صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ في تقديم كتاب مولدي القسومي ‘الانتقال المجتمعي المعطّل’: هل تحتاج الثورة لتنجح أن يكون الشعب جاهزا لها؟

slama
كتب: نوفل سلامة

في زمن غير عابر وحدث مازال ملهما وفي توقيت له رمزيته في ذاكرة الشعب التونسي، ارتأت نقابة الصحافيين التونسيين أن تحيي ذكرى اندلاع الثورة التونسية وأن تعيد قراءة أحداثها التي انطلقت شرارتها يوم 17 ديسمبر 2010 بحرق محمد البوعزيزي بائع الخضار نفسه احتجاجا على الظلم والاحتقار الذي تعرض لهما من سلطة الدولة…

وتوجت يوم 14 جانفي 2011 بعد أن وصلت من الهوامش والمدن الداخلية إلى العاصمة بمغادرة الرئيس زين العابدين بن علي البلاد لتنتهي معه مرحلة كاملة من تاريخ تونس، عرفت فيها الاستبداد والحكم الفردي، ومنذ تلك اللحظة الفارقة دخلت البلاد في مسار جديد اصطلح على تسميته بمرحلة الانتقال الديمقراطي الذي لم يتواصل طويلا وفشل بعد سنوات قليلة، وتعثّر أثناء الطريق لأسباب عديدة فيها المركب وفيها ما هو مُعقد وفيها المتداخل مع عوامل أخرى، وفيها الجانب الشخصي الذاتي المتعلق بالفاعلين السياسيين أنفسهم، وفيها العامل البيّن والواضح وفيها عوامل أخرى كثيرة…

انتقال ديمقراطي متعثّر؟

ولمناقشة سؤال الثورة والتعرف على الأسباب التي جعلت من الانتقال الديمقراطي انتقالا فاشلا ومتعثرا أو تم إفشاله وإجهاض مساره أو غير ذلك من التوصيفات التي اطلقت على مرحلة كاملة دامت حوالي عشر سنوات، فتحت نقابة الصحافيين التونسيين مقرها لاحتضان ندوة فكرية يوم 17 ديسمبر 2025 خصصت لتقديم الإصدار الجديد للباحث في علم الاجتماع المولدي القسومي ‘الانتقال المجتمعي المعطل قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلفة’ تولى تقديم الكتاب الأستاذ حمدي أونينة في حين قام بالتعقيب الأستاذ الأمين البوعزيزي.

أسئلة حارقة

الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي معرفة كيف ولماذا لم ينجح الانتقال الديمقراطي للثورة التونسية؟ وما هي العوامل المؤثرة في هذا الفشل ما جعل الثورة التونسية لا تحقق أهدافها؟ وهل كان المجتمع جاهزا للثورة ومستعدا إلى حياة ديمقراطية؟ وهل كُنّا في حاجة الى ثورة أم إلى مسار إصلاح للدولة والمجتمع؟
الخلاصات التي انتهى اليها المولدي قسومي بعد تحليل معمق استغرق أكثر من 600 صفحة هي عدد صفحات الكتاب استعان فيها بالكثير من نظريات علم الاجتماع وأدوات التحليل ومناهج البحث في فهم مثل هذه الظواهر الاجتماعية، أن العامل الرئيسي في تعثر المسار الانتقال الديمقراطي في تونس يعود إلى عدم جاهزية المجتمع إلى الثورة وغياب الإعداد النفسي والذهني اللازمين لمواصلة الثورة واحتضان مسار الانتقال الديمقراطي والصبر على منعرجاته ومنعطفاته وهي كثيرة وعادية في كل الثورات..وفي عدم قدرته على إجراء قطيعة كاملة مع منظومة الحكم القديمة..

مسار مجتمعي مُعطل

وهذا يعني أن المؤلف يُحمّل المجتمع مسؤولية فشل المسار الثوري وتعثر الانتقال الديمقراطي ويسميه بالمسار المجتمعي المعطل، والذي عطله هذا المجتمع الذي كان حسب رأيه في بنيته الذهنية وتركيبته وحالته النفسية جاهزا لعملية إصلاحية أكثر من قيامه بثورة بكل ما تحمله من معاني القطيعة الجذرية مع القديم…
وهذا التحليل يؤدي إلى نتيجة أن المجتمعات الناضجة والجاهزة هي التي تقدر أن تحقق انتقالا ديمقراطيا بعد الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية وفي الحالة التونسية فإن المجتمع التونسي لم يكن جاهزا ولا مستعدا لإنجاح الانتقال المجتمعي من حالة استبدادية الى حالة يعرف فيها حياة ديمقراطية…

لماذا هذا التعطل؟

ويواصل المؤلف في هذا التحليل فيعتبر أن الانفجار الاجتماعي الذي بدأ يوم 17 ديسمبر 2010 وتواصل حتى سقوط رأس النظام يوم 14 جانفي 2011 لم يرافقه مجتمع له من الوعي الكافي بضرورة أن يتوفر عامل الصبر وعامل طول النفس وعالم القطيعة مع القديم، وأهميته في إنجاح الثورة وهو بهذا التحليل يُقصي عوامل أخرى كانت أكثر تأثيرا من دور الشعب أو المجتمع المصطلح الذي استعمله ويُحبذ استعماله لتفسير عوامل الفشل والتعثر في احتضان الثورة، والسير بها حتى تحقيق أهدافها كعامل المنظومة القديمة التي لم يقع تفكيكها وبقيت تشتغل في كنف الهدوء وفي غفلة من الفاعلين السياسيين الماسكين بزمام مرحلة ما بعد 2011…
وهنا يأتي دور الدولة العميقة وقوى الجذب إلى الوراء التي بقيت وفية لمنظومة الحكم التي قامت عليها الثورة وكذلك عامل المستفيدين من منظومة حكم بن علي من أصحاب الريع الاقتصادي، والذين لعبوا أدوارا حاسمة في افشال المسار الثوري وجانب كبير من المنظومة الإعلامية التي لم تساعد كثيرا مرحلة الانتقال الديمقراطي ونجحت بأدائها وبما تقدمه من محتوى في جعل الشعب يكره الثورة ويأسف على القيام بها وعامل الطبقة المثقفة التي بقي جانب كبير منها محافظا وخائفا على وضعه وموقعه، واختار الحياد وانسحب من الفعل العمومي وكذلك الأحزاب السياسية التي ركزت بالكلية على الجوانب الحقوقية ومسألة الحريات وكتابة النصوص التشريعية وغلبت الصراعات السياسية والرغبة في الحكم…

هذا من دون أن ننسى أو نغفل عن خطورة العامل الخارجي الذي كان حاسما في افشال الثورات وما حصل من تدخل القوى الأجنبية التي لم تكن قابلة بالثورة ولا راضية على حصولها، وقد فعلت كل ما يلزم وأكثر لإجهاض الثورة وإفشال مرحلة الانتقال الديمقراطي..

وفي هذا المستوى من الحديث عن الفاعل الأجنبي وعلاقته بفشل الثورة وتعثر مرحلة الانتقال الديمقراطي أو المجتمعي يأتي الحديث عن ظاهرة الإرهاب وعن تدمير الثورة من الداخل وعن تحريك هذا العامل الذي نجده حاضرا باستمرار في كل عملية تغيير وتطوير يقوم بها المجتمع، فـ دخول الإرهاب إلى تونس في زمن الثورة لم يكن عاديا ولا معقولا وإنما كان صنيعة وصناعة الآخر الذي قرر التعجيل بغلق قوس الثورة وقوس انتقال المجتمع من حالة الاستبداد الى حالة الحياة الديمقراطية.

قابلية المجتمع

يعتبر المولدي قسومي أن كتابه هذا هو خامس كتاب ضمن مشروع كامل ومتكامل في فهم ما حصل في تونس ذات 17 ديسمبر 14 جانفي وأنه قد تعرض بالشرح والتحليل إلى كل العوامل الأخرى التي ساهمت وكانت وراء تعثر المسار الثوري وفشل الانتقال الديمقراطي غير أنه في هذا الكتاب قد ركز فقط على دور المجتمع وجاهزيته في إنجاح أو افشال الثورة، وقد استعان بفكرة القابلية من فكر مالك بن نبي ليطرح سؤال مدى قابلية المجتمع التونسي للثورة وقابليته لإنجاح الانتقال الديمقراطي؟ ليجيب بأن المجتمع التونسي لم يكن جاهزا ولم تكن له القابلية لإنجاح مرحلة الانتقال المجتمعي من حيث الإعداد النفسي والذهني وطبيعة الشخصية التي تقبل بالإصلاح التدريجي بدل القطع الجذري مع القديم.

قراءات كثيرة

في الحقيقة فإن كتاب الانتقال المجتمعي المعطل هو كتاب مفتوح على قراءات كثيرة ويثير في القارئ الكثير من القلق الذهني ويفرض طرح الأسئلة المتشنجة في مسألة لها حضورها الدائم عند الكثير من أفراد الشعب خاصة عندما نبحث في الجهاز المفاهيمي الذي استعمله ونسأل عن معنى الجاهزية أو نتساءل عن معنى القابلية عند المجتمع، خلال اللحظة الثورية التي تمر بها الشعوب والمجتمعات هل يمكن أن نتساءل هل كان الفاعلون الاجتماعيون جاهزين للثورة أو لديهم القابلية للصبر على مرحلة الانتقال الديمقراطي؟ هل يمكن أن نطلب من الشعوب التي أرادت التخلص من الاستبداد أن يكون لها من الوعي العقلاني لتخطي مطبات ما بعد الثورة وأن نطلب منها أن تبقى وفية لهذه اللحظة الثورية العفوية؟

مسؤولية جماعية

ما يبقى من هذه الندوة الفكرية حول كتاب مهم في فهم ما حصل في تونس بعد رحيل الرئيس بن علي وفهم كيف ولماذا فشل كل الأمل في بناء واقع أفضل من وضع الاستبداد أن المولدي القسومي يٌحمّل المجتمع بكل مكوناته وعناصره الفاعلة مسؤولية تعثر الانتقال المجتمعي ومسؤولية التعطل الذي حصل وإلى ذهنية مجتمعية متحكمة هي من يعيد إنتاج الاستبداد و عقلية وثقافة قديمة متوارثة، تبحث عن الأمان بدل الحرية… وأن المجتمع الذي لا يقدر أن يدافع عن ثورته هو مجتمع يتسبب في إفشالها وأن الشعب التونسي في تكوينه وذهنيته كان يطلب الإصلاح مكان الثورة وأن مشكلتنا في الانتقال المجتمعي أن المجتمع التونسي هو مجتمع ما بعد تقليدي وما قبل حداثي وأن هذه الطبيعة تجعل منه مجتمعا يميل أكثر للمحافظة والإصلاح بدل الثورة..

أسئلة عالقة

ما بقي من هذا اللقاء الفكري بعض الأسئلة دون أجوبة من قبيل هل صُممت الثورة خارج طموحات الشعب؟ و هل يكون الانتقال الديمقراطي من دون أن نقلل من دور من قام به أو نبخس جهدهم قد قدّ لترويضه نحو إفشاله وغلق قوسه وليس لأن المجتمع لم يكن جاهزا له؟
هل يكون التعطيل الذي تحدث عنه الكتاب في عدم قدرة الفاعل السياسي ومن تسلم مهمة اكمال أهداف الثورة على خلق توازن جديد بعد تعطيل التوازن الذي كان يحكم مرحلة بن علي؟
كيف نفهم أن أهم الثورات التي حصلت في التاريخ لم يكن المجتمع فيها جاهزا لها ولا مستعدا ولا يملك القابلية للمرور إلى مرحلة التحول والانتقال وإنما الشعوب التي حدثت بها ثورات كان أغلب أفرادها أميين؟ هل كان المجتمع التونسي يحتاج إلى عقلانية الحداثة الغربية وتحقيق النظام الحداثي على نمط المجتمعات الأوروبية أم كان يطلب أمنه الاجتماعي وأن يعيش في أمان اقتصادي لا غير؟
هذه أسئلة حائرة ستظل تراود عقولنا وتطل علينا في كل مناسبة نتحدث فيها عن ثورتنا المغدورة ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى