نوفل سلامة يكتب: شجرة الميلاد وضرورة التحرّر من ضغط القيّم الوافدة


كتب: نوفل سلامة
مع نهاية كل سنة ميلادية يُعاد الحديث حول الاحتفال بمولد السيد المسيح ويُعاد النقاش حول تاريخ مولده، وهل هو في فصل الصيف أم في أيام الشتاء خاصة وأن الكنسية المسيحية مختلفة حول تحديد تاريخ محدد لمولده..
ولكن النقاش هذا العام قد انتقل إلى الفضاء الإسلامي حول ظاهرة بدأت تتمدّد وتنشر بسرعة لافتة في الأسر التونسية من خلال شراء شجرة الصنوبر وتزيينها على شاكلة المسيحيين في الاحتفاء بعد أن أصبحت الكثير من الفضاءات التجارية خاصة تلك الوافدة علينا من بلدان أجنبية توفر شجرة الصنوبر ولوازمها..
ما دواعي الاحتفال؟
وأصبح العديد من التونسيين يقتنون هذه الشجرة ويقيمون احتفالا بمولد النبي عيسى بن مريم عليه السلام في تماه مع ما يقوم به المسيحيون في هذه المناسبة وطرح السؤال حول دواعي أن يحتفل المسلم بهذه المناسبة التي لا تعنيه، وإنما تخص المؤمنين من الديانة المسيحية؟
ومعرفة الخلفية التي تدفع المسلم التونسي إلى تقليد غيره في إقامة احتفال بشخصية لها وقعها الكبير ورمزيتها وحضورها في الفضاء الغربي والذاكرة والمخيال المسيحي؟ وكيف نفهم دخول هذه العادة في حياتنا من دون الوعي بعلاقتها بمسألة الانتماء للإسلام والولاء المطلق لتعاليمه وتشريعاته وقضية احتلال العقل وتوجيهه في الوقت الذي لا نرى فيه المسيحيين ولا غيرهم يحتفون بـ أعيادنا ومناسباتنا الدينية؟
حقيقة الظاهرة
عادة ما تقدم إجابة أوليّة يفسر بها ظاهرة وجود شجرة الميلاد في بعض البيوت التونسية بتحوّل الكثير من التونسيين إلى المسيحية بما يعني أن الاحتفال بمولد المسيح عند البعض هو إيمان وعادة دينية يتبعها كل من يعتنق المسيحية ومسألة التحول الديني، هي مسألة مسكوت عنها ولا تلقى الكثير من الاهتمام خاصة في معرفة حقيقة هذه الظاهرة التي لا نعرف عنها الشيء الكثير والمعطيات حولها شحيحة وعدد المنتمين إليها غير محدد وتحتاج الى دراسة لتبيّن أسباب ما يعرف بتحول التونسي من الإسلام إلى المسيحية.
تقليد أعمى للغرب
ولكن إلى جانب هذا التبرير الذي يحتاج إلى مزيد من البحث، هناك الكثير من التونسيين يقيمون هذا الاحتفال ليس من وراء انتماء ديني ولا لكونهم مسيحيي الديانة وإنما تقليدا للغرب المتحضر المتمدن في نظرهم، والذي فرض علينا عوائده ونمط عيشه وطريقة حياته التي أصبحت عند الكثير من التونسيين هي الحياة المثلى التي وجب الاقتداء بها والسير على خطاها..
فالكثير من التونسيين المسلمين لا يُحرجهم في شيء أن يتبعوا أنماط سلوك مخالفة لعقيدتهم وتصرفات قد تمس من إيمانهم من دون أن يسألوا أنفسهم حول شرعية أو عدم شرعية الاقتداء بقيّم وعادات الآخرين في الوقت الذي لا نجد فيه غير المسلم يحتفل بأعياد ومناسبات المسلمين.
مشكل إيماني حاد
في اعتقادنا إن ظاهرة وجود شجرة الميلاد في فضائنا العربي الإسلامي بقطع النظر عن جانبها الشكلي ورمزيتها في الثقافة المسيحية فهي تنم عن أزمة تدين كبيرة ومشكل إيماني حاد في علاقة بالكيفية التي يتمثل بها اليوم المسلم التونسي دينه، وفي علاقة بالصورة التي تكوّنت لديه عن التدين ونظرته للإسلام كمنهج حياة أم مجرد عادات وتقاليد وفي علاقة بعملية التلوث والخلط الرهيب الذي يعرفه الإيمان في زمن التحولات الذي نعيشه وسياق النمذجة والعولمة التي يريد الغرب المسيحي أن يقيم عليها العالم حيث لا خصوصية ولا ذاتية ولا هوية مستقلة وإنما كل شيء معولم و’مقولب’ ويسير على نموذج واحد وخط سير واحد رسمه هذا الغرب وفرضته حداثته وحتى الإيمان والدين فقد تم تعميمه وفرضه على شعوب العالم..
منظومة قيّم وأخلاق
وهنا لا بد من التنبيه إلى ضرورة الوعي كمسلمين بأهمية تجرد النفس إلى تعاليم القرآن وإبقاء الولاء الدائم إلى شريعة الإسلام كمنظومة قيّم وأخلاق وأفكار وطريقة عيش وإلى كل ما يُميّزنا، وضرورة التحرر بالكامل من ضغط القيّم الوافدة علينا والتي يحرص أصحابها من خلالها على مواصلة هيمنتهم علينا والتحكم في مشاعرنا وذواتنا ونفوسنا والوعي كذلك بضرورة التحرر المطلق من كل الأوضاع الحياتية المخالفة لأوضاعنا القادمة إلينا هي الأخرى من بيئات لا تشبهنا في عملية تنميط المجتمع وجعله تابعا في قيّمه وأخلاقه وسلوكه وحتى إيمانه إلى أفكار وثقافات و مجتمعات أخرى هي من صور الهزيمة الحضارية التي نعيشها في الزمن الراهن حينما نستبطن إيمان الآخرين ونستحضر تدينهم ونجعل الارتباط بالآخر دائما ومتواصلا..
فعملية احتلال النفس والوجدان والتحكم في المشاعر والاستحواذ على الذات هي أخطر من أي احتلال على اعتبار أنها عملية تقع في كنف الهدوء وتسير بكل سلاسة وسهولة من دون أن يشعر الواحد منا بخطورتها في الاحتواء والهيمنة والتبعية في الوقت الذي يطالبنا فيه ديننا بالاستعلاء الإيماني والاعتزاز الديني والتحرر من كل نمط تديّن يخالف تديننا الذي تربينا عليه.
مواطن الضعف
في كتابه مقدمة في علم الاستغراب يتحدث المفكر حسن حنفي عن مكامن القوة التي تحكم العالم اليوم ومواطن الضعف التي تأسرنا وتكبل عالم بلدان الجنوب عن التقدم وتمنعه من انتاج نهضة أصيلة، ويناقش كيف أن الحياة المعاصرة تقوم على ثنائية القوة والضعف وفكرة التكيّف والاندثار في مقابل المقاومة والتمرد على الاحتواء، وكيف أن الحداثة تريد منا أن نتكيف مع واقعها حتى نضمن لأنفسنا البقاء في عالم لا بقاء فيه إلا للأقوياء لذلك فإن المجتمعات العربية والإسلامية في حاجة أن تستفيق من وهم انبهارها بالشاطئ المقابل لشاطئها وأن تصنع وعيا جمعيا بضرورة وضع هذا الغرب المتحكم في حجمه الطبيعي بوصفه مجموعة بشرية قادت تجربة تاريخية تمكنت من خلالها أن تقود بها العالم وأن هذه التجربة هي جزء من الفكرة التي رسخها الاستعمار عن الهيمنة الثقافية والفكرية التي تمارسها..
الغرب ليس نموذجا يُحتذى
لذلك كانت عملية فك الارتباط مع مركزية الغرب للمعرفة والتخلص من عقدة التفوق الأوروبي جزءا من قضية التحرر الثقافي العربي وتحرره من هيمنة الآخر وهذا يحتاج فيما يحتاج إلى إخراج الغرب من موقع النموذج الذي وجب أن يُتحذى به فالغرب ليس مثالًا أعلى ولا يمكن أن يكون المرجع للإنسانية وإنما هو نتاج ظروفه التاريخية الخاصة والتي قد تصلح لبيئته ولكن من المؤكد أنها لا تصلح لبيئات أخرى وثقافات أخرى مختلفة عنه.
يناقش حسن حنفي فكرة تفكيك عقدة الانبهار بالغرب وقضية حتمية التبعية للمركزية الأوروبية وفكرة تحكم المعرفة والفكر الغربيين مدخلا لإعادة بناء الذات العربية المسلمة والتي خضعت لعقود من الزمن إلى عملية افراغ ممنهجة من عناصر قوتها وتحقير قدرتها على الابداع والإنتاج واسترجاع الثقة في النفس والثقة بأن الآخر المسيحي ليس أكثر قدرة منا على التطور والتقدم بقدراتنا الذاتية وانطلاقا من خصوصيتنا الدينية والحضارية والثقافية ومن دون وصايا من الآخر المهيمن.
التحرّر من الوهم
يؤكد حسن حنفي أن قضيتنا ليست فقط سياسية أو اقتصادية، بل فكرية وثقافية بالدرجة الأولى. فالتحرر من هيمنة الآخر يبدأ حين نتحرر من وهم أن الغرب هو المركز الوحيد للحضارة وحينما تحصل لدينا القناعة بأن من أبرز الأسباب التي جعلت العربي يُخفق في بناء نهضة جديدة هي حالة التبعية للمستعمر القديم و الانفصال عن الواقع حينما لا نتعامل معه كما هو و نأتي بنظريات جاهزة وحلول مُسقطة وأنماط حياة قدّت لغيرنا.
يقول أستاذ الفلسفة المصري فؤاد زكرياء نحن مغتربون زمانا ومكانا فأما الاغتراب الزماني فمن خلال بحثنا عن أجوبة لمشاكل عصرنا كتبت في غير عصرنا و الاغتراب المكاني فحينما نستورد إجابات جاهزة من الفكر الغربي ونحاول أن نجعل منها علاجا لأمراضنا وطريقة لحياتنا ونمطا لعيشنا والحال أننا نحتاج إلى إجابات وحلول نابعة من واقعنا ومن عندنا دون حاجة أن نستورد إجابات جاهزة من عند غيرنا.
المشكل أعمق..
نعتقد أن مشكلتنا نحن أبناء الجنوب وشعوب الأمة العربية والإسلامية ليست مع شجرة عيد ميلاد السيد المسيح وإنما فيما أبعد من ذلك وأعمق، فيما تحدث عنه الدكتور حسن حنفي ومما يحصل لنا من هزيمة داخل أنفسنا ومن هيمنة الغرب وحداثته على عقولنا ومما يحصل من عملية إفراغ لكل معنى أصيل متجذر في وعينا وتعويضه بهيمنة غربية مسيحية متحكمة تريد قيادة العالم وتوجيهه كما تريد.




