صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: في فهم العقل الأمريكي والذهنية الحاكمة للفكر الاستراتيجي لأمريكا

slama
كتب: نوفل سلامة

الندوة الفكرية التي قدمها الطبيب النفساني والوزير الأسبق فتحي التوزري يوم السبت 14 مارس 2026 في إطار المسامرات الرمضانية التي تنظمها جمعية تونس للثقافة والتعدد بالاشتراك مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسية لهذه السنة جاءت في وقتها و موضوعها كان راهنيا…

حيث لامس اللحظة السياسية التي يعيش على وقعها العالم بعد اندلاع الحرب على إيران من قبل إسرائيل وحليفتها أمريكا وهي ندوة رغم أنها بُرمجت قبل الحرب إلا أنها كانت مهمة لفهم محركات الصراع وخلفيات الحرب والذهنية والنفسية والعقل الاستراتيجي الذي يحكم القادة الأمريكيين.
عنوان المحاضرة التي قدمها الأستاذ فتحي التوزري ‘الانهيارات البنيوية في الذهنية الثقافية المؤسسة للقوة والمشروعية للحرب: أمريكا نموذجا’ هي عبارة على تقديم رؤية المفكر الأمريكي المنتمي إلى تيار الواقعية ‘مايكل فلا هوس’ له مؤلفات عدة أهمها كتابه حول الحروب بوصفها صراعات وجود وهوية وهو كاتب مصنّف ضمن الكتاب الناقدين للسياسات المتبعة من قبل أصحاب القرار في أمريكا والناقدين…
كذلك الاستراتيجيات الحربية التي يتبعها بيت الأبيض ومن الرافضين لكل ما يقوم به الساسة الأمريكيون في علاقة بالمجال الخارجي والعلاقات الدولية وخاصة علاقة أمريكا بالآخر الآسيوي والعربي وخاصة العالم الإسلامي، لذلك فهو يعتبر أن هذه الاستراتيجيات العدوانية التي حكمت تصرف مختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة هي التي أنتجت جملة من الانهيارات البنيوية وقدمت صورة على قرب أفول هذه الدولة العظمى…

أمريكا على طريق السقوط؟

فالرجل يبشر في كل كتبه بأن أمريكا في طريقها إلى السقوط ونهاية ما يسميه بالإمبراطورية الأمريكية وهذا الضعف الذي يشوب اليوم أمريكا مرده حسب الكاتب الذهنية والخلفية الثقافية التي حكمت الاستراتيجيات التي سطرتها النخبة التي حكمت وتحكم اليوم أمريكا.
يعتبر الكاتب أن الحروب التي خاضتها أمريكا و تخوضها الآن ليست حروبا تقنية وانتصارا للقيم والمبادئ الإنسانية أو نصرة للشعوب المظلومة وانما هي حروب لها خلفية ثقافية وبعدا هُووّيا وذهنية خاصة بالفرد الأمريكي المهووس بفكرة التفوق وفكرة الاستعلاء، لذلك فإن أمريكا في كل تصرفاتها تستبطن الإمبراطوريات الكبرى وصورة البطل المخلص وتستحضر سلوك الإمبراطورية الرومانية والعقل الروماني والقائد الحربي البطل ورؤية الرومان في علاقتهم بغيرهم من الشعوب..

دون رحمة!

وهو سلوك يقوم على الوحشية وعلى الإبادة والقتل من دون رحمة حيث اثبت التاريخ أن الرومان في كل حروبهم كانوا دمويين وكان سلوكهم وحشيا تجاه أعدائهم الذين تتم إبادتهم على بكرة أبيهم رجالا ونساء وأطفالا وحتى البنيان يتم تدميره وهذه العقيدة رأيناها تتجسد في حرب إسرائيل على غزة حيث لم يستثن أحد في الاعتداء الصهيوني على الفلسطينيين.
وهذه الذهنية العدوانية تجاه الآخر التي تحكم النخبة السياسية الأمريكية هي التي نجدها في الخطاب والممارسة حيث يقدم الأمريكان حروبهم على أن لها بعدا حضاريا ورسالة للعالم للهيمنة والسيطرة إذا ما رفض الانصياع، وهذه الرؤية تطلبت استدعاء العلاقة مع الهوية القومية التي شكّلت الدولة الأمريكية في بداياتها الأولى وما حصل من إبادة جماعية للهنود الحمر السكان الأصليين وصناعة العدو الدائم حيث اتضح أن أمريكا لا يمكن كما هو حال روما أن تعيش من دون عدو دائم، لذلك فهي تتصرف في هذا السياق التاريخي بنفس تصرف الإمبراطورية الرومانية في علاقتها بالشعوب الأخرى ما جعلها تدخل في أزمة علاقة مع العالم وعلاقته بهويتها..

الكاتب يرفض هذه الرؤية في التعامل مع العالم وهو رافض للهيمنة الأمريكية على الآخرين وهذا الأسلوب في الانتقام والتشفي، وهذه الرغبة في امتلاك القوة بكل الطرق وهو سلوك يرده الكاتب الى جذور ثقافية دينية هووية شكلت عبر الزمن شخصية الرجل الأمريكي المهووس بفكرة التفوق والسيطرة الدائمة والهيمنة المتواصلة والتي لا تتحقق حسب ظنه إلا بالتدمير والقضاء على الآخر والتضحية ومحاربة الهويات الأخرى.

أسوأ صورة للقوة

يعتبر الكاتب أن الوضع الطبيعي أن تكون أمريكا دولة عادية كسائر الدول وتتصارع مع غيرها دون همجية ولا رغبة في تدمير الآخر دفاعا عن مصالحها ومن دون أن تتحول إلى إمبراطورية متغولة وفاسدة كما هي صورة الإمبراطورية الرومانية عبر التاريخ، لقد تمثلت أمريكا اسوأ صورة للقوة والعظمة وجلبتها من التاريخ القديم وتبنتها واعتبرت نفسها امتدادا واستمرار لروما.
مشكلة أمريكا أنها لا تريد أن تفهم الآخر بل ليس لها القدرة على فهم المختلف وهي تتعامل مع الغير على أنه في مرتبة دنيا وأقل قيمة من الشعب الأمريكي وهذا يتجسد فيما يسميه بالتمرد داخل الإسلام ومفهوم الإرهاب وربطه بالجماعات الجهادية التي تنطلق هي الأخرى من خلفية ثقافية هووية مما حوّل الصراع بين الاثنين إلى معركة حضارية وصراع ثقافي وهو في هذا الفهم يطالب بتغيير النظرة لهذه الجماعات المتمردة والتي ترفض الهيمنة الغربية وتنطلق من خصوصية ثقافية وتدافع عن هويتها الخاصة التي تعتبرها مهددة من أمريكا ما يطرح السؤال حول الكيفية التي يمكن ان نتعامل بها مع هذا التمرد الإسلامي؟

جماعات تمرّد

الغريب في هذا الكاتب وهو ينتقد السلوك الأمريكي والاستراتيجية المتبعة مع الأعداء وخاصة العدو الإسلامي وما يعتبره خطأ حضاريا تقوم به أمريكا أنه يعتبر الجماعات المقاتلة أو السلفية الجهادية هي جماعات تمرد داخل الإسلام وليست إرهابا و هي جماعات ليست قيادية وتمثل سياقا يشهده العالم الإسلامي يعاد كل مرة في فترة في عملية إحياء و تجديد وثورة دينية ولعل هذا النقد هو الذي جعل أمريكا في عهد الرئيس أوباما تغير من تعاملها مع هذه الجماعات وتعطي الفرصة لحركات الإسلام المعتدل كي تحكم و تمارس السلطة في محاولة للتخلص من عبء محاربة هذا التمرد في الإسلام وجعل الجماعات الإسلامية المعتدلة تواجه هذا التمرد وتحويل المعركة إلى العالم الإسلامي ليحل مشاكله بنفسه، بدل أن تقحم أمريكا نفسها في حروب لا تعنيها.
في تحليله للنهاية المرتقبة لأمريكا نتيجة اختيار استراتيجية الهيمنة التي تتبعها منذ نشأتها والتي جعلت منها دولة مهووسة بتدمير الشعوب الأخرى وإنهاك مقوماتها والقضاء على هوياتها يعود إلى فكرة ‘الهيبتوس’، وهو مصطلح في علم النفس يفيد مجموعة الأفكار والقيم والمعايير التي تساعد على فهم العالم ” ليجعل منه المحرك والمرجعية التي تحكم العقلية الأمريكية التي تعطي المعنى للهوية القومية ومشروعية للحرب وتبرير النزعة التدميرية لجيشها ومؤسستها العسكرية.

افتعال الحروب

يعتبر الكاتب أن الأزمة المتفاقمة للغرب ولأمريكا تحديدا تكمن في هذه الأيديولوجيا التي تتبناها النخبة الأمريكية القائمة على افتعال الحروب والرغبة المتواصلة في الهيمنة والخوف المتحكم من الفشل والتراجع وفي هذا الخطاب السياسي المغلف بحضور ديني مكثف مع استحضار مرحلة الحروب الصليبية ومواصلتها وفي العودة المقصودة للتاريخ الروماني وتبنيه وتمثل صورة الإمبراطورية الرومانية في غير سياقها التاريخي…

فن ‘صناعة الأعداء’

وكل هذا كوّن عقلية أمريكية تتعامل مع الآخر بقسوة كبيرة و همجية لا توصف و برغبة في الانتقام والتشفي من الآخر وتصفيته في حالة من التوحش غير مسبوقة في التاريخ. إن مأزق أمريكا في هويتها القومية التي ترى أن الحرب لازمة وضرورية لبقائها متفوقة، وأن صناعة الأعداء ضروري كذلك لمواصلة القيادة لذلك كانت الحروب عندها لها خلفية ثقافية تقوم على التدمير والقتل والوحشية وكلها عوامل يراها الكاتب نهاية لهذه الإمبراطورية التي أرادت أن تكون كـ روما ونسيت أن روما تلاشت بسبب هذه العقيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى