صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: ثورة لم تنته أسئلتها..

slama
كتب: نوفل سلامة

ثورة مغدورة ، ثورة غير مكتملة، ثورة معطوبة أو معطلة ، ثورة تم التلاعب بها وإفشالها لتتحول إلى ثورة فاشلة، كلها أوصاف ونعوت تلصق بالثورة التونسية كلما جدّ الحديث عن أحداثها ومسارها وتاريخها ويعود الألم والشعور بالخيبة كلما حلت مناسبة جديدة للاحتفاء بذلك الحدث الذي حصل ذات 17 ديسمبر 2010…

عندما أقدم الشاب محمد البوعزيزي بائع الخضار المتجول الذي كان يبيع بقالته فوق عربة متواضعة يجوب بها شوارع مدينة سيدي بوزيد على حرق نفسه وإنهاء حياته التي لم تعد لها معنى عنده بعد أن سئم وضعه المتعب وشعوره بالاحتقار وتزايدت ملاحقة السلط له ومضايقته أينما حل وأينما وضع عربته الصغيرة في شوارع مدينته…

الغضب انتشر سريعا..

لتندلع على إثر هذا الحدث الذي كان من الممكن أن يمر دون ضجيج كبير ويتم احتواءه بسرعة لولا اندلاع مظاهرات شارعية كبرى رفعت فيها شعارات ضد ظلم السلطة الحاكمة، واحتجاجات أخرى لم تتوقف تطالب بإسقاط نظام الحكم لينتقل الغضب الشعبي إلى مدن أخرى وتتوسع رقعة الغضب والرفض ويمتد بسرعة غير منتظرة حتى وصل يوم 14 جانفي 2011 إلى قلب العاصمة ليتوج هذا الحراك الشعبي الذي دام أسابيع بمظاهرة كبرى أمام مؤسسة سيادية لها رمزيتها في المخيال والذاكرة الشعبية قرر على إثرها الرئيس الراحل زين العابدين بن علي مغادرة البلاد والتخلي عن حكم وُصف بالاستبداد والديكتاتورية وبعشريات حكم وُصفت بزمن الجمر لكثرة الملاحقات الأمنية والأحكام القضائية والتضييقات على حرية الرأي و التعبير والظلم الاجتماعي والتسلط الذي كان يمارسه الحزب الحاكم وأفراد العائلة الحاكمة والمقربون منها وكل المستفيدين من منظومة السلطة الحاكمة.

مرحلة ‘انتقال ديمقراطي’..وعبث الـ 10 سنوات

ومنذ تلك اللحظة التاريخية دخلت البلاد في مرحلة انتقال ديمقراطي ومسار سياسي لإرساء الدولة الديمقراطية التي تطلع إليها الجميع وحلمت بها أجيال كثيرة ببعدها الحقوقي والاجتماعي..غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلا نتيجة لما عرفه المسار الانتقالي من هزات وانتكاسات ودخول البلاد في منعرجات وتقلبات خطيرة كادت تعصف بالدولة لأسباب كثيرة ليس مجالها هذا المقال..
وحصلت القناعة عند الجميع بعد عشر سنوات من الصراعات والمناكفات بين الأحزاب السياسية التي تداولت على الحكم، وتلك التي كانت خارج السلطة أن البلاد تحتاج إلى مخرج من أزمتها الحادة وإلى حل يُنهي حالة العبث وحالة الفوضى التي عمّت كل شيء في البلاد فكان حدث 25 جويلية 2021 منعرجا سياسيا ضروريا لا بد منه و انعطافة حاسمة تحمس لها الجميع وباركتها أغلب الأحزاب السياسية وطيف واسع من أبناء الشعب رغم حساسيته الدستورية وسؤال مشروعيته عند البعض الآخر…

مسار جديد

المهم والمفيد أن البلاد بعد حل البرلمان وإيقاف العمل بدستور 2014 دخلت في مسار جديد عُرف بتصحيح مسار الثورة واستئناف أهدافها ومواصلة كل الآمال والطموحات التي خانتها وتخلت عنها النخب و كل من حكم بعد الثورة ومواصلة كل الوعود والشعارات التي تأسس عليها الحراك الثوري، وخاصة مطلب التشغيل والكرامة و الحد من مظاهر التهميش وتقليص الفجوة بين المركز والدواخل والحد من مظاهر الفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية وتحقيق تنمية عادلة بين الجهات وتوزيع عادل للثروة وتحسين وضع المناطق المهمشة والمنسية والتي اقصتها دولة الاستقلال وتخلت عنها حكومات الثورة…
وفي كلمة كان مسار 25 جويلية وعدا بإنجاز كل الشعارات التي قامت عليها الثورة وخاصة شعارات العدالة الاجتماعية.

أسئلة كبرى

واليوم بعد مرور خمس عشرة سنة على قيام الثورة و أربع سنوات من منعرج مسار 25 جويلية، فإن رهانات الثورة الأولى لم تتحقق وأسئلتها الجوهرية لم تنته بعد وما زالت شعاراتها الملهمة قائمة ومازالت مطالب من قام بها هي الأخرى قائمة لم تلب، وكل الخوف أن تتواصل الوعود من دون أفق لتحقيقها ولا رؤية واضحة لإنجازها والخوف الآخر أن تواصل الثورة الانتظار بأسماء جديدة وعناوين مختلفة ما لم نُغيّر طريقتنا في التفكير… وما لم نضع برنامجا واستراتيجية حقيقية وواقعية للتنمية يقوم على معطى مهم أشارت إليه التقارير الدولية…

غياب ثلاث محركات

مثل تقرير البنك الدولي الذي أوضح أن الإصلاحات الكبرى التي تحتاجها بلدان مثل تونس والتي مرت بحالة ثورية لا تتوقف على النقص في التمويلات ولا القلة في الموارد المالية وإنما إلى غياب ثلاث محركات أساسية للتطور والنهوض: الأول يتمثل في وجود هشاشة مالية إذ كيف يمكن لبلد يعيش على التمويلات الخارجية والاستدانة من البنوك وبلد يخصص حصة كبيرة من موارد ميزانيته لسداد ديونه التي يحل أجلها والتي تمثل عبئا ثقيلا على الدولة وعاملا معطلا للتنمية وما يُعرف بارتفاع خدمة الدين يمثل اليوم عائقا كبيرا يحول دون تمويل المشاريع الكبرى من بنية تحتية ومشاريع اجتماعية حيوية يحتاجها المواطن فتخصيص نسبة هامة من أموال الخزينة العامة لسداد الديون هو عامل مانع من القيام بالكثير من الإصلاحات التنموية وتقديم الخدمات الاجتماعية المطلوبة وتحقيق التنمية العادلة من دون أن تقلص الحكومة في تمويل نفقاتها العامة.
ثاني المحركات المفقودة تعود إلى مسألة ضعف الحوكمة ونقص آليات المراقبة والمتابعة للمشاريع المطلوبة، وهنا يمكن الحديث عن الإجراءات المطولة والمعقدة التي يتطلبها إنجاز الصفقات العمومية والنقص الكبير في منظومة المتابعة والمراقبة للأشغال العمومية مع طول آجال الإنجاز التي من شأنها أن تتسبب في تآكل منسوب الثقة عند الناس وفي قدرة الدولة على الوفاء بوعودها.
ثالث المحركات المفقودة هي انعدام الثقة في المسؤول السياسي وتراجع منسوب الأمل في صدقيته في تحقيق الوعود بتحسين الأحوال خاصة وأن المعادلة التي تحكم الشعب بالحاكم وتحدد العلاقة بينهما سلبا وإيجابا تقوم على المحافظة على المقدرة الشرائية للناس في مقابل التخفيض في الأسعار أو على الأقل زيادات مدروسة في المواد الأساسية مع وضع عقد اجتماعي جديد يقوم على قاعدة المكاشفة والمصارحة وعلى توفير الخدمات الاجتماعية بالقدر الكافي المطلوب.

المطلوب: خطوات عملية

ما أردنا قوله أنه لا يكفي أن نحتفي كل مرة بالثورة وأن نعيد التذكير بمطالب أصحابها وانتظارات من قام بها وأن نتحدث عن خيانة الفاعل السياسي لاستحقاقات الثورة وإنما المطلوب اليوم خطوات عملية برؤية واضحة ومشروع وطني واقعي وبرنامج حقيقي وخطة عمل دقيقة، تقوم على تبني منوال تنمية جديد وسياسات تنموية جديدة بتمويل واضح وميزانية مكتملة لا تعرف ثغرات ولا نقص في مواردها، ميزانية لا تقوم على الاقتراض من البنوك الأجنبية المتحكمة والتي تفرض شروطها واملاءاتها علينا وميزانية لا تذهب أغلب مواردها لسداد الديون التي يحل أجلها وهذا يتطلب نظرة جديدة للاستثمارات الخاصة والعامة، العمومية والأجنبية وقواعد حوكمة صارمة تبسط الإجراءات وتضبط آجال التنفيذ وتحدد المسؤوليات وتحقق متابعة ومراقبة علنية للمشاريع مع عقد اجتماعي جديد يقوم على فكرة استعادة الدولة لدورها الاجتماعي الذي فقدته خلال السنوات الماضية.

القطع مع القديم

ما أردنا قوله هو أن المسار الجديد لن ينجح ولن يحقق غاياته وهو القطع مع الماضي والقطع مع السياسات التنموية القديمة ويحقق عدالة اجتماعية حقيقية إلا إذا تحولت كل الشعارات التي لا تزال تُرفع إلى اليوم وتذكرنا بأيام الثورة الأولى إلى طرقات فعلية ومستشفيات جاهزة ومدارس مؤهلة ومياه شرب نظيفة ومضمونة ونقل محترم وعمومي واستثمارات تخلق الشغل وتوفر فرص عمل بالقدر الكافي ومنوال تنمية ينهي القطيعة مع الدولة والفجوة بين الجهات المحظوظة والمناطق المهمشة ويعيد الثقة في المسؤول السياسي ويحافظ على قدر محترم من المقدرة الشرائية ما يسمح لكافة أفراد الشعب من العيش في كنفه الاطمئنان وراحة البال على المستقبل. ودون ذلك فإن الثورة سوف تظل أسئلتها قائمة وإجاباتها مؤجلة إلى زمن لاحق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى