عبد اللطيف الفراتي يكتب: قدم على طريق المستقبل


كتب: عبد اللطيف الفراتي *
ما يمس التعليم وتكوين الأجيال المقبلة يعتبر بناء صلبا على طريق المستقبل، تعتبر في غاية الأهمية، وهي بناء الأساس هي حجر الزاوية من القرارات بشأنها تكيف مستقبل بلادنا وحياتنا، وتضمن رقينا وازدهار أجيالنا.
إنها ليست قرارات مادية، ولكنها قرارات تدخل في تشكيل العجينة التي سيتشكل منها وعي أبنائنا رجال الغد.
وعلى أهمية كل القرارات والإجراءات المعلنة فنحن سنتوقف هنا عند أمر يبدو لنا مهم جدا ، ولا تنبع أهميته فقط من تصدره قائمة القرارات والإجراءات الكثيرة التي ستعمل على النهوض بتعليمنا قاعدة نهضة بلادنا، بل من قيمته الذاتية المنبعثة منه.
وإذ العنوان ينبع من إرادة تحسين جودة التعليم الأساسي ، فإن هذا الهدف اتخذ كوسيلة لذلك أساسا وليس فقط الاهتمام بمستوى اللغات.
إتقان اللغات
ولا أذكر هنا من القائل بأن إتقان اللغة ـ اللغات عموما ـ هو الطريق إلى السيطرة على العلوم كلها ، ولكن يبقى واضحا بأنه بدون أداة لغوية سليمة ومستوعبة ، فإنه لا يمكن تصور التفوق والإمتياز في المجالات العلمية ما كان منها إنسانيا أو علميا ، نظريا أو تطبيقيا.
ومن هنا فإنه من الوضوح بمكان أن الأداة اللغوية ، هي القاعدة التي بدونها لا يمكن تصور تطور في الفهم وبالتالي تطوير البلاد عموما.
ولعله وجب التوقف هنا عند الفقرة التي تنص على ” الشروع في تدريس اللغتين الفرنسية والإنقليزية بداية من الثانية والثالثة أساسي، وتدريس بعض المواد باللغات الأجنبية”.
وإذ من المفترض والمنطقي أن يتواصل الإهتمام باللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية ، وتطوير مناهج تدريسها ، وتحقيق مكتسبات فيها للطفل منذ صغره ، فإنه يبدو واضحا أيضا أن هناك نية محمودة للشروع مبكرا في تدريس اللغة الفرنسية واللغة الإنقليزية.
‘أميّة’ القرن الواحد والعشرين
ويبدو أن أمر الفرنسية مفروغ منه باعتبارها لغة حضارية تنويرية لا مجال للنقاش فيها، فإن الجديد ولا شك ما يبدو اليوم من اهتمام مستقبلي باللغة الإنقليزية ، واعتمادها مع العربية والفرنسية كلغة للعلوم ، نتيجة للوزن الذي اتخذته عالميا، وباعتبار أيضا ما حازته من أهمية في المعاملات الدولية تجارية كانت او سياحية ، صناعية أو علمية إلى غير ذلك من مجالات التعامل في العصر الحديث.
ألم يقل القائل إن من يجهل التعامل مع فنون الكمبيوتر واللغة الإنقليزية هو أمي القرن الواحد والعشرين ، ونحن نسعى لرفع الأمية عن أنفسنا في هذا المجال أو ذاك وخاصة عن أجيالنا اللاحقة.
وإذ تدخل اللغة الإنقليزية المعروفة بسهولتها بقوة هذه المرة ، فإن المرء لا يمكن أن يتجاهل ما أحرزته اللغة الفرنسية من مكانة ناتجة عن أسباب تاريخية ، وصعوبة أن يقع ركنها على الأقل في الوقت الحاضر.
غير أن نجاح تلقين اللغة الإنقليزية كلغة مستقبل، ولغة معاملات ، ولغة انفتاح على العوالم الخارجية الواعدة لا بد أن يمر عبر تعبئة قوية وشديدة، تتمثل في المدرسة من جهة وهي وعاء نقل المعرفة من جيل إلى جيل ، ولكن المحيط والعائلة من جهة أخرى، فالمحيط لا بد أن يوفر الأدوات اللازمة لاستعمال هذه اللغة حتى تكون لغة حياة لا فقط لغة تخاطب داخل الفصل الدراسي، والعائلة كذلك عبر التأطير الضروري للمتعلمين ، وعدم اعتبار لغة شكسبير ، كمادة ثانوية لا يهم النجاح فيها من عدمه.
تجنيد عام
ولذلك فإن القرارات التي تهم العناية مستقبلا بهذه اللغة في الإطار المدرسي عبر الأجهزة المتاحة حاليا والتي يجدر تطويرها العددي والنوعي، لا بد أن تكون مرفقة بتجنيد عام حتى تأخذ مكانتها، إن لم نقل مكان اللغة الفرنسية المتراجعة عالميا، فعلى نفس المستوى على الأقل.
إن المستقبل مرسوم بوضوح، ولغة شكسبير ستكون لغة الريادة واكتساح مجالات التجارة والعلوم والتقنيات ، لغة الثقافة والفلسفة والطب والإنفتاح اللامتناهي على الجديد في كل المجالات، ولذلك فلا بد أن تأخذ مكانتها الكبيرة في المجال التعليمي أسوة ببقية الدول بما فيها الدول الفرنكوفونية والتي استطاعت في زمن قصير أن تفرض هذه اللغة كلغة ثانية في بلدانها بعد لغتها الوطنية.
إننا أمام رهان ليس علينا إلا كسبه، لأن المستقبل هو للقادرين على تعاطي اللغات وخاصة اللغة الإنقليزية و اقتحام عوالم جديدة من شروطها أن نكون جاهزين للتفاعل مع الواقع الجديد الذي فرضته العولمة ، هذه العولمة والتي مهما كانت إرادة الفكاك منها قوية فإنها أمسكت برقابنا ، مهما كانت بلداننا.
القرارات الجديدة و بقطع النظر عن النواحي الأخرى الهامة تندرج في السياق التاريخي والواقعي وهي بذلك عنصر من عناصر الإنفتاح على الغد بكل متطلباته وما ينتظره منا.
إن الفئة النشيطة من أبناء هذه البلاد غدا ، هي تلك التي تجلس أو ستجلس على مقاعد الدراسة اليوم أو غدا، ولعلنا بمثل هذه القرارات أعددنا لهم العدة ليواجهوا نوعية الحياة التي سيعيشون مسلحين بما ينبغي لهم من سلاح العلم والمعرفة..
* كاتب صحفي رئيس تحرير اسبق
* [email protected]




