عيسى البكوش يكتب/ يحيى التركي (1901-1969): أب الرسم في تونس


كتب: عيسى البكوش
كتب علي اللواتي في مجلة الصادقية في عدد شهر جانفي 1998: ‘صحيح أنّ ظهور أوّل رسّام بالمعنى الحديث هو أحمد بن عصمان، ولكن هذا الفن بدأ مع جيل آخر في القرن العشرين من الفنانين ممّن أرادوا ربط الفنّ بالحسّ الشعبي، ومن هؤلاء يحيى التركي الملقب بأبي الرسم التونسي لكونه أوّل رسام اختار الفن كرؤية شاملة”.
فمن هو هذا الأب الروحي للفنون التشكيلية في ربوع بلادنا؟
هو يحيى بن محمد بن الحاج رجب الحجّام ولد باسطنبول عام 1901 ومنها جاءت تسميته بالتركي وأبوه من أصل جربي وأمه تركية توفيت وهو في السادسة من عمره، عندئذ يقرّر والده العودة إلى تونس للعمل حلاقا بدكان أخيه في نهج Léon Roches ـ مصطفى مبارك حاليا ـ قرب فندق الغلة.
التحق وهو طفل بالكُتّاب حيث اكتشف زخارف الخط العربي، ولقد كان المؤدب يعهد إليه بتزويق ألواح أترابه ثم واصل تعليمه الابتدائي بالفرع الابتدائي للصادقية، ثم الثانوي بالمعهد العلوي حيث تتلمّذ في مادة الرسم إلى الأستاذ Georges Le Mare الذي كان قد أنجز قبّة كنيسة تونس الكبرى، ولمّا تيقن هذا الأستاذ من شغف التلميذ بالفن التشكيلي نصحه بالاتصال بالرسّام Perika.
موهبة عجيبة
تقول الأستاذة المتخصصة عائشة الفيلالي في الكتاب الأنيق الذي خصصته دار سيريس عام 2002 للفنان يحيى :”لقد خطّط له Le Mare في الكنش المدرسي ليحيى: Talent étonnant, futur artiste أي ما معناه: موهبة عجيبة، فنّان قادم.
ومن حظ صاحبنا أن تتلمّذ في نفس المعهد على الأستاذ الذائع الصيت Alexandre Fichet وهو من هو في مجال الرسم.
لقد ألهته أو بالأحرى أغنته الفنون التشكيلية عن مواصلة دراسته فأخذ يبحث عن شغل لكي يتمكن من إشباع هذه الغريزة المتدفقة: الرسم، فالتحق بإدارة المال التي وفرت له ما لا غنى عنه لإعداد لوحاته التي بدأت تتراكم.
فنان ملتزم
وكان في نفس الوقت يساهم كفنان في الحراك الوطني إذ أنه كان يرسم صورا كاريكاتورية للمستعمر ويصدرها في بعض النشريات وقد كانت تقارير البوليس الفرنسي تكتب عنه وتشير إلى أنّ “ابن الحلاق يحضر بانتظام اجتماعات الحزب الشيوعي التونسي”.
سنة 1923 ساهم يحيى لأول مرة في الصالون التونسي بلوحتين: قبّة الحجّامين وساحة باب سويقة وهذا الصالون مثلما أشار إليه الصديق الأستاذ سامي بن عامر في مقال صادر في غرة ديسمبر 2022 بالقول: ‘هو مؤسسة أحدثها معهد قرطاج سنة 1894 وكان بمثابة الفضاء الملائم لتقديم أعمال الفنانين الفرنسيين والأوروبيين الذين استقروا في تونس خلال فترة الحماية وكانت أوّل مشاركة لفنان أهلي سنة 1912 بواسطة عبد الوهاب الجيلاني ثم يحيى التركي فـ علي بن سالم وعمّار فرحات ولكن هذا الصالون أغلق سنة 1984 بعد أن كان يُقام سنويا بقاعة يحيى”.
لقيت مشاركة يحيى في هذا الصالون استحسانا من قبل النُقّاد وتشجيعا من طرف Fichet رئيس الصالون.
وفي نفس الصالون تعرّف يحيى على Pierre Boyer متفقد الفنون المستظرفة في فرنسا والذي قدم إلى تونس لإنشاء مركز للفنون بدريبة بن عيّاد بتربة الباي فالتحق به وكان أوّل تونسي مرسّم بهذه المؤسسة.
سافر إلى باريس
ولكنه يسأم من الدروس الأكاديمية ويغادر المركز فيلتقي الفنّان الهولندي Isodore Van Mens فيقوم وإيّاه بجولة عبر البلاد التونسية وينجزان كمّا هائلا من اللوحات.
سنة 1976 يسافر إلى باريس ويستقر بجامعها ويعرض في أهمّ القاعات كـ: Galerie Vincent-Galerie Charpentier- و Tedesco بشارع الأوبرا.
وكان إلى جانب ذلك يرتاد المقاهي الثقافية بحي مونبرناس حيث تعرّف على كبار الرسّامين من أمثال Matisse و Foujita ثمّ يعود إلى باريس عام 1931 ليشارك في المعرض المقام هناك للمستعمرات الفرنسية ويوكل إليه إنجاز جناح تونس.
يعود بعد إقامته الباريسية التي دامت خمس سنوات إلى تونس ويستقرّ في حلق الوادي وتنطلق مرحلته الحديثة برسم اللوحات الإشهارية متحصّلا عام 1937 على الجائزة الأولى في هذا المضمار.
عام 1948 يشارك صحبة خلانه في تأسيس “مدرسة تونس للرسم” التي ترأسها في البدء Pierre Boucherle الذي أحال رئاسة هذه المدرسة سنة 1956 إلى يحي وحافظ عليها هذا الأخير إلى آخر رمق من حياته.
كان يقول عن نفسه وهو لا يتحدّث كثيرا: ” طبعا أنا ملوّن وأحبّ الضوء لكنّي أرسم دون خلفيات وبدون أن أهتمّ بالتيارات الحديثة، إنّي أنظر لما حولي وأعمل جاهدا للتعبير عمّا توحي لي به شخوصي وبلدي ومشاهد الحياة اليومية”.
شهادة علي اللواتي
ويقول عنه علي اللواتي: ” إنّ أصالة هذا الفنّان تبرز في إيجاد توازن بين تقنية تشكيلية حديثة وبين حسّ مرهف بالقيم التي يزخر بها محيطه، بالإضافة إلى انفتاحه على تلقائيّة الإحساس الشعبي المرح دون السقوط في السذاجة”.
وتختم عائشة الفيلالي انطباعاتها عن يحي بقولها: ” من المفاتيح الأساسية للولوج إلى عالم يحي هو أنّ مساره الفنّي هو عبارة عن رسّام أهلي في وسط كولونيالي وكان شديد التعلّق بأمّته ولذلك عدّ أوّل رسّام وطني”.
غادرنا رحمه الله يوم غرّة مارس 1969 وبقيت آثاره عالقة إلى الآن في الذاكرة الوطنية، كما خلّدت بلديّة الحاضرة ذكره بإعطاء اسمه لأهمّ قاعة عرض في البلد.




