نوفل سلامة يكتب: هل تعكس الدراما التونسية واقعنا أم تعيد تشكيله؟


كتب: نوفل سلامة
بالاشتراك مع دار الثقافة السليمانية نظمت جمعية ‘تونس الفتاة’ ندوة فكرية مساء يوم السبت 28 مارس 2026 طرحت فيها سؤالا قديما جديدا، ويُعاد طرحه باستمرار مع رمضان كل سنة يتعلق بعلاقة ما ينتج من أعمال درامية ومسلسلات تلفزية في مختلف القنوات التونسية خاصة وعمومية..
واقع أم خيال؟
وهل فعلا تصور هذه الأعمال واقعنا الحقيقي وتعالج قضايا حقيقية في المجتمع وما يعيشه الفرد التونسي ويشغل باله؟ أم أن هذه الدراما التي تكثُر في شهر الصيام تصنع واقعا متخيّلا وتسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع بقيم ومبادئ وسلوكيات مختلفة عما هو مُتعارف ومُتفق عليه بين الجميع وفق أجندة واستراتيجية مدروسة لتغيير الواقع التونسي وإقرار نمط عيش جديد من أجل إعادة تشكيل العقل والوعي وجعله متماهيا مع منظومة القيم الغربية، ومن ثم جعله سهل الاحتواء والتشكل وقابلا بالتطويع والهيمنة الجديدة لقوى الهيمنة العالمية وللتيار الجديد الكولونيالية المعاصرة؟
للحديث في هذا الموضوع ومناقشة الإشكاليات التي تطرحها الدراما التونسية تم استضافة المخرج المسرحي معز العاشوري مدير مركز الفنون الركحية ببن عروس الذي قدم قراءة للإنتاج الدرامي التونسي الرمضاني في علاقة بالواقع اليومي في ظل كل التحولات التي يعرفها المجتمع ويعرفها العالم وتفرض نفسها بقوة، ومنها التحول الرقمي الذي بات المحدد الأساسي في تشكيل الشخصية التونسية وفي علاقة بمسألة ثنائية المصالحة والمنافرة مع الواقع ومع القيّم المجتمعية المشتركة العامة ومسألة التأثر بما يدور حولنا في الضفة الأخرى من المتوسط وتأثيرات العالم الغربي.
‘انقلاب’ في الدراما التونسية
يعتبر معز العاشوري أن الانقلاب الذي عرفته الدراما التونسية بعد الثورة والتحولات التي عرفها انتاج المسلسلات الرمضانية مع رياح التغيير التي حكمت المرحلة السابقة والتي عرفت انسيابا كبيرا للحرية ورغبة جامحة في التحرر من كل القوالب القديمة التي كانت تحكم الأعمال الفنية قبل الثورة و هي أعمال رغم كل الانتقاد الذي رافقها ومشاعر الغضب من جرأتها، فهي في العموم حاولت أن تستفيد من مناخ الحرية وأن تجدد وتطور المشهد التلفزي وتعانق مشاغل المواطن التونسي وتعالج واقعه وتعكس قضاياه والاقتراب قدر الإمكان من الواقع الاجتماعي للمتلقي وتُعبر عما يطلبه ويريده من الفن وحاولت كل القنوات أن تكون أكثر قُربا من المواطن من خلال طرح كل القضايا المسكوت عنها والتي لم تتجرأ الدراما التي أنتجت قبل 2010 على طرحها والتحدث فيها..
وهذا يعني أن الدراما الرمضانية خلال العشريتين الأخيرتين حاولت أن تقدم صورا غير نمطية للفرد التونسي وطرح قضايا لا معيارية وأفكار متحللة من كل الضوابط بدعوى محاكاة الواقع والسؤال الذي يفرض نفسه هل نجحت هذه الدراما في إشباع رغبة المتلقي وعكست حقيقة الواقع التونسي؟
نقاش مجتمعي
في الحقيقة لا يمكن إنكار أن الدراما التونسية الجديدة قد حسّنت الصورة التلفزية وقدمت ممثلين جدد من الجيل الذي عاصر الثورة وأحدثت جدلا فكريا و نقاشا مجتمعيا حول القضايا المطروحة والتي لا تعرف اتفاقا حولها ولكن في المقابل، ورغم هذا التجديد فإنه لا يمكن كذلك إنكار أنه بالإضافة إلى الضعف الفادح في كتابة السيناريو والحبكة الدرامية وترابط الأحداث والانتقال من حدث إلى آخر وضعف آخر في الموسيقى التصويرية المصاحبة، فإن هذه الموجة من المسلسلات التي تقترح على المتفرج واقعا تحاول إقناعه به هي غير بريئة ولا محايدة وتعرض أحداثا تخضع لمنطق السوق، وما يطلبه الجمهور وتخضع لتأثيرات خارجية هي من يتحكم في توجهات الدراما التونسية من خلال العودة و الاحتكام إلى نماذج فنية وقضايا تطرح وطرحت في مجتمعات أخرى لا تشبهنا وتعرف نوعية قضايا وإن كنا نلتقي معها إلا أن طريقة معالجتها وطرحها وتقديمها مختلفة من حيث الاحتكام إلى المعايير الثقافية والأخلاقية للمجتمع..
أفكار مُسقطة على الواقع التونسي
وهذا التحليل يحيلنا حسب معز العاشوري إلى قضية خطيرة حكمت كل السيناريوهات والكتابة الدرامية وهي مسألة الأخذ من تجارب أخرى وأعمال أجنبية والقيام بسرقة أفكار تمت معالجتها في قنوات أجنبية يتم استنساخها وتحويرها وإدخال بعض التعديلات عليها وإسقاطها على واقعنا التونسي بسردية وأنماط الشخصية التونسية، وهو سلوك يحيلنا على طرح موضوع علاقة الهوية الوطنية التونسية بهذا الخطاب الفني الذي يستنسخ رؤى أجنبية لقضايا عامة تعرفها كل المجتمعات ويتم جلبها من دون روح ولا هوية ولا نظرة ولا معايير وطنية وباعتماد اللغة والصورة وما يطلبه السوق.
الخطير في هذه النوعية من الدراما التي تقدم في قنواتنا التلفزية في كل رمضان في تداعياتها على المجتمع التونسي وتأثيرها على الشخصية التونسية التي يتم إعادة صياغتها وفق معايير ونماذج ارشاد غير محلية ولا علاقة لها بالهوية التونسية والهوية الوطنية، وانتهت الى صناعة نماذج شخصية تونسية جديدة بلا انتماء للهوية وغير مرتبطة بالثقافة والتاريخ المشترك، شخصية مفارقة تعتمد أنماطا من السلوكيات الاجتماعية لا معيارية تقوم على منظومة قيم تنتج حيرة وجودية فيما يتعلق باختيار المعايير والقيم التي يستوجب اتباعها شخصية متوترة يأسرها انفصام بين المنطوق اليومي و المعيش الحقيقي للمجتمع…
مسلسلات صنعت صورة للفرد التونسي شديد المهادنة غير مبال بما يدور حوله وغير متحمل للمسؤولية وشخصية متهرّبة من تحمّل الأعباء و متقبلة للواقع ومطاوعة بكل سهولة.
دراما تونسية سوّقت لصورة التونسي الذي ترك لنوازعه الذاتية وتطغى عليه الروح الفردانية يخوض صراعاته الداخلية منفردا ويشق طريقه بنفسه ويعيش معاناته من دون سند من العائلة وفي غياب للقدوات وخاصة انهيار صورة الأب والأم التي تحتضن أبناءها.
صورة سلبية
هذه المخاطر التي تم رصدها عند تقييم مختلف الأعمال الدرامية هي صورة في مجملها سلبية رغم بعض النجاحات تقدم خطابا فنيا خطيرا في علاقة بالالتزام بالهوية الوطنية و الارتهان إلى منظومة قيم أجنبية تعمل على مواصلة الهيمنة وتشكيل العالم وفق قيمها وأفكارها، تفرض تدخل الدولة للحفاظ على القيّم الوطنية وملامح الشخصية التونسية التي تشوهت كثيرا في السنوات الأخيرة واعتبار أن ما يطرح من مضامين فنية من قبيل الأمن القومي والمشترك الذي يجب أن نحافظ عليه ونحميه من الاحتواء والتوجيه وإعادة التشكيل وفق رؤى أخرى لا علاقة لها بالتاريخ ولا الثقافة والهوية والقيم والروح الوطنية التونسية، وهذه قضية أخرى بقيت إلى اليوم مغيبة على خطورتها وأهميتها.




