نوفل سلامة يكتب/ وثائق جيفري ابستين: كيف تحكّموا وأثّروا في مسار الثورة التونسية؟


كتب: نوفل سلامة
في توقيت غير منتظر وزمن غير متوقع انتشرت تقارير صحفية في كل المؤسسات الإعلامية العالمية ونقلتها مختلف وسائل الإعلام، تتحدث عن نشر وزارة العدل الأمريكية لملايين من الوثائق والإيميلات والصور والرسائل السرية و تسريبات خطيرة تخص ملفات تم الإفراج عنها تتحدّث عن لقاءات كانت تقع وتدور في جزيرة على ملك جيفري إبستين، عميل الموساد الإسرائيلي…
حفلات ماجنة
حفلات ماجنة ونقاشات وحوارات كان يدعى إليها العديد من رجال السياسة والاقتصاد والمال و الأعمال وأصحاب الثروة، وكل الماسكين بزمام النظام العالمي الحالي والمتحكمين في كل شيء تقريبا في هذا العالم والمؤثرين في السياسات المالية والتجارية والاقتصادية والإعلامية وحتى العلمية، وهي تسريبات اعتبرت عاصفة لكل الطبقة السياسية العالمية ومدوية وفاضحة لكل الممارسات غير الأخلاقية التي مارسها كل من حضر هذه اللقاءات وهزت كل أركان السياسة العالمية و خلخلت كل الأنظمة الأخلاقية والمعرفية وكشفت المستور، وكل ما كان مٌتكتم عنه.
إهمال جوانب خفية
الغريب في التغطية الإعلامية والاهتمام الإعلامي التي قامت بها أغلب وسائل الإعلام الغربية وتبعها في ذلك الكثير من وسائل الإعلام العربي التركيز الكبير عن الجانب الأخلاقي الذي كشفت عنه هذه الوثائق المفرج عنها والممارسات الجنسية الشاذة، وأعمال دعارة التي كانت تقع في هذه اللقاءات مع قاصرات تم جلبهن لهذه اللقاءات لممارسة هواية الشذوذ الجنسي معهن، وحصر الحديث الإعلامي عن هذا السقوط الأخلاقي الذي تورطت فيه الكثير من الشخصيات النافذة عالميا وتجنب الحديث عن جوانب أخرى كشفت عنها هذه الوثائق لا تقل خطورة ولا قيمة عن المسألة الأخلاقية والجنسية.
خدمات سرية لإسرائيل
من هذه الملايين من الوثائق المسرّبة والتي تم الإفراج عنها وتم نشرها على نطاق واسع والتي تتحدّث عن الكثير من الأسماء والشخصيات المؤثرة عبر العالم تورطوا في ممارسات جنسية مع قاصرات وقُصر هناك آلاف من الوثائق الأخرى تتحدث عن معلومات تُبرز علاقة جيفري ابستين بجهاز الموساد الإسرائيلي وعن شبكة العلاقات الموسعة للغاية التي كونّها في هذه الجزيرة وعن اتصالات متكررة مع شخصيات نافذة في السياسة العالمية وعن توظيف هذه اللقاءات لخدمة المصلحة الإسرائيلية العليا وضمان أمن وسلامة إسرائيل ..
استدراج وإبتزاز
ما سكت عنه الإعلام العالمي بخصوص هذه القضية هو ما كشفت عنه هذه الوثائق بخصوص اللوبي العالمي الذي تكوّن في هذه الجزيرة لخدمة المجال الحيوي لإسرائيل حيث لم تكن هذه اللقاءات الماجنة وكل الممارسات الجنسية الشاذة المرتكبة هي الغاية والهدف الأول من اللقاءات والاستدعاءات التي أجراها إبستين، وإنما كل هذا السقوط الأخلاقي لم يكن إلا الوسيلة التي ابتز بها هذا العميل الإسرائيلي واستدرج بها ومن خلالها وظّف كل الأسماء المتورطة في خدمة كيان الاحتلال، حتى يكون القرار العالمي في صالح إسرائيل وكل السياسات الدولية تصب في مصلحة تل أبيب.. وبهذه الطريقة فقد استطاعت المخابرات الإسرائيلية من خلال عميلها أن تحكم العالم وأن تؤثر مباشرة في حكومات الدول وتكسب التأييد المطلق لكل ما تقوم به من أعمال وأفعال.
مفاجأة في تونس!
من القضايا التي تجنّب الإعلام الغربي وحتى العربي الحديث عنها وهو يطالع الملفات المسرّبة وجود ما يقارب عن ثلاثمائة وثيقة تخص تونس وتتحدث عن الثورة التونسية، وهي وثائق تم تبادلها مع مسؤولين وسياسيين في أمريكا يتحدثون فيها عن آخر المستجدات في العالم العربي والوضع في شمال إفريقيا إبان أحداث سنة 2011 التي هزت العالم بعد اندلاع الثورة التونسية وتكشف ما كان يدور من حديث مكثف حول الكيفية التي يُمكن من خلالها التصرف مع مثل هذه الوضعيات التي فاجأتهم ونقاشات حول الكيفية التي تسمح بالسيطرة على الوضع في الأيام الأولى للثورة حتى لا تتمدد إلى أماكن أخرى.
ما تفصح عنه هذه الملفات وما تبينه هذه الوثائق التي تتحدث عن الثورة التونسية أن السياسيين الأمريكيين كانوا مصدومين من الثورة التونسية، و فاجأهم تطور الأحداث وتسارعها ودار حديث عن غياب أي دور لهم في قيام الثورة .. جانب من الوثائق يؤكد أن الثورة التونسية لم تكن تدبيرا أجنبيا ولا من وراء تدخل خارجي وتأكيد على أن الذي قام بها هو الشعب التونسي .. وحديث عن مخاوف كبيرة من خروج الثورة عن السيطرة وبعض الوثائق تكشف عن نقاشات مكثفة كانت تدور بينهم حول السيناريوهات الممكنة والمآلات المحتملة التي قد تنتج عن الثورة التونسية والكيفية التي يمكن بها إيقاف الثورة حتى لا تؤثر على باقي الدول العربية وخاصة على مصر وعلى استقرار حكم الرؤساء التابعين لهم.
كيفية التحكّم في الشعوب
في هذه الوثائق التي تم نشرها عن الثورة التونسية هناك حديث عن منظومة الحكم القديمة التي كانت قائمة قبل الثورة والتي كانت مرتبطة بهم والاستراتيجية التي اتبعوها مع هؤلاء الحُكام حتى تبقى سياساتهم في خدمة المصالح الغربية القائمة على فكرة التوازن المفروض من خلال القبول برئيس ‘ديكتاتوري’ يكون تحت إمرتهم وفي خدمة مصالحهم حتى وإن كان مرفوضا من طرف الشعب بالرغم من أنهم يعلمون أن هذا التوجه هو خيار خاطئ في حق الشعوب ولكنه ضروري بالنسبة لهم ما دام هذا النظام يُسهّل لهم التحكم في البلدان والسيطرة على الشعوب.
تطورات الأحداث
في هذه الوثائق اعتراف صريح بأن هذه الاستراتيجية لم تعد مجدية ولا ممكنة، وفقدت نجاعتها لمواصلة الحفاظ على مصالحهم بعد أن استفاقت الشعوب ورفضت الحكم الديكتاتوري ..وتحدثوا عن الوعي الذي اكتسبه الشعب التونسي وكيف بدأ التململ والرفض وكيف اندلعت أحداث سنة 2011، وكيف تطورت الثورة التونسية و أثرت على الوضع في مصر وكيف انتقلت إلى باقي الدول العربية ونقاش حول هذه المخاوف التي شعروا بها وتفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها إيقاف تداعياتها، وكيف يمكن تحويل وجهتها إذا ما حصل الانفلات ونقاش حول ضرورة التشجيع على التوجهات الديمقراطية في تونس لاعتقادهم أنها الوسيلة التي سوف تحقق الاستقرار الذي ينشدونه.
في هذه الوثائق حديث مكثف على مصير إسرائيل بعد هذه الثورات وكيف يمكن في ظل هذه التطورات التي يشهدها العالم العربي ضمان سلامة وأمن إسرائيل ونقاش آخر حول الضمانات المتاحة حتى لا تؤثر هذه الثورات على وجود إسرائيل، وحديث على أن الشعب التونسي شعب واع ومثقف وأن أمريكا لم تساهم بصفة مباشرة في الثورة وإنما ساهمت بطريقة غير مباشرة من خلال السماح للغاضبين والمعارضين للنظام باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي و منصات فيسبوك وتويتر ويوتوب لإنجاح الثورة، وحديث آخر حول خروج الأمور عن السيطرة والتفكير في الطريقة التي يمكن بها احتواء الحراك الشعبي واستعادة السيطرة على الوضع ونصحوا إسرائيل بضرورة تحقيق السلام مع دول الجوار العربي للمناطق التي احتلتها، والمقصود هنا سوريا مصر والأردن وباقي الدول العربية والدفع نحو التوجهات الديمقراطية التي يعتقدون أنها سوف تحقق لإسرائيل الأمن…
خطر داهم يهدد اسرائيل!
وكانوا في حديثهم خائفين من الشعوب التي قامت بثورة لاعتقادهم أنها بعد استرجعت إرادتها وهي كارهة لإسرائيل وتمكنت من الإطاحة بحُكّامها المستبدين قد أصبحت قادرة على أن تتحد وتمثل خطرا على الكيان فكان القرار هو السيطرة على الثورة التونسية بكل الطرق ومنع انتشارها أكثر مما وصلت إليه وإذا ما توسعت وتمددت فإن المطلوب هو العمل بكل الطرق على إفشالها ومنعها من تحقيق أهدافها، وإذا أمكن لها النجاح فإن المطلوب هو العمل بكل الطرق على أن تكون عاملا لتحقيق السلام لإسرائيل.
في هذه الوثائق حديث مكثف عن الوضعية السياسية التي كانت عليها تونس زمن الثورة ووصف لحركة النهضة بكونها حركة غير عنيفة ولا متطرفة ويمكن أن يجدوا معها تفاهما كما وصفوا حركة الإخوان المسلمين المصرية بأنها حركة غير متطرفة وتحدثوا عن راشد الغنوشي وصنّفوه شخصية غير خطرة وقالوا عنه أنه شخصية معتدلة ويمكن أن يجدوا معه اتفاقا.
أسرار خطيرة
ما أردنا قوله هو أن الملايين من الملفات والوثائق المسرّبة عمّا كان يحدث في الجزيرة التي كان يملكها العميل الإسرائيلي جيفري إبستين والتي اعتبرت صادمة وفاضحة ومدوية تتجاوز القضية الأخلاقية والمسألة الجنسية التي حاول الإعلام الغربي توجيه اهتمام الرأي العالمي إليها على خطورتها وتحويل وجهة الشعوب إلى هذا الجانب من الوثائق وحصر اهتمامه حول نقاش في المسألة الجنسية..والحال أن هذه الوثائق تكشف أسرارا كثيرة خطيرة حول مواضيع مختلفة في علاقة بالنظام العالمي وكيف تُدار خيوط اللعبة العالمية ودور الموساد في كل ما يدور حول العالم وكيف يمكن أن توظف كل السياسات العالمية لفائدة إسرائيل وأمنها.. ما أردنا قوله هو أن هذه الوثائق قد كشفت ما كان يدور من قبل من حديث حول وجود حكومة تعمل في الخفاء هي من يتحكم في مصير الشعوب، ومن يتحكم في السياسة العالمية، ولكن من دون إثبات..
واليوم بعد الإفراج عن الملايين من الوثائق عما كان يدور في جزيرة جيفري ابستين تأكد بكل وضوح أن إسرائيل هي من يتحكم في العالم، وأن كل الإمكانيات قد وضعت من أجل الحفاظ على أمنها وسلامتها ووجودها، وأن جزيرة جيفري ابستين قضية أكبر من مسألة ممارسات جنسية شاذة كان يمارسها عدد من المؤثرين في النظام العالمي الحالي.




