينتهي ولكل لجّ ســـــاحل
لو طاب مولد كلّ حيّ مثـله
ولد النساء وما لهنّ قوابــــل
البدايات
ولد الدكتور حسونة بن عياد منذ مائة عام في قرية صدغيان بجزيرة جربة في الحادي والعشرين من شهر جويلية.
زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة المحبوبين ثم الاعدادي بحومة السوق والثانوي بمدرسة ترشيح المعلمين بتونس حيث كان يتّجه إلى ممارسة رسالة التعليم، ولكن تعلقت همته بمواصلة التعلم فالتحق بمعهد كارنو حيث تحصّل على شهادة الباكالوريا ثم قضّى سنة في معهد الدراسات العليا في تونس تحضيرية للطب…
تخرّج طبيبا
تمكن إثرها من السفر إلى فرنسا للالتحاق بكلية الطب بباريس عام 1947 حيث تخرج بإحرازه على شهادة الدكتوراه فأصبح طبيبا خارجيا ثم سنة 1957 طبيبا داخليا بمستشفى Necker حيث ساهم في العملية الأولى في فرنسا لزرع الكبد.
عاد إلى وطنه متجاهلا أو قل مُتعفّفا لكل الامتيازات التي كان يحظى بها في بلد التكوين مفضّلا بلد العرين.
عاد إلى موطن أجداده ليجدّد صحبة زمرة من أترابه من حفدة ابن الجزار أمجاد المدرسة القيروانية في علوم الأحياء والطب والصيدلة وليوفر بالموازاة لمواطنيه مرافق الصحة وهي من نِعَم الخالق التي قيّض في سبيلها علماء يخشونهم بقول الحق: ‘إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ’ سورة فاطر.
والعلماء كما جاء في الحديث هم ورثة الأنبياء ولذلك هم يحظون في حياتهم بالإكبار والتقدير.
سمّي رئيس قسم الطب الداخلي بمستشفى شارل نيكول واصبح هذا القسم الموسوم بـ M8 أشهر من نار على علم.
أسّس مخبريْن
لقد أسّس إلى جانب ذلك مخبريْن أصبح لهما شأن في الداخل وفي الخارج في مجال الطب الباطني ترأس الأوّل عضده الأستاذ الهادي بن معيز والثاني الأستاذ فتحي بن خليفة.
وشارك الدكتور حسونة سنة 1986 بمعية زميليه سعد الدين الزمرلي وخالد عياد في إنجاح أوّل عملية لزرع الكبد في تونس.
هو من مؤسسي كلية الطب بتونس حيث درّس فيها بصفته أستاذا مبرّزا منذ سنة 1966 ولقد ارتقى إلى عمادتها لمدة عقد بين سنتي 1976 و1985.
ولقد تخرجت على يديه أجيال من الأطباء التونسيين وغير التونسيين الذين زاولوا تعليمهم بهاته الكلية التي اختار هو مقر بنايتها الجديدة بهضبة الرابطة.
أسّس جمعيات
أسّس وترأس العديد من الجمعيات العلمية في تونس وفي العالم وبخاصة الجمعية التونسية للعلوم الطبية ونشر كمّا هائلا من الفصول في المجلات المختصة الفرنكفونية.
وهو يعدّ من أساطين الطب في العالم المتحدث باللغة الفرنسية ولقد وقع انتخابه يوم 03 مارس 1988 عضوا بالأكاديمية الفرنسية للطب كما أنه انتخب من قبل وزارة الصحة الفرنسية كأحد خبرائها.
بادر سنة 1972 بتوأمة مستشفى شارل نيكول مع مستشفى روان الفرنسي وهذه المدينة التي رأى فيها نيكول النور عام 1866.
خدم الإنسان
حسونة بن عياد ظلّ متعلقا طوال حياته بخدمة الانسان أينما وجد في قريته وفي وطنه وفي عالمه. كان حريصا شديد الحرص على التواصل مع بني جلدته في مسقط رأسه في الجزيرة التي آوته وترعرع فيها حتى بواكير شبابه فغادرها لينهل من مكارم العلم والمعرفة في تونس المحروسة ثم على ضفاف السين في باريس.
لقد أسّس صحبة البعض من رفاقه جمعية تُعنى بالتطور الصحي والاجتماعي بجربة وظلّ يرعاها إلى آخر عمره.
لقد نال كمّا هائلا من الجوائز والأوسمة وحصد كثيرا من علامات الاعتبار في تونس وفي الخارج وعلى الرغم من ذلك ظلّ دوما الرجل القريب الصديق الرفيق.
وإني لن أنسى ذلك الموقف الموقر عندما دعوناه لحضور حفل خيري نظمته جمعية الأمل الرياضي بجربة فلبّى الدعوة دون تحفظ ولما أقبل وقف الحضور مدة من الزمن تقديرا لهذا العلَم الذي آل على نفسه مدّ العون للآخرين وإسعادهم.
أحبّ حسونة بن عياد الناس فبادلوه حبا ومن أحبّ الناس أحبّه الله وأدخله جنانه.
لبّى رحمه الله نداء ربّه يوم 22 فيفري 2010.




