صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الهادي شاكر (1907-1953): الزعيم الذي طالته يد الغدر فمات ليحيا الوطن..

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

من أشدّ الجرائم وقعا على التونسي اغتيال الزعيم الشعبي المحبوب الشهيد الهادي شاكر وهو من أبرز قادة الحركة الوطنية وكانت حياته مثالا في الإيمان والعمل والتضحية”…هكذا خط علي البلهوان في كتابه ‘تونس الثائرة’ من نشر الدار العربية للكتاب ص 481.

الولادة والبدايات

ولد الهادي شاكر حسب كل المصادر سنة 1908 لأب محمود من أصل تركي وأمّ قمر كمون، إلا أنّ الصديق المُنعّم نور الدين حشاد عثر عندما كان يبحث عن وثائق تتعلق بوالده الشهيد فرحات على صندوق من الأرشيف متعلق بالشهيد الهادي شاكر وإلى جانبه مجموعة من الصور الموثقة للاغتيال هناك بطاقة تعريف تحمل سنة ولادة الهادي شاكر 1907 والشهر جانفي.
ينتمي الزعيم شاكر إلى عائلة تجّار في مدينة صفاقس حيث حفظ القرآن في الكتّاب ثم زاول تعليمه الابتدائي فالتعليم الثانوي وتحصل على دبلوم في التجارة.
ويؤكد المنعم الباهي الأدغم في كتاب “الزعامة الهادئة” نشر دار نيرفانا عام 2019 أنّ الفقيد تخرّج من الزيتونة “إنّ الحبيب بوقطفة والهادي شاكر ويوسف الرويسي وهم الذين تخرّجوا من الزيتونة وينتمون إلى نزعة التجديد والإصلاح هم الذين أيّدوا الحزب ودعّموا ركائزه، فالهادي شاكر أصيل مدينة صفاقس وصفاقس معقل الحزب القديم فحين برز مناضل من عائلة مرموقة ويؤيد الحبيب بورقيبة ففي ذلك أكثر من معنى” ص99.

نشاط حزبي

وقد نحا المنعّم علي البلهوان هذا النحو فكتب في “تونس الثائرة”، ص482.
“انضم الهادي شاكر إلى صفوف المكافحين الوطنيين منذ الصغر وكان عضوا نشيطا في الحزب الدستوري بعد أن أسّسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي بقليل، ولكن أمام تقاعس القادة القدماء اندفع الهادي شاكر إلى جانب الحبيب بورقيبة في مؤتمر قصر هلال عام 1934، وكان من أكبر الدعاة إلى تجديد الحزب، وكان موقفه من أكبر عوامل نجاح المؤتمر وقد كلّفه هذا الموقف النفي إلى الصحراء عام 1934 رفقة الزعماء،

إلى السجن والنفي

ثمّ عند رجوعه من المنفى أصبح هو القائد الأكبر للحركة الوطنية في صفاقس إلى أن ثار الشعب في الثامن من أفريل من سنة 1938..
فتعلقت بالزعيم تهمة التآمر وطلب قاضي التحقيق العسكري بالحكم عليه بالإعدام إلا أنه سُجن في تبرسق ثم نقلته القوى الاستعمارية صحبة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والمنجي سليم وسليمان بن سليمان وعلي البلهوان والهادي نويرة ويوسف الرويسي و علالة العويتي إلى سجن سان نيكولا بمرسيليا.

aza

ثم من بعد ذلك وضع الهادي شاكر في الإقامة الجبرية بـ Trets وهي ضاحية فرنسية من مدينة Aix-en-Provence وهناك عمل في حضيرة بناء سنة 1942 وبفضل قوات المحور يعود الزعماء إلى أرض الوطن ويعود الهادي شاكر إلى قيادة الحركة الوطنية فهو مثلما يقول عند رفيقه على البلهوان: “رجل الواجب لا يعطله شيء عن أداء واجبه، تزداد جرأته وثباته بقدر ازدياد الشدائد والمحن والأخطار”.
والمعلوم أنه فقد سنة 1940 والده الذي ترك له عشرة إخوة وزوجته التي تركت له 4 أبناء.

شهادة عبد الله عبعاب

ومع ذلك فقد صبر وصابر وذلك من شيم الأبطال الأفذاذ الذين يخلّدهم التاريخ. جاء في “شهادة للتاريخ” وهي مذكرات للمقاوم المنعم عبد الله عبعاب الذي توفرت له فرصة لقاء الزعيم الهادي شاكر في شهر فيفري 1940 ولم يكن يعرفه من قبل فقدّمه مواطنه ضو قريصيعة “إن لقائي بالمناضل الكبير الهادي شاكر كان لحظة فارقة في وعيي السياسي. لقد طلب مني إعانة المتطوّعين الذين يرسلهم الحزب إلى فلسطين للمساهمة في تحريرها. لقد اكتسحني الرجل بقوّة شخصيّته وحسّه الوطني الحاد ولقد أمكنني أن أعاين بنفسي جانبا من الطاقة الهائلة التي يتوفّر عليها القادة الأفذاذ” ص7.
قاد الهادي شاكر الحركة الوطنية إثر اعتقال الحبيب بورقيبة يوم 18 جانفي 1952 وهو اليوم الذي انعقد فيه مؤتمر الحزب برئاسته.
يقول المقاوم الحبيب قرار في كتابه “لتحيا تونس” الصادر عن دار بوسلامة عام 1996: “ألقى الزعيم الهادي شاكر خطابا حرّض فيه المناضلين على اليقظة والثبات على المبدأ والاستمرار في الكفاح، ثمّ تُليت لائحة أرسلها المؤتمر إلى المقيم العام يطالب فيها بإطلاق سراح المعتقلين والاستجابة لمطالب الشعب التونسي”.
كما جاء في هذه اللائحة التي نعتها علي البلهوان “بالدستور الصادق والواضح في فترة الكفاح كلها”: إنه لا يمكن التعاون المثمر بين تونس وفرنسا إلا بإنهاء الحماية واستقلال البلاد”.
ثم يقول قرار: “فضّل الزعيم الهادي شاكر أن يقضي ليلته بمكتب الديوان السياسي ورافقته وقضّيت تلك الليلة معه صحبة المناضل محمد الصالح بالحاج وكذلك اليومين المواليين إلى أن ألقي عليه القبض يوم 21 جانفي في باب سويقة عند خروجه من مكتب الديوان السياسي قاصدا مقر الجامعة الدستورية، فنُفي إلى طبرقة حيث التقى الحبيب بورقيبة والمنجي سليم، ثم نقل ثلاثتهم يوم 26 مارس 1952 إلى رمادة ثم يوم 07 ماي إلى جزيرة جربة، ثم أخيرا فرضت عليه في شهر جوان من سنة 1953 الإقامة الجبرية بمدينة نابل، وفي الثالث عشر من شهر سبتمبر من السنة نفسها وفي الساعة الثانية صباحا وقع ما كان يستشفه الزعيم أي المنون على يد الجبناء من العملاء ومن محرّكيهم طغاة الاستعمار.

العزم والثبات

لقد أرسل قبل 4 أيام من استشهاده رسالة إلى ابنه محمد وهو يدرس بمعهد Etampes جنوب باريس يقول فيها :”إنّ عائلتنا مقدمة على تضحيات حيث إن الواجب يقتضي منا الصبر والثبات ولنا العزم الذي لا يتزعزع في أنّ النصر قريب”.
إذن طالته أيادي الغدر فمات ميتة خلدها نشيد الثورة وتردّدها الحناجر على امتداد الزمان “نموت نموت ويحيا الوطن”.
دفن بصفاقس في يوم مشهود حيث شيّع جثمانه عشرات الآلاف ولقد علقت جريدة Le Monde على هذا الاغتيال في عددها الصادر يوم 15 سبتمبر 1953 وندّدت به بعد التذكير باغتيال فرحات حشاد “هكذا بقيت تونس في هذا التسلسل الجهنمي الذي دخلت فيه الآن”.

اقرأ أيضا/ محمد الحبيب السلامي يحب أن يفهم: الهادي شاكر بين التجارة والسياسة

هل أوفينا الرجل حقه؟

يوم 13 سبتمبر 2018 أعيد نصب الهادي شاكر بعد عقود من إزالته كما أصدر البريد التونسي طابعا يحمل صورة للزعيم بريشة الفنانة ليلى العلاقي.
فهل أوفينا الرجل حقه وهل أوفينا كل القادة والزعماء حقوقهم؟ هل من الصعب إنشاء متحف لحفظ ذاكرة الحركة الوطنية؟
رحم الله الزعيم الشهيد الهادي شاكر و المقاومين والوطنيين الخلّص الذين ضحّوا بالغالي والنفيس لكي ينعم جيلنا بثمرة الاستقلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى