نوفل سلامة يكتب: تقديم كتاب ‘هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان’ للفيلسوف الفرنسي ريني جينون


كتب: نوفل سلامة
في إطار مسامراتها الرمضانية لهذه السنة نظمت جمعية تونس للثقافة والتعدد بالاشتراك مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مكتب تونس ندوة فكرية يوم الجمعة 27 فيفري 2026، خُصصت لتقديم الترجمة العربية التي أنجزها محمد الرحموني أستاذ الحضارة العربية الإسلامية بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية جامعة تونس المنار لكتاب ” هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان ” للفيلسوف ريني جينون…
هذا الفيلسوف الفرنسي الذي اعتنق الإسلام و المولود في سنة 1912 والمتوفى في سنة 1951 تم نشر كتابه لأول مرة سنة 1945 في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا يعني أن هذا الكتاب هو مؤلف قديم والعودة إلى ترجمته بعد ترجمة أولى كانت رديئة وفاقدة للمنهجية العلمية للترجمة ومخلة بمضمونه دافعها كان الأهمية الكبيرة لمضمونه والقيمة العلمية لمحتواه والذي خصصه صاحبه لنقد الحضارة الغربية ونزعتها المادية من وجهة نظر صوفية..
إلى جانب استعادة الجوانب الروحية التي تخلت عنها الحداثة الغربية والتي يعتبرها المؤلف هي السبب الأساسي فيما آل إليه العالم من انخرام وتحلل وتراجع في جميع الميادين، فالكتاب هو من هذه الناحية رؤية أخرى ومقاربة إضافية إلى كل الكتب التي انتقدت الحداثة الغربية في بيان المآل الذي آل إليه العالم وانتهت إليه الإنسانية حينما افتقد التوازن الضروري بين القيم المادية والقيم الروحية، والكلفة التي نتجت عن تنحية القيم الدينية من الحياة وإعطاء العقل لوحده مرتبة متقدمة لفهم الوجود ومهمة تنظيم المجتمع والعلاقات…
أزمة عميقة
الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب هي أن العالم خسر كثيرا حينما تم استبعاد القيّم الروحية وتنحية الرؤية الدينية في تشكيل الحياة وضبط العلاقات، وأن الحداثة الغربية دخلت في أزمة معنى وقيّم عميقة، وحوّلت العالم والإنسانية إلى مجرد أرقام واحصائيات وأفرغت الحياة من روحانيتها وهو معطى ضروري لتحقيق التوازن المطلوب والضروري بين الجوانب المادية والجوانب الروحية وهي المعادلة التي يقوم عليها وحولها كل الوجود..
انحراف كبير
وما حصل حينما استبعدت الحداثة الغربية هذه القيّم غير المادية حصل انحراف كبير في العالم وتضررت بسببها المعرفة التي حصل لها قصور ونقص في الفهم وإدراك الحقيقة التي اتضح أنها لا يمكن أن تكتفي بكل ما هو مادي ظاهر فقط لذلك فإن الكتاب يحمل المسؤولية لما آلت إليه الإنسانية من تراجع ومن أزمات كثيرة إلى هذه النظرة المادية التي أفرغت الإنسان من جوهره وافقدت المعرفة جزءا مهما من معناها وقيمتها وصدقيتها.
خلل كبير
من الأفكار المهمة التي تحدث عنها الكتاب أن ما يحصل اليوم للعالم بعد إفراغه من معناه الحقيقي ودخول الإنسانية في أتون الأزمات العميقة جراء إبعاد الحداثة الغربية للقيم الروحية أن العالم والحياة والإنسان تحكمهم قوانين كونية ودورات كونية ناتجة عن الخلل الذي يحصل حينما يفقد التوازن بين القيم الروحية والقيم المادية أو تغليب جوانب على أخرى، والإنسانية في راهنها تعيش نهاية الدورة الكونية الحالية التي تم فيها تغليب المادة على الروح والعقل على القيم الروحية والمظهر على حساب الجوهر…
وبنهاية هذه الدورة الكونية الحتمية تدخل الإنسانية في دورة كونية أخرى هي عند الكاتب من علامات الساعة سوف تؤدي إلى سياق جديد للعالم هو بصدد التشكل بعد أن تتراجع هيمنة كل ما هو كم.
مسؤولية انهيار العالم
من الأفكار الأخرى التي وردت في هذا الكتاب وهو يُحمّل الحداثة الغربية و نزعتها المادية التي قضت على جوهر الإنسانية مسؤولية انهيار العالم أن الإنسانية في هذا السياق التاريخي المعاصر قد طغى عليها الكم على حساب الكيف، وتم وفق هذه الرؤية تحويل كل شيء إلى أرقام ومعطيات واحصائيات وتحول الإنسان هو الآخر إلى مجرد أرقام الأمر الذي أفقده جوهره وماهيته الأصلية ومع ذلك فقد دوره في هذا الوجود وابتعد تدريجيا عن فطرته حتى انتهى به الأمر إلى الوقوع في المتاهة والضياع وتحول إلى سلعة وبضاعة وعملية استهلاكية حتى وقع في قاع الوجود وفي أسفل الماهية .
يعتبر الكاتب أن تعويل الحداثة الغربية على القيم المادية فحسب و على العقل فقط في ترتيب الأشياء وتنظيم الحياة قد أوصل الإنسان في الكثير من القضايا إلى العجز عن فهم أبسط الأشياء وادراك حقيقة الأمور فالمعاني تحتاج إلى معرفة متكاملة تتكامل فيها الجوانب الروحية مع الجوانب العقلية حيث هناك الكثير من القضايا لا يمكن فهمها وفق النظرة العقلية فقط، وتحتاج إلى رؤية دينية غيبية روحية صوفية فالإنسان لا يمكن أن يستغنى عن ‘الكيف’ ويكتفي
بـ ‘الكم’ والكيف هو العالم العلوي في مقابل العالم السفلي الأرضي التي يطغى عليه الكم والعالم العلوي هو عالم روحاني يتجاوز عالم المادة ويختلف في نظرته عن الرؤية العقلية والكيف لا يدركه إلا الخالق ولا يملكه إلا الله وابعاد هذه الجوانب قد ادخل الإنسانية والعالم في أزمات متتالية انتجت الانسان الناقص الإنسان ذي البعد الواحد وأدى إلى حصول خلل كبير في العالم ونتائج وخيمة على الإنسان المعاصر.
رؤية نقدية
قيمة الكتاب رغم أن صدوره يعود إلى سنوات عديدة فيما قدمه من رؤية نقدية للحداثة الغربية ونزعتها المادية من منظور صوفي إسلامي وليس مسيحي يقوم عليه التقدم الغربي وهو مؤلف يمتاز على غيره من الكتب التي تهجمت على الحداثة الغربية ونقدتها من داخل منظومتها وآليتها أنه وظف الروحانيات والميتافيزيقا في تفكيك الحداثة وأبرز ضعفها وخللها وزيفها، وكيف أوصلت الإنسانية إلى انحدار رهيب ما كان له أن يحصل لو حافظت الحضارة الغربية على التوازن الضروري والحتمي بين ثنائية الروح والمادة و الدمار الذي أنتجته الحداثة حينما اكتفت بالقيم المادية وابعدت القيم الروحية واعلت المادة على حساب الروح ونزعت ما يُعرف بسحر العالم أن أصبح كل شيء يُقاس ويُفهم كميا على أساس أنه مجرد أرقام واحصائيات…
وبذلك أصبح العالم مفصولا عن بعده المتعالي وعالمه العلوي وتحول الإنسان من كائن فاعل إلى كائن مفعول به وهذه الرؤية انتجت الحروب المدمرة واستعمار الشعوب وقتل الانسان بإسم الحداثة والعقلانية والكاتب في كل هذا النقد يقدم رؤية صوفية للعالم ونظرة لمسار التاريخ تقوم على التفسير الدائري للتاريخ ولا خطي. وهي نظرية ترى أن التاريخ لا يتحرك وفق خط ومسار مستقيم نحو تقدم دائم، بل يعيد نفسه عبر دورات حضارية متكررة تشمل الميلاد والازدهار ثم الاضمحلال، والفناء وهي دورات كونية يقوم عليها الوجود حينما تختل عناصره المكونة له.
أزمات عميقة
ما خلص إليه الكتاب أن الحداثة الغربية التي عوّلت على المادة واعلت من مكانة العقل واكتفت بالمظهر وكل ما هو محسوس أداة للفهم والمعرفة والوعي أن خطاب الحداثة قد فشل في إسعاد الإنسان وانتج أزمات عميقة و إخلالات كثيرة ورؤية للعالم والوجود ألغت أصناف كثيرة من المعارف من وراء قناعة روّجت لها الحداثة تقول بأن كل معرفة خارج المادة والعقل هي معرفة غير مفيدة وبذلك حصل عصيان معرفي خطير تسبب في خسارة الكثير من المعارف الروحية التي كانت قد تحل الكثير من مشاكل الإنسان وهواجسه.
أزمة متعددة الأبعاد
الكتاب إلى جانب نقده اللاذع للحداثة الغربية قد أبرز أن الغرب يعيش أزمة ثقافة وأزمة معرفة وأزمة قيّم وأزمة عقل عاجز عن حل كل المشاكل وغير قادر على فهم الكثير من القضايا التي لا يمكن إدراكها وتفسيرها من دون معارف أخرى و افرغت الإنسان من جوهره وحوّلته إلى موضوع كم ومجرد أرقام واحصائيات وسلعة وأن المسار الذي نعيشه الآن هو نهاية دورة كونية حتمية طغى فيها العقل والقيم المادية واستبعدت منها القيم الروحية ما يشير إلى جانب من علامات الساعة لتترك المكان إلى دورة كونية جديدة تستعيد فيها البشرية جوهرها وقيمها الروحية..
لذلك يعتبر الكاتب أن العالم يحتاج اليوم إلى الروحانيات وإلى الرؤية الصوفية وإلى استعادة الروح مكانها الطبيعي، وبذلك يحصل التوازن المطلوب بين الروح والمادة والجوهر والمظهر وتُنهي الخصومة الأزلية بين قابيل وهابيل التي بقى أثرها إلى اليوم حاضرا.




