نوفل سلامة يكتب: نظام المجال الحيوي في عالم يفقد عقله..


كتب: نوفل سلامة
مصطلح قديم ظهر في البداية مع الإمبراطوريات القديمة التي كانت تسعى للتوسع على حساب أراضي شعوب أخرى بحثا عن مصادر عيش دائمة، ثم ظهر من جديد في العصر الحديث مع النازية…
وبه برّر هتلر غزو ألمانيا للكثير من أراضي أوروبا الشرقية لتوفير فضاءات جديدة تضمن مصادر حياة دائمة للشعب الألماني وهو مفهوم نظّر له الفلاسفة والمفكرون في العصر الحديث من خلال تحويل الدولة من كائن معنوي إلى كائن حي يحتاج لكي يعيش إلى التوسع المستمر، وحتى يضمن البقاء والنمو وهو كذلك سياسة تقوم على فكرة التمدّد والهيمنة كمعطى طبيعي للحياة..
ولكنها في الأخير تنتهي إلى الحروب وارتكاب جرائم بحق الشعوب وكانت الأساس الذي قام عليه الاستعمار القديم.
مفهوم عائد مع ترامب
هذا المفهوم الذي ظن الجميع أنه تم التخلي عنه بعد أن دخلت الإنسانية مرحلة العقلانية وتخلت عن حالتها الطبيعية الهمجية، عاد للتداول من جديد مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يعمل منذ قدومه للحكم على بناء سياسة خارجية واستراتيجية جديدة للأمن القومي الأمريكي تقوم على إعادة تعريف “المجال الحيوي ” بما هو مجال قومي ومجال سيادي لأمريكا، وبوصفه فضاء ممتدا لا يعرف حدودا جغرافية مضبوطة تم الاتفاق عليها بموجب معاهدات دولية…
فضاء جغرافي مفتوح!
وإنما هو في تقدير الرئيس الأمريكي فضاء جغرافي مفتوح تضبطه القوة والمصلحة والاستحواذ على ثروات الأمم الأخرى، وعلى هذا الأساس فإن نظرية المجال الحيوي لا تعترف بسيادة الدول على أراضيها، ولا بالسيادة الترابية للشعوب، ولا بوجود إقليم ومساحة أرض وحدود جغرافية تحترمها الدول وبها يضمن السلم العالمي وبمقتضاها تمارس السيادة الوطنية للشعوب على أراضيها.
منطق القوة والهيمنة
وبهذا التحول الذي تشهده العلاقات الدولية وقواعد السلم العالمي من نظام يحكمه القانون إلى وضع دولي عاد إلى منطق القوة والهيمنة يمكن فهم التوتر الحاصل هذه الأيام بين أمريكا ودولة فنزويلا، والتهديدات التي يُطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتسليط العقوبات الاقتصادية و بالتدخل العسكري تجاه الرئيس نيكولاس مادورو، ومطالبته بالاستقالة والتخلي عن السلطة واتهامه بالمتاجرة في المخدرات وقيادته ما يُعرف
بـ ‘كارتل الشمس’ الذي تصنفه أمريكا منظمة إرهابية تنشط في تهريب المخدرات…وايهام العالم بأن أمريكا لن تسمح بوجود أنظمة حكم متمردة داخل الفضاء الأمريكي في تهديد صارخ لسيادة الدول وتدخل في شؤونها الداخلية..
وفي موقف يبرز التحولات التي بصدد التشكل من خلال ما يقوم به ترامب من إعادة تعريف للمجال الحيوي للدول حيث يعتبر أنه بإمكان أمريكا أن تتدخل في أي بقعة من بقاع العالم باعتبارها عمقا أمنيا لأمريكا إذا ما اتضح أنها تمثل تهديدا مباشرا لأمنها القومي وتهديدا لحياة الأمريكيين وعيشهم وبهذا المنطق يصبح التدخل في فنزويلا وفي غيرها من المناطق مسألة ضرورية وحيوية و لا خيارا وإمكانية يمكن التباحث في شأنها.
عقيدة الاستيلاء!
إن الخطير في هذا التحول الذي تعرفه العقيدة الأمنية الأمريكية في مسألة الأمن القومي، وهذا الخروج على الاتفاق العالمي القائم على الاعتراف بالحدود الجغرافية للدول وفي عدم المساس بأمن وسلامة أراضي الشعوب الأخرى ليس في السعي إلى ضم أو السيطرة على مناطق ذات سيادة معترف بها من قبل الأمم المتحدة وكل الهياكل الدولية والتدخل لتغيير أنظمة حكم منتخبة ديمقراطيا، وتحظى بشرعية وقبول من شعوبها، وإنما في عملية التبرير التي يقدمها ترامب حينما لا يعترض على ما قامت به روسيا من ضمها لمناطق وأراضي تابعة لسيادة أوكرانيا واعتباره أن ما قام به بوتين أمرا مشروعا طالما وأنه يحمي مجال روسيا الحيوي…
وكذلك ما يحصل من استيلاء الكيان الصهيوني على الكثير من الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات فوقها وفي مراجعته للفكرة التي قام عليها النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية من أن القوة تم تقييدها بالمؤسسات التي تم انشاؤها، وبالقانون الدولي والمعاهدات التي أمضت عليها جميع الدول والتي بموجبها تم الاعتراف بحدود الدول وبسيادة هذه الدول على أراضيها المضبوطة بالقانون وخرائط واتفاقيات.
تهديد للنظام الدولي
إن ما يقوم به دونالد ترامب من إعادة رسم العالم برغبته المنفردة واحيائه لفكرة قديمة تخلت عنها الإنسانية لتبرير التدخل في المجال السيادي للدول هو تمش خطير فيه تهديد للنظام الدولي القائم على العقل والعقلانية وعلى القواعد المنظمة للعلاقات الدولية والمؤسسات الدستورية وانتكاسة إلى الوراء وعودة إلى قانون الغلبة لفرض الهيمنة خارج الشرعية القانونية، وبذلك تتحوّل البشرية الى عالم بلا نظام، بل بنظام السيادة فيه للقوة العسكرية وفرض الرأي باستعمال الترهيب والتخويف.
لا معنى للحدود الجغرافية!
ما يحصل اليوم مع إعادة تفعيل نظرية المجال الحيوي أن الحدود الجغرافية للدول لم يعد لها أي معنى وتفقد كل قيمة وتصبح السيادة الوطنية المحمية بالقانون مهددة ورخوة، ويمكن في أي وقت انتهاكها والتعدي عليها بناء على فكرة المجال الحيوي الذي يتيح للدول القوية أن تتمدد وتتوسع على حساب أراضي دول أخرى بدعوة حماية الأمن القومي ومجالها الحيوي وأن تضم مساحات بحرية وبرية إلى حدودها ما دام المجال الحيوي يفرضها؟
ما يحصل اليوم أننا نعيش على وقع سياق عالمي مضطرب فاقد لأي معنى وصورة عالم أنظمة الحكم فيه مهددة بتغيرها بالقوة ومن خارج الشرعية الانتخابية والآليات الديمقراطية وعالم جديد بصدد التشكل يسمح فيه للجيوش الأجنبية أن تعتدي على الحدود الترابية والمياه الإقليمية للدول واحتلالها والتصرف فيها .. ما يحصل هو تعريف جديد للقوة مؤسس على فكرة حماية الذات أو ما عبر عنه ترامب بـ ‘أمريكا أولا’ وترك العالم يتدبر أمر صراعاته الأخرى بنفسه طالما وأنها لا تهدد الأمن القومي الأمريكي ومجاله الحيوي الذي تم إعادة تعريفه.
السيطرة والهيمنة أوّلا
ما يحصل اليوم مع الرئيس دونالد ترامب وعودته إلى نظرية المجال الحيوي أداة ووسيلة للسيطرة على العالم وبسط الهيمنة أن ما تتعرض له فنزويلا وما يحصل من توظيف لملف المخدرات والإرهاب بحق رئيسها هو ذريعة لا غير للتدخل في السيادة الوطنية لدولة فنزويلا من أجل السيطرة على مقدراتها و الاستفادة من الثروة النفطية التي تتوفر عليها..
ومن أجل التحكم في مياهها الإقليمية و الممرات البحرية التي تتوفر عليها في منطقة بدأت تعرف تكتلا قويا مع الصين وتحولات جيوسياسية تعتبرها أمريكا تهديدا جديا لإنهاء سيادتها على العالم.
إن فكرة حماية الذات ونظرية تحصين المجال الحيوي والتدخل في كل وقت تحت عنوان حماية الأمن القومي هو المرحلة القادمة التي سوف يعرفها العالم، والسياق الجديد الذي سوف تخضع له الإنسانية والمرحلة التي سوف يكون عنوانها الأبرز
‘عالم يفقد عقله ويسير في نفق فوضوي مظلم ومن دون معنى’..




