صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ محمّد الشاذلي النيفر (1911-1997): النائب الفقيه الذي حسم الأمر حول الفصل الأوّل من دستور 1959

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

جاء في ‘الزعامة الصامتة’ للمنعّم باهي الأدغم نشر دار نيرفانا سنة 2019، ص 262: ‘كانت بداية المناقشات في الفصل الأوّل من الدستور عشيّة 14 أفريل 1956 قدّمت بيانا في هذا الصدد يعتبر الدين الإسلامي دينا للدولة والعربيّة لغتها.

ثمّ بعد أن تكلّم العديد من النواب وقع التصويت على صيغة ـ تونس دولة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربيّة لغتها- وذلك بعد موافقة الشيخ محمد الشاذلي النيفر…فمن هو هذا النائب الذي ترجى موافقته على الفصل الأوّل من دستور 1959؟

هو محمد الشاذلي النيفر المولود بمدينة تونس في التاسع والعشرين من شهر جوان من عام 1911، وهو ابن قاضي الجماعة المدرّس بالجامع الأعظم محمد الصادق النيفر (1883/1938) والذي تتلمذ إليه وعنه أخذ أصول اللغة والفقه. هذه المنارة التي يقول عنها في التقديم الذي أهداه إلى والده في تحقيق “مسامرات الظريف بحسن التعريف” لمحمد السنوسي الصادر عن دار بوسلامة لسنة 1983: ” للزيتونة في عنقي مِنَنُُ جِسَام فمنها تخرّجت وبها تلقيت على أساتذتها الأعلام وفيها قضيت شبابي وكهولتي وشيخوختي تدريسا وإدارة، وممّن استفدت منه العلامة النفّاعة المرحوم الوالد”.
وقد رثاه في قصيد يحمل عنوان “دمعة المقروح” نشره في مجلة “الجامعة” في عددها ليوم 10 مارس 1938 جاء فيه:
“مصابك يا شيخ الشيوخ عظيم
وقد ترك رغم الحادثات مقيم
فقد كنت فردا في النبالة واحدا
ففقدك فرد واحد ويتــــــــــيم
نقشتك في عيني، نقشتك في قلبي
وحبّك عندي في الفؤاد صميم”
أحرز على شهادة التطويع سنة 1930 ثمّ العالميّة سنة 1933 ونجح في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى سنة 1953.

مدرّسا وعميدا

باشر التدريس إذن بالجامع وبدار المعلمين العليا وبمعهدي الصادقية وكارنو وذلك حتى سنة 1990 وانتخب في الأثناء عميدا للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين سنة 1977 وأعيد انتخابه سنة 1980، كما أنّه أدار لعدّة سنوات الحي الزيتوني ومدارس سكنى طلبة الجامع.
جاء في كتاب “المعركة الحاسمة” للقائد محمد التريكي الصادر عن دار نيرفانا عام 2021: ” لمّا عقدنا العزم على بعث اتحاد الطلبة عام 1953 واستعددنا للمؤتمر التأسيسي في باريس اعتزمنا تشريك طلبة الجامع فاتصلنا بالشيخ الجليل محمد الشاذلي النيفر وهو مدير الحي الزيتوني لتمكين الأصدقاء رضا السلامي وقاسم عازق وحمادي الغرياني من السفر معنا، فتمّ لنا ذلك ولو بعد جهد”.

إمامة جامع الأقواس

إلى جانب هذه المهام التعليمية والإدارية، تولى المنعّم الشاذلي النيفر إمامة جامع باب الأقواس من سنة 1946 إلى حين وفاته أي على امتداد نصف قرن.
ولقد انخرط منذ بواكير شبابه في الحراك الوطني فساهم بقسط في إحياء جذوة النضال من أجل التحرّر ولقد التقى من أجل ذلك بعديد القادة في الدول الإسلامية حاثّا إياهم على نصرة القضية الوطنية، فلا غرابة أن يُنتخب سنة 1956 عضوا بالمجلس التأسيسي ثمّ بمجلس الأمّة لدورات عديدة امتدّت من سنة 1959 إلى سنة 1989.
تولى رئاسة جمعيّة الشبّان المسلمين في 1939 وكان من قبل ذلك ساهم في تأسيس جمعيّة الزيتونيين عام 1936 والشبيبة الزيتونية عام 1937، كما أنّه أسّس وترأّس رابطة الجمعيات القرآنية إلى آخر حياته وكذلك التأسيس بالنسبة لدار المربّي.

ألقى محاضرات

انتمى إلى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وللمجمع الفقهي بها، كما أنّه ألقى كمّا هائلا من المحاضرات على جلّ المنابر في تونس وخارجها، والجدير بالذكر أنّه كان ملازما لملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر وشارك في أغلبها على امتداد 20 عاما، ولقد أتى الأستاذ عمّار طالبي على أهمّ مشاركاته عندما أقيمت ندوة فكرية في بيت الحكمة ولقد كان الفقيد أحد أعضاء هيئتها العلمية.
لقد أورد طالبي في خاتمة مداخلته عن الشيخ محمد الشاذلي النيفر وجهوده العلمية في ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر نصّ رسالة بعث بها وزير الشؤون الدينية الجزائري عبد الرحمان شيبان إلى الفقيه التونسي يوم 24 ماي 1995 هذا مطلعها:
” إلى سماحة العلامة الجليل المربّي القدوة المؤرّخ الأمين المؤلف المحقّق البصير شيخنا الإمام سيدي محمد الشاذلي النيفر تقديرا لإسهاماتكم الثريّة ووفاء للجامعة الزيتونية المشرقة الأنوار المباركة الآثار والتي كانت منهلا لشيوخنا وفي طليعتهم باني النهضة الجزائرية الحديثة الأستاذ الرئيس عبد الحميد بن باديس”.
من مؤلفات الفقيد “تحقيق موطأ ابن زياد” نشر الدار التونسية للنشر، وهو مثلما يؤكد في تقديم الكتاب: ” مؤسّس المدرسة التونسية بأجلّ مظاهرها التي لا زالت إلى اليوم ممتدّة الفروع ثابتة الأصول حيث ركّز ابن زياد مذهب مالك في هذه الديار وأثر على الأفكار تأثيرا لم يكن لأحد غيره”. وكذلك شرح همزيّة البوصيري و”شرح صحيح في مصطلح الحديث”و”المازري الفقيه المتكلّم” و”مختصر في تاريخ جامع الزيتونة” و”الأنوار السنيّة من خلال الخطب الجمعيّة” و”باردو المنتزه ومدينة الملك”.
لقد كان له شغف بمطالعة الكتب بعد اقتنائها وتخزينها في منزله.
ولقد كنت شاهدا على ذلك فعندما كنت أتردّد على ابنه عياض وهو أقرب رفاقي في اتحاد الطلبة. كنت أفاجأ عند ولوجي من باب مسكنه العائلي بالقرجاني بتراصف الكتب منذ المدخل ولا غرو أن يجمع الشيخ كلّ هذه الذخيرة في إرجاء جزء ملاصق للمسكن ويطلق عليها اسم المكتبة الصادقية، ولقد تمّ أخيرا إهداؤها بطمّ طميمها يوم الجمعة 23 ماي 2015 إلى المكتبة الوطنية وهي تضمّ أكثر من 13500 كتاب من بينها أكثر من 300 مخطوطة، ولقد تفضلت إدارة المكتبة بتسمية القاعة الكبرى للمطالعة باسم محمد الشاذلي النيفر، فجازاه الله خيرا وبارك له في ذرّيته وتلاميذه ومريديه.

شهادة عبد العزيز العروي

من مواقف الشيخ الجريئة ما ذكره عبد العزيز العروي ـ وهو شاهد على العصر ـ في كتاب من تأليف محمد التركي نشر عام 1988.
كتب العروي في جريدة Le petit matin في عددها الصادر يوم 11 ديسمبر 1936 متحدّثا عن ندوة انتظمت حول تعليم البنت التونسيّة: ” أمّا عن الشاذلي النيفر أستاذ بالزيتونة وبالصادقية فإنّه يذهب بعيدا، فهو يستعرض بعض الأحاديث التي تجيز إمامة المرأة وتوليها القضاء” ص 296.
كما أنّ المنعّم أحمد بن صالح تلميذ الشيخ في الصادقية أسرّ لي قبل رحيله بأنّ الفقيه الشاذلي النيفر هو الذي استأنس بآرائه في مجال التنظيم العائلي لمّا تحمّل سي أحمد وزر الصحّة العموميّة عام 1957.
غادرنا الشيخ يوم 4 ديسمبر 1997 ودفن في موكب مهيب بمقبرة الجلاز.
رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنّا كلّ خير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى