صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ تنوير وتحرير: إدّكار آخر في القرآن الكريم..كتاب جديد لـ محمد القوماني

slama
كتب: نوفل سلامة

في إطار نشاطه الثقافي الذي يعتني بتقديم الكتب والمؤلفات الجديدة، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ندوة فكرية يوم السبت 29 نوفمبر 2025 خصصها لتقديم الإصدار الجديد للكاتب والناشط السياسي محمد القوماني ” تنوير وتحرير : إدّكار آخر في القرآن الكريم ” صادر عن دار الأطرش للنشر..

يحتوي الكتاب الجديد على أربعة فصول ومقدمة بقلم الدكتور حميدة النيفر في حين تولى تقديم الكتاب والتعليق عليه الأستاذ ناجي الحجلاوي.

فتح الجدل

منذ البدء يثير عنوان الكتاب الانتباه ويفتح الجدل حول علاقته بعنوان كتاب آخر، وهو التفسير المعروف للشيخ الطاهر بن عاشر ‘تحرير المعنى السديد و تنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد’، وفي علاقة بثنائية التحرير والتنوير أساسا لبناء تقدم ونهضة وركيزة لبناء واقع إنساني جديد..
واللافت في هذه المسألة أن محمد القوماني قدم مصطلح التنوير على مصطلح التحرير وبصيغة نكرة حيث اعتبر على عكس بن عاشور أنه لا تطور ولا تقدم من دون ثقافة جديدة ومعرفة مختلفة وأدوات فهم ومنهج جديد يكون مواكبا للتحديات وما وصلت إليه المعرفة الإنسانية، والاستفادة من جميع ما توصل إليه العقل البشري في فهم وتفسير النصوص وبرؤية جديدة للنص الديني وبذلك يحصل التحرير الحقيقي للإنسان من كل ما يُكبله وإنتاج وعي جديد في حين يعتبر الشيخ بن عاشور أن تحرير المعنى القرآني من رواسب التفسير القديمة يسبق الوعي، وهو الذي يحقق التنوير في العقول وبالتالي التحرر من كل القيود التي تكبل المسلم وتمنعه من التقدم.

ربط عملية التنوير والتحرير

يتأكد هذا المبتغى عند القوماني في ربط عملية التنوير والتحرير بمفهوم الإدّكار حيث اختار المؤلف هذا المصطلح وفضله على مصطلحات أخرى كثيرا ما تستعمل حينما نتحدث عن القراءة الجديدة للقرآن تكون مختلفة عما وصل إلينا من تفسير القدامى من مثل لفظة ‘تفكّر وتدبّر’ حيث أن مصطلح الإدّكار الذي جاء ذكره في سورة القمر” ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ” الآية 22 يحيل على معنى الفطنة واليقظة والحث على الاعتبار وتحقق وعيا جديدا..
ولعلّ القوماني أراد بهذا المصطلح أن يربط بين المنهج العاشوري في فهم القرآن القائم على تحرير المعاني من رواسب التفاسير القديمة لتحقيق تنوير نحتاج إليه في عملية النهوض الجديد والإحياء الحضاري، ومن أجل صناعة وعي وفهم جديدين للنص المقدّس يكون مدخلا للتغيير الاجتماعي ومقدمة لتطور وتقدم الدولة.

في الإصلاح

الفكرة الأساسية التي يدور عليها الكتاب هو التأكيد على أنه لا وجود لإصلاح سياسي وآخر اجتماعي من دون اصلاح ديني وأنه لا تطور للمجتمع والفرد من دون إصلاح العلاقة مع القرآن على اعتبار أن القرآن بوصفه كتاب المسلمين المقدس والمرجع في حياتهم والمرشد في مختلف علائقهم قد شاب العلاقة به انحراف كبير مؤثر، حتى تحول إلى كتاب جنائز يُقرأ عند الموتى واقتصر حضوره على التعبّد ولم يتجاوز التلاوة في حين صاحب الوحي يُطالب بالقراءة المتدبّرة والفهم التأملي والعلاقة المدّكرة التي وحدها تحقق الوعي وتنتج اليقظة المطلوبة وتحرر الإنسان من كل رواسب الأفهام القديمة التي جاءت في سياقات تاريخية مختلفة وبيئات وظروف مغايرة عن واقعنا الذي يتطلب ويحتاج إلى وعي جديد لا يكون إلا بفهم مختلف للنص الديني.

معارف جديدة

ما يطالب به القوماني هو تطلعات لمعارف جديدة والاستفادة من كل المناهج الحديثة التي أنتجتها المعرفة الإنسانية من أجل تحقيق فهم جديد للنص القرآني وبناء علاقة هادئة وغير متشنجة مع التفاسير القديمة، وما انتجه المفسرون الأوائل من دون القطع مع تراثهم القطع النهائي والبتر الكامل كما يطالب به دعاة إنكار التراث فهو يُعلن منذ البداية بأن مسلكه في هذا العمل هو إعطاء دور مختلف للقرآن يكون متقدما في حياة الفرد المسلم من خلال قراءة وفهم ” إدّكاريه ” سلاحه في ذلك مواصلة المشروع العاشوري نسبة للشيخ الطاهر بن عاشور، حينما بنى تفسيره على فكرة تحرير المعاني القرآنية من قيود التفاسير القديمة وقام بتجاوزها من دون القطع معها على اعتبار أن ما انتجه السلف جزء منه هو ابن زمانه ونتاج بيئته..وقد اندثر من تلقاء نفسه وتجاوزه الزمن وجزء آخر نحاوره وننتقده ونتجاوزه كلما تطلب ذلك، وجزء ثالث لا زال صالحا نعود إليه ونستفيد منه في بناء فهم ومعنى جديدين للقرآن..

فكرة القطيعة الكاملة؟

وعلى هذا فإن فكرة القطيعة الكاملة مع التراث فكرة مدمرة وخطيرة وخطورتها توصل إلى قطع جميع علائق المسلم مع الزمن والثقافة والتراث والهوية، في حين أن ‘المشروع القوماني’ إذا جاز لنا تسمية ما يطرحه في هذا الكتاب مشروعا في بداية تشكله يطرح فكرة مغايرة تقوم على بناء جسور جديدة في التعامل مع القديم والتعامل مع كل الإرث القديم وتراث السلف لا تقوم على فكرة القطيعة الكاملة وإنما على الاعتراف والتجاوز.
ولتحقيق هذا الفكرة وتوضيح معنى التنوير المعرفي بمختلف مداخله أداة من أدوات المنهج وجعله رافعة لتحرير المعنى القرآني من قيود التفاسير التقليدية من خلال تبني منهج جديد للوصول إلى إدّكار ويقظة ووعي لازمين للتقدم يستعين محمد القوماني بـ المفكر محمد شحرور وما توصل إليه في أبحاثه ودراسته للقرآن ورؤيته لفهم النص الديني تقوم على ركيزة اللغة العربية والاعتماد على ترادف الألفاظ فقط للفهم، وهي مقاربة انتجت جدلا كبيرا في العالم الإسلامي بالرغم من كون ما توصل إليه شحرور قد انتج فهما مختلفا للقرآن…

الوصول إلى الحقيقة

كما استعان محمد القوماني بذلك الجدل القديم بين ابن رشد والغزالي حول المنطق الأرسطي والذي انتهى إلى حقيقة أن الخلاف بين الرجلين ليس خلافا حول أهمية العقل والمنطق في الفهم وإنما ضرورة تبني النظر العقلي في الوصول إلى قدر كبير من مراد الله وتأويل يحاول أن يصل الى درجة عالية من حقيقة مراد الآيات القرآنية من دون الاستغناء على الإدّكار العقلي المنطقي، يقول الغزالي ” إن من لم يتقن المنطق لا يوثق في علمه ” على اعتبار أن كل ما نقدمه في فهمنا للقرآن وكل ما نجتهد فيه في الفهم يبقى مجرد تأويل بشري أما التأويل الحقيقي فلا يعلمه الا الله لقوله تعالى “هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله’..

رؤية أخرى في فهم القرآن

إن العرض الذي يقدمه محمد القوماني في كتابه ومشروعه الذي لم يكتمل هو رؤية أخرى في فهم القرآن تقوم على العودة الى فكرة مركزية النص القرآني في فهم مراد الله، وعدم الاكتفاء أو الاقتصار على ما توصل إليه القدامى في فهمهم للنص القرآني، ولكن من دون الغائهم بالكلية والقطع معهم وهذا يعني أن التنوير الذي يطالب به وطالب به الشيخ الطاهر بن عاشور هو أن يفكر المسلم خارج وساطة الآخرين ومن دون وصاية فكرية خارجية.
ما يطالب به القوماني لتحقيق تنوير وتحرير إسلامي هو استعادة العبر العابرة للزمن وأن نخرج من الطابع الخرافي الأسطوري للقصص القرآني وهنا يضرب مثلا على ذلك سورة أهل الكهف وكيف تعامل معها التفسير الكلاسيكي حينما تم تأويل سورة الكهف تأويلا خرافيا عجائبيا يقترب إلى الأسطورة، ولا يقبل به العقل في حين أن قصة يأجوج ومأجوج وقصة دو القرنين تفتح على إمكانيات مختلفة للفهم والمعنى مغايرة عما ذهب إليه القدامى لذلك فإن الإدّكار الآخر هو منهج جديد لفهم القرآن يقوم على الفهم الواسع لدلالات الآيات بأدوات فهم تقوم على المنطق والمعرفة العقلية والمناهج الحديثة وجعل القرآن النواة الأولى والمركزية للفكر والمعرفة.

حدود العقل وامكانياته

الإشكال الذي يعترض العرض الذي يقدمه القوماني لفهم جديد للقرآن فيما يقول إنه استئناف لـ مشروع الطاهر بن عاشور في تفسير القرآن وتجاوز التأويل القديم لمعانيه هو معرفة مقتضيات هذه القراءة الجديدة في سؤال حدود العقل وإمكانياته المتاحة في التعامل مع النص الديني وسؤال القطيعة الكاملة مع التراث بدل محاورته المحاورة النقدية وطرح الأسئلة الجريئة التي طرحها بن عاشور حينما حاور المفسرين القدامى، واستنكر عليهم الكثير من المعاني التي ذهبوا اليها بدل أن يتحول هذا الإّدكار الآخر الذي يطالب به إلى نوع من التأويل الحر المحرر من كل قيد منهجي أو معرفي كما فعل محمد أركون حينما اعتبر أنه في تعامله مع النص الديني يُمارس التسكع المعرفي المنفلت والمتحرر من كل منهج معرفي.
ما أكد عليه القوماني في كتابه أن الإدّكار الآخر للقرآن الذي يقصده ليس استغراقا آخر في القديم وإنما هو مفارقة له من دون قطيعة كاملة معه، وأن القرآن الذي استعمل لغة العرب المتداولة في زمانهم الأداة التي انتجت معان اتفقت مع ما وصلوا إليه من معرفة وأفهام قد فتح الباب واسعا لتحقيق إمكانيات إدّكار أخرى وفق سياقات جديدة معاصرة لكل جيل وكل زمن بحضور العقل والمنطق والمعارف الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى