هنا تطاوين: بعد غياب 4 سنوات..عودة المهرجان الدولي للقصور الصحراوية في حلة جديدة

تقرر تنظيم المهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 29 مارس 2026، في خطوة ثقافية طال انتظارها تهدف إلى إعادة إطلاق شعلة التنوع التراثي والإنساني الذي تمثله هذه الواحة الحضارية الفريدة.ولن يقتصر المهرجان هذه الدورة على موقع محدد،بل سيشمل كافة معتمديات الجهة دون تمييز،في إطار رؤية تنموية شاملة تجعل من الثقافة محركا لجميع المناطق.
يأتي هذا القرار إحياءً لتظاهرة كانت وما تزال علامة فارقة في المشهد الثقافي والسياحي الجنوبي، بعد توقف -قسري-استمر لأربع سنوات أثّر على الحركة الاقتصادية والإشعاع الثقافي للمنطقة.
عودة كبرى
وجاء هذا القرار الحاسم خلال جلسة عمل استراتيجية انعقدت مساء الإثنين 5 جانفي 2026،تحت إشراف والي تطاوين،أمير القابسي، وبحضور كوكبة من المسؤولين المحليين والجهويين،على رأسهم نائب ولاية تطاوين بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم بلقاسم نفيص، والكاتبين العامين المكلفين بتسيير بلديتي تطاوين وتطاوين الجنوبية،والمندوب الجهوي للشؤون الثقافية،وممثلي المندوبيات الجهوية للسياحة والشباب والرياضة،ورئيس دائرة الشؤون الاقتصادية.
الحضور المكثف يؤكد الأهمية القصوى التي توليها السلط المركزية والمحلية لإنجاح هذه العودة الكبرى.
وقد خُصص الجزء الأكبر من الاجتماع للتداول العميق في أمر محوري يعتبر حجر الزاوية لضمان نجاح المهرجان واستمراريته،ألا وهو اختيار وتشكيل الهيئة التسييرية المؤقتة لجمعية المهرجان للفترة القادمة.وفي هذا الصدد،تم التشديد وبكل وضوح على ضرورة اختيار هيئة مسؤولة،قائمة على الكفاءة والنزاهة،تتولى مسؤولية السهر على إحياء هذه التظاهرة الثقافية الواعدة بكل مسؤولية ضميرية وانضباط إداري صارم.هذه الهيئة مطالبة بأن تتحلى بروح العمل الجماعي والشفافية المالية،وأن تكون لديها رؤية إبداعية تقليدية تحافظ على الأصالة مع انفتاح مدروس على العصرنة،لضمان تسيير ناجع يحفظ حقوق جميع الشركاء والمشاركين ويحقق الأهداف المرجوة.
ترتيبات تنظيمية
كما تطرق الاجتماع إلى الترتيبات التنظيمية الأولية والشاملة،مع مناقشة مستفيضة لملف الدعم المالي وآليات الصرف الرشيد،وكيفية تحقيق حسن التسيير الإداري واللوجستي لتجنب أي إشكاليات سابقة.وأكد الوالي أن إعداد البرمجة النهائية الثرية لفقرات المهرجان وعروضه الفنية والتراثية والمعرفية،سيتم بناءً على مقترحات الهيئة الوقتية وبالتنسيق الوثيق مع السلط والمجالس المحلية والجمعيات الناشطة،وذلك تكريسا لمبدأ التشاركية في إدارة الشأن العام وإشراك أهل الاختصاص وأبناء المنطقة،باعتبارهم حماة هذا التراث وأدرى بمكامن جماله.ودعا ( الوالي) إلى تكاتف جميع الجهود الرسمية والمدنية لإنجاح هذه المحطة التنموية الفارقة، والتي تُعتبر قاطرة حقيقية للتنمية الشاملة وعاملاً دافعاً لجلب الاستثمارات الواعية التي تحترم البيئة والهوية.
إرث تاريخي وحضاري عريق
من جانبنا نشدد على أن القصور الصحراوية ليست مجرد بنايات طينية، بل هي إرث تاريخي وحضاري عريق،ووعاء للذاكرة الجماعية،ورافد ثقافي مهم يساهم في إثراء الخارطة الثقافية الوطنية والعالمية.ونؤكد على الضرورة الملحة للمحافظة على استمرارية دورات المهرجان سنويا دون انقطاع، لما تخلقه من حركية اقتصادية واجتماعية وسياحية مستدامة،قادرة على إعادة إحياء المنطقة وإرجاع بريقها كمقصد سياحي وثقافي متميز،عبر الاستغلال الأمثل لمخزونها التراثي والبيئي والثقافي الفريد،وبما يضمن عدالة توزيع عائدات التنمية على جميع أبناء الجهة.
العودة هذه المرة يجب أن تكون انطلاقة جديدة تتسم بالجدية والمأسسة،ليكون المهرجان منارة دائمة تشع بإبداعات الصحراء وتراثها الحي.
هكذا، تعود أنفاس الحياة إلى واحة التراث الحي في أقصى الجنوب الشرقي،لتملأ قصور تطاوين الصحراوية بعد صمت طويل بأنغام الأصالة وحركة التنمية.
إن عودة المهرجان الدولي للقصور الصحراوية ليست مجرد استئناف لتظاهرة، بل هي إعادة إشعال لجذوة الهوية،وتأكيد على أن هذه القصور الطينية ليست حجارة وطينا،بل هي قلوب نابضة بحكايا الأجداد،وأرواح تقاوم النسيان.
نحو انطلاقة حقيقية
لكن هذه العودة الكبرى تتطلب أكثر من برنامج فني مبهر،فهي تحتاج إلى عيون ترى جمال التفاصيل،وأقلاما تخلد اللحظات،وصوتا أمينا ينقل نبض الأرض وأنفاس أهلها.هنا تكمن أهمية الاعتناء بالمراسلين الصحفيين من أبناء الجهة ودعمهم لوجستيا.فهم ليسوا ناقلين للأخبار فحسب،بل حراس للذاكرة،ولسان حال المجتمع، والأقدر على التقاط الروح الخفية للمكان التي قد تغيب عن الغريب.
إن توفير سبل العمل اللوجستي المناسب لهم-من تسهيلات في التنقل والإقامة،إلى إمكانية الوصول للمعلومات والمقابلات-هو استثمار في مصداقية الرواية وعمقها، وهو تكريم لدورهم كشركاء أساسيين في نجاح المهرجان وضمان صدى إعلامي أصيل يليق بعراقة الحدث وجلال الصحراء.
لتكن هذه الدورة إذن، بدعم أبنائها الإعلاميين، انطلاقا حقيقيا نحو مهرجانٍ دائم،يُروى بحروف من رمال الوطن،ويُصوَّر بعيون تعشق كل ذرة من ترابه.لتتحول تطاوين،بقصورها وبناسها وإعلامييها، إلى منارة يشع نورها بعيدا،حاملة رسالة أن التراث الحي حين يُحكى بصوت أهله، يصبح قوة ناعمة تبني الحضارة، وتصنع المستقبل.
متابعة: محمد المحسن




