هادي دانيال يكتب: تطلُّع إفريقيا إلى مقعد دائم بمجلس الأمْن يرتطم بالجدار الصهـ.يو ـ أمريكي


كتب: هادي دانيال
على مدى أربعة وأربعين عاماً مِن الحرب الباردة (1947-1991) بين الغرْب بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكية وبين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي السّابق كانت القارّة الإفريقيّة على هامش السياسة الخارجيّة الأمريكيّة التي تعاملَتْ معها آنذاك مِن مَنظورٍ ضيّق أمْنيّاً وتجاريّاً…
يقتصِر أمْنيّاً على دعْم الحكومات الإفريقيّة المُوالية لواشنطن أو على مُواجَهة الحركات الإفريقيّة اليساريّة، وينحصِر تجاريّاً بِعَدِّ إفريقيا سُوقاً واعدة وينابيعَ ومَناجِمَ لِمَوارد استراتيجية كالنِّفط والمعادن النادرة، على الرّغم مِن أنّه إضافة إلى غِنى هذه القارّة بالموارد الطبيعيّة فهي ذات مَوقِع استراتيجي يربط بين المُحيطَين؛ الأطلسي والهندي.
حضور صيني كبير
وبنهاية الحرْب الباردة تضاءلَ أكثر اهتمامُ الولايات المتحدة بإفريقيا إلى أن استفاقَتْ على حُضُورٍ اقتصاديٍّ صِيني بتوسيع مشاريع بكّين في البنْية التحتيّة والاستثمار وعلى نفوذ عسكري رُوسي بصفقاتِ السلاح وشركاتِ الأمْن الخاصّة، يُسربلان القارّة بأسْرها. وقد أخذ هذا الاهتمامُ الأمريكي المُتأخِّر نسبيّاً بُعْداً أمْنيّاً، خاصّة بَعْد أحداث 11سبتمبر 2001 و إدراج المخابرات الأمريكية مناطق مثل القرْن والساحل الإفريقيّين ضمْن خارطة بُؤَر الإرهاب العابر للحدود.
ولكن حتى في هذه الحال لم تنظرْ واشنطن إلى العلاقات مع الدُّوَل الإفريقيّة بمنظور “التنمية المشتركة” كما زعمَتْ إداراتُها المُتعاقِبة بِمَنظور تبعيّةِ أمْنِ تلك الدُّوَل ورَهْنِه بِمصالِحِ وسياساتِ واشنطن، خاصّة بعد أن أنشأت “القيادةُ العسكريّةُ الأمريكيّةُ لإفريقيا (أفريكوم) مُبْقِيَة مقرَّها الرئيس في “شتوتغارت” بألمانيا بَعْد أن رفضَتْ الدُّوَلُ الإفريقيّة استضافتَها على أراضيها، خَوْفاً مِن تكريسٍ مُعْلَن للوصاية الأمريكيّة، لاسيّما وأنّ “أفريكوم” لم تُخْفِ أنّ أبرزَ مَهامّها حماية المصالح الأميركية، والتنسيق الأمْني مع جيوش دُوَل القارّة بِذريعة مُكافحة الإرهاب.
قواعد أمريكية متعددة
وباستضافة أوغندا تدريباتٍ عسكريّة لِتُشاركَ بقوّاتٍ ببعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال بدأ نشاطُ واشنطن في إفريقيا وُصُولاً إلى إقامة 29 قاعدة عسكريّة رئيسيّة بينها قاعدة طائرات مُسيَّرة و20 معسكراً يتبعون “أفريكوم” التي بات أمْن الاتحاد الإفريقي على شراكاتٍ معها، إضافة إلى إبرام اتفاقيّات يتمّ بمُوجبها تخصيصُ مساحاتٍ للعمل ضمْن مَرافِق الدُّوَل الإفريقية المَضيفة مِمّا يُبيّن مدى عَدَم مصْداقيّة شعارَيّ “الاستقلال الأمْني” و”حُلول إفريقيّة لمشكلات إفريقيّة” اللذين يرفعهما قادةُ الاتحاد الإفريقي خاصّةً وأنّ الأخيرَ يَعتمد في أكثر مِن 60% مِن مِيزانيّتِه التّشغيليّة والبَرامِجِيّة على مُساهَمَاتِ مانِحين خارجِيِّين، أبرزهم الولايات المتّحدة، والاتّحاد الأوروبّي، ومُؤسّسات ماليّة غرْبيّة.
ففي القاعدة الأمريكيّة بجيبوتي وحدها ينتشر أكثر مِن 5000 جندي أمريكي بينما في شمال أفريقيا ينتشر أكثرُ مِن 6000 جندي مِن أبناء العَمّ سام. ومع العقدَين الأوَّلَين مِن القرن الحالي (21) تحوّلت السفارات الأمريكيّة في الدُّوَل الإفريقيّة مِن مبانٍ عاديّة إلى مَبانٍ ضخْمة وقِلاعٍ لنشاطاتِ المُخابرات الأمريكيّة تضمّ عدداً هائلاً مِن المُوظَّفِين الأمريكيّين والمَحَلِّيِّين في القارّة السمراء التي يَصِفُها دبلوماسِيُّو واشنطن الآن بأنّها ‘حلبة حرْب المُستقبَل’.
وبَينما يؤدِّي حُضور الصين وروسيا اقتصاديّاً وعسكريّاً إلى تَمتينِ البُنى التحتيّة للدُّوَل الإفريقيّة وتَصليبِ جُيوشِها الوطنيّة الهشّة عسكريّاً فإنّ هذا السُّلوك الأمريكي بتوسيع النفوذ العسكري في القارّة يُفضي فقط إلى تَمزُّقها عَبْرَ التدخُّل الخارجي في الشُؤون الداخليّة لِدُوَلِها وإشاعة “الفوضى الخلّاقة”.
ذرائع ‘الفوضى الخلّاقة’
وفي هذا السِّياق لا بُدّ مِن الانتباه إلى أنّه عندما كان اهتمامُ السياسة الخارجيّة الأمريكيّة بإفريقيا ثانويّاً كانت القارّةُ خاليةً تماماً مِن شَبَحِ الإرهاب ومُنظّماتِه ولكنْ ما أنْ أنْشِئَت “أفريكوم” حتى بادَرَت المُخابراتُ الأمريكية بِنَشْرِ المُنَظّمات الإرهابيّة على غرار “القاعدة” و”داعش” و “بوكو حرام” و”حركة الشباب” إلخ، على امتداد القارّة، كي تكون هذه المنظّمات الإرهابيّة ذرائعَ واشنطن كي تتدخَّل عسكريّاً وأمْنيّاً وسياسيّاً في شُؤونِ الدُّوَل التي تَستهدِفُها.
إذا كانت بكين وموسكو تُنَسِّقان نَشاطَهما على امتداد القارّة الإفريقيّة لِدَعْم استقلال دُوَلِها وتَحصينِها في مُواجَهة خَطَر التدخُّلات الأمريكيّة، فإنّ تل أبيب تَدْعَم واشنطن في نَشْر الفوضى في عموم إفريقيا لِجَعْلِها تابعةً للسِّياسة الصهـ. يو ـ أمريكيّة عبْر العالَم.
اهتمام الكيان بافريقيا
بدأ اهتمامُ الكِيان بإفريقيا بَعْدَ مُؤتمَر “باندونغ” لسنة 1955 الذي رَفَضَ عُضويّة “إسرائيل” في المؤتمر لا كدَولة أسيويّة ولا كدَولة افريقيّة، بسبب مَوقِف الدُّوَل العربيّة الحاسم في عَزْل “إسرائيل” آنذاك. وقد اعتمدَتْ تل أبيب حِينَها ما يُسمّى “اتحادات نقابات عمل إسـ.رائيل/الهستدروت” والوكالةَ اليهودية التي أنشأتْها المُنظَّمة الصهـ. يونيّة العالمية، وبالتنسيق مع الدول الغربيّة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لكسر الحصار العربي والتغلغل إفريقيا.
واعتمدت تل أبيب للتمكُّن مِن التسلُّلِ الهادئ والوُصُول إلى دوائر الحكْم الإفريقيّة، الخُبَراءَ والمُدَرِّبين الأمْنِيِّين عبْر مُؤسَّسَتَيّ “مَجموعة مير” و”بْلاك كيوب” الاستخباريّتَين الإسرائيليّتين لتدريب الجُنود المَحلِّيّين، واللتَين نَسَجَتا علاقاتٍ في الأوساط السياسيّة الإفريقيّة، وبدأتا بِنَشْرِ الفِتَنِ واستثمارِ الصِّراعات بين الدُّوَل الإفريقيّة المُستقلّة حديثاً عن الاستعمار الأوروبّي. وبَدْءاً مِن أوغنْدا التي كانت مُرشَّحَة لِتكونَ وَطَناً قوميّاً لليهود قَبْلَ صُدور وَعْد بلفور سنة 1917 بأن تُبْتَلى فلسطين بوطأة هذا ‘الوطن القومي’ الصـ. هيوني. بَدْءاً مِن أوغندا التي شهدت ما سُمِّيَ “عملية عنتيبي” التي نفّذَتْها منظمة “المَجال الخارجي” التي كانت قد انشقَّتْ بزعامة وديع حداد عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وذلك باختِطاف طائرة فرنسيّة على مَتْنِها 248 راكباً إلى مطار عنتيبي الأوغنْدي في الرابع من جويلية 1976، فأطلَقوا سراحَ جميع الركّاب عدا اليهود، وطالبوا بالمُقابِل بتحرير أسْرى فلسطينيّين مِن السجُونِ الإسرائيليّة. حِينئذٍ تمّ نقْلُ ما يُقارِب الـ 100 جندي مِن القوّات الخاصّة الإسرائيليّة إلى أوغنْدا لتنفيذِ عمليّة الإنقاذ.
لِيتواصَلَ التّعاوُن العسكري بين تل أبيب وكامبالا بعد إتمام العمليّة، وحتى الوقت الراهن. وكان ذلك نقطة انطلاق اهتمام تل أبيب بضرورة وُجُود عسكري إسرائيلي في إفريقيا مِن خلال تقديم الاستشارات العسكريّة مِن مُتقاعِدِيّ الجيش الإسرائيلي، فَضْلاً عن توسيع نشاط الشركات الأمْنيّة الإسرائيليّة في إفريقيا والمُشاركة بتدريب وحدات النّخْبة مِن جُيُوش دُوَل القارّة. وتطوَّرَ الأمْرُ إلى تصدير الأسلحة الإسرائيليّة إلى الأطراف المُتنازِعَة، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر نذكر ” الدّوْر الإسرائيلي البارز في الحرْب الأهليّة بين قبيلَتَي التوتسي والهوتو، حيث زوّدَتْ تل أبيب الجيش البورندي والرواندي بالسلاح. وذلك إضافة إلى دعْمِها للحركة الانفصالية في جنوبِ السودان الذي انْفصَلَ لاحقاً عن السودان – فقد ذَكَرَ تقريرُ بعْثة مَجلِس الأمْن الدولي إلى جنوب السودان في أوت 2015، بأنّ البعْثة قد وَجَدَت أسْلِحةً إسرائيليّة الصُّنْع.
كذلك ساندت إسرائيل إثيوبيا في صِراعِها مع الصومال فيما يُعرَف باسم “حرب أوجادين” عام 1977، وكذلك دعَمَت كلّاً مِن إثيوبيا وإريتريا في الحرْب الإثيوبيّة الإريتريّة 1998، حيث دَعَمَت إسرائيل إثيوبيا في بداية الحرْب لِمَنْعِ استقلالِ إريتريا – كانت إسرائيل مَدفُوعةً بِفِكْرةِ أنَّ استقلالَ إريتريا يُحوِّلُ البحرَ الأحمرَ إلى مِياهٍ عربية بالكامِل – ثُمَّ عادت إسرائيل إلى دَعْم الجبهة الوطنيّة لتحرير إريتريا ضدّ إثيوبيا وذلك بعد إقامة علاقات قويّة مع إريتريا كان أبرَز علاماتها عِلاج الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي في تل أبيب.. إلخ”.
اختراق كبير
لقد تمكّنت “إسرائيل” مِن اختراق الدوائر الأمْنيّة الأفريقيّة، بالمُدَرِّبِين الخاصِّين، وخاصّة الدوائر الأمْنيّة اللصيقة بِقادَةِ الدُّوَل والحكومات ، وبِحُلولِ عام 2024، أشارت التقاريرُ إلى أنّ قوّات الكوماندوز الإسرائيليّة تُدَرِّبُ قوّاتٍ مَحَلِّيّةً في أكثر مِن 12 دولة إفريقيّة. وقد تَضَمَّنَ التدريبُ القِتالَ الحضري وتَعلُّم الكراف ماغا، وهُوَ فَنٌّ قِتالِيٌّ طَوَّرَتْه قوّات الجيش الإسرائيلي، ويتمّ تجنيدُ دُفعات جديدة للوحدة كلّ بضْع سنوات، حيث يتولّى المُدرِّبُون الإسرائيليّون تدريبَهم وتزويدَهم بأسلحةٍ إسرائيليّة. هذا فَضْلاً عن تقديم خدماتٍ استخباريّة للأنظمة الحاكِمة. وهذا مَكّنَ “إسرائيلَ” مِن تَثبيتِ أو إزاحةِ بعض الأنظمةِ الإفريقيّة بِشكْل غيْر مُباشر بالتنسيق مع الولايات المتحدة أو بِطَلَبٍ مِنها. بل تعاظمَ النفوذُ الإسرائيلي ليس فقط ببلوغ حصّة إفريقيا 3% مِن إجمالي مَبيعات السلاح الإسرائيلي في 2024، بل بإقامة أكثر مِن 12قاعدة عسكريّة جَويّة وبَحريّة وبَرّيّة واتِّصاليّة تَجَسُّسِيّة في القرْن الإفريقي وخاصّة في أرتيريا. يُضاف إلى ذلك كلّه التواجُد في مناطقِ تأثيرٍ استراتيجيّة تُحقِّقُ المَصالِحَ الحيويّة للكيان الصهيوني (مَنابع النِّيل، الممرّات البحريّة، المَعادِن النادرة، النِّفْط والغاز…إلخ).
يَقومُ الخِطابُ الإسرائيلي المُوجَّه إلى الدُّوَل الإفريقيّة على زَعْم التّشابُه بين المِحَن التاريخيّة للأفارقة مع الاسترْقاق والاستعْمار، وبين مُعاناة اليهود مِن التمييز في أوروبّا التي اختُتِمَت بالهُولوكوست. وعلى الخَطَر المُشْترَك الذي يجابهُه حاليّاً كلا الطرفين، أي الإرهاب والتطرُّف. وتسعى تل أبيب بذلك إلى مُواجَهة التأثير العربي- الفلسطيني والحَدّ مِن تأثير السرْدِيّات الدّاحِضَة للسَّرْديّة الإسرائيليّة. كما أنّ وُجُودَ قوّاتٍ إفريقيّة سَبَقَ وأنْ تدرّبَتْ على أيْدي الإسرائيليّين ضمْن “القوّات الدوليّة لحفْظ السلام” على حُدُود فلسطين المُحتلّة مع سوريا ولبنان يخدمُ الطرَفَ الإسرائيلي، ناهيكَ عن أنّ الدُّوَلَ الإفريقيّة التي أبْرَمَت الاتفاقيات الأمْنيّة والعسكريّة مع تل أبيب والتي جاوز عددُها الأربعينَ دولة إمّا تُمارس الحيادَ السلبي إزاءَ القضيّة الفلسطينيّة أو تتخذ مّواقفَ عدائيّةً تُجاه الحقّ الفلسطيني في المَحافل الدوليّة كما فعلت الكاميرون وكينيا وغانا والكونغو الديمقراطيّة. بل وَصَلَ نُفوذُ تل أبيب إلى إدْراج “إسرائيل” كعضو مُراقب في الاتحاد الإفريقي مُتّكئةً بذلك أيضاً على الخلافات البَيْنيّة العربيّة خاصّة بَعْدَ مؤامرة “الربيع العربي” المُتواصِلة وغِياب الاستراتيجيّة العربيّة المُوحّدة تُجاه القارّة الإفريقيّة، وأيضاً التقارُب العربي الإسرائيلي، سواء مِن خلال اتّفاقيّات “التسوية السلْميّة” المُوَقَّعة أو مِن خلال التفاهُمات غيْر المُعلَنةَ، والتي تستثمرُها “إسرائيل” في تطوير علاقاتها مع الدُّوَل “المُساندة للقضيّة الفلسطينية”، دُون أن ننسى دَوْر اللوبي اليهودي الصهيوني الفاعِل، والمُكَوَّن مِن رِجال الأعمال الإسرائيليّين، ومِن أبناء البلدان الأفريقيّة اليهود.
على الرُّغْمِ مِن كُلّ هذا النّشاط الصـ. هيو أمريكي الشَّرِس، ومع أنّ دُوَلاً عربيّة إفريقيّة مُتواطئة مع هذا النشاط الذي ما فتئَ يُدَمِّر مَصالحَ شُعوب القارّة السّمراء، فإنّ دُوَلاً إفريقيّة كُبرى أو وازنة كالجزائر وجنوب إفريقيا وتونس لا تزال تعترضُه نَظَراً للإرْث النّضالي التاريخي لِدُوَل شعوبها ضدّ الاستعمار الغربي، ولصورة الكيان الإسرائيلي، الذي طالما ساند وتعاون مع نظام الفصْل العنصري في جنوب أفريقيا، ولِمُمارسات “إسرائيل” ككِيان فصْلٍ عُنصُريٍّ واضطِهادٍ للآخَرين، بما في ذلك العنصريّة ازاء اليهود مِن أصُولٍ أفريقيّة، وتُجاه اللاجئين الأفارقة، ولِوُجُود العديد مِن الدُّوَل الإفريقية سواء العربية أم غيْر العربية، التي لا تزال تساند الحق الفلسطيني وتعدّ “إسرائيل” كيانَ احتلالٍ عُنصُريّاً، وكذلك لِتقاطُع مَصالحِ عَدَدٍ مِن الدُّوَل الإفريقية مع مَصالح دُوَل عربيّة. وقد لُوحِظَ ذلك خاصّة بِمَواقف الشُّعُوب وبعضُ الدُّوَل الإفريقيّة التي دانت حرْبَ الإبادة التي شَنَّتْها “إسرائيل” على قطاع غزّة منذ عامَين ونيّف.
وعلى الرُّغْم مِن تَمَكُّن الولايات المُتّحدة مِن إجهاض أيّ دَور كان يُفترَض أن تقوم به المُنظَّمات الإقليميّة ذات العلاقة بالقارّة الإفريقيّة كالاتحاد الإفريقي الذي يُموِّل الغرْبُ ميزانيّتَه وكجامعةِ الدُّوَل العرَبيّة المُرتهنة مالِيّاً وبالتالي سياسيّاً أيضا لعملاء الغرْب، وليست منظمة مؤتمر الإسلامي أبْعَدَ منهُما عن نفوذ ذات الدوائر، فإنّ إفريقيا لا تزال ترنو إلى أن تكون مُمثّلَةً في مَجلِس الأمْن بعضو أو عُضوَين دائمين لهما حق النَّقْض إضافة إلى خمسة مقاعد غيْر دائمة. ليس فقط لأنّ 28% مِن الدُّوَل الأعضاء بِمنُظمة الأمم المتحدة أفارقة، أو لأنّها ثاني أكبر قارّة مِن حيث عَدَد السُّكّان وتزخر بثروات هائلة فوق الأرض وتَحتَها وبِمكانةٍ جيو استراتجية استثنائيّة، بينما نجد أنّ الأعضاءَ الخمسةَ الدّائمين، واحداً عن آسيا وواحداً عن أمريكا واثنين عن أوروبا والخامسَ باسطاً جناحيه وغارساً قدَمَيه شرْقاً في آسيا وغرْباً في أوروبا، وهؤلاء يُقرِّرون مصائر شُعوب ودُوَل إفريقيا التي تُهَيمِنُ أزماتها وقضاياها وكوارثُها وحُروبُها البَيْنيّة على جداول أعمال مؤسسات منظمة الأمم المتحدة بدءاً مِن مجلِس الأمْن، والتي تُشَنّ عليها الحروبُ بأشكالها العسكريّة والاقتصاديّة والإعلاميّة والحقوقيّة والدبلوماسيّة والسياسيّة والثقافيّة مِن الخارِج الغرْبي أو بِتدبيرٍ مِنه، بدون أن يكون لها مُمثِّلٌ نافذ ويملكُ حَقَّ النّقْض، وبالتالي كان ولا يزال مَجلِسُ الأمْن فاشلاً في إيجاد حُلولٍ عادلة وناجعة ودائمة لأزماتها وقضاياها بَدْءاً مِن التغيُّرات المناخيّة وانعدام الأمْن الغذائي واللاجئين وصُولاً إلى الحُروب الإرهابيّة والبَيْنيّة والاستعماريّة.
على مقاس دول عظمى
صحيحٌ أنّه عندما تأسَّسَت الأمَمُ المتّحدة في عام 1945، كان مُعظَمُ الدُّوَل الإفريقيّة تحت نِيْرِ الاستعمار الغربي، لذلك واجَهَت الدُّوَلُ الإفريقيّة غبَّ استقلالها حقيقةَ أنّ مِيثاق الأمم المتحدة قد أنشئ على مَقاساتِ مَصالح القوى العُظمى التي انتصرت على النازية والفاشيّة والانكشارية العثمانيّة في الحرب العالميّة الثانيّة فاحتكرَت العضويّة الدّائمة وحق النّقض في مَجلِس الأمْن، والتي لا تعدّ نَفْسَها مَعنيّةً بِوُجُودِ مُمثِّلٍ لإفريقيا أكثر دِراية بالعوامل الثقافيّة واللغويّة والدّينيّة والجُذُور العرْقيّة التي تتصدّرُ أسبابَ النّزاعاتِ الإفريقيّة، و بَعْدَ مُرور ثمانية عقود على هذه الحال ليس مَقبولاً تجميد قارّة بأكملها في زَمَنِ الاستعمار الغرْبي. فالولايات المتّحدة تُراهِنُ على أنّ الأفارقة قد لا يُوفَّقوا باختيار دَولة تُمثِّلُ قارّتهم، بل هي تخشى أنْ يُوَفَّقُوا إلى اختيارِ مُمَثِّلٍ حريص على استقلال دُوَلِ القارّة وقرارها وسياساتها اقتصاديّاً وثقافيّاً وأمْنيّاً وعسكريّاً، ولا يجِدُ رئيسٌ أمريكيٌّ حَرَجاً حين يُصرِّحُ بأنّ امتلاكَ دولةٍ إفريقيّة حَقّ النقْض قد يضرُّ بِمصالِحِ الدُّوَل الخَمْس دائمةِ العضويّة، في القارة الإفريقيّة، كاشفاً بذلك عن استراتيجيّة الولايات المتحدة الأمريكيّة وعَزْمِها على أن تبقى إفريقيا مُستكِينةً للذلّ والإهانة تنظرُ بِعُيونِ العَجْز إلى كرامتها تُداس وإلى ثروات دُوَلِها وشُعوبِها تُنهَب وتُنْقَل إلى خارجها. وعندما تُفاجأ بأنّ قُوىً خارجيّة غيرها كالصِّين ورُوسيا تُسَخِّرُ إمكاناتها للنُّهُوض بالقارّة وشُعوبِها ودُوَلِها تحت سَقْف المَصالِح المُشتَرَكة لا تتردَّد في دَفْعِ القارّة إلى الفوضى وعَدَمِ الاستقرار، يُعاضدُها في ذلك الكِيانُ المَنذور للشرِّ المُطلَق والتَّوَحُّش غيْر المَسْبُوق عبْر العالَم.
لا مجال للتعديل!
إنّ التذرُّعَ بأن المادة 108 مِن مِيثاق الأمَم المتّحدة تَنصُّ على أنّ تَعديلَ مِيثاق الأمَم المُتّحدة، يتطلّبُ دَعْمَ جميع الأعضاء الخمْسة الدائمين والحُصُول على أغلبيّةِ ثُلثَيّ الدّوَل الأعضاء في الجمعيّة العامّة للأمَم المُتّحدة، مَعناه أنّ واشنطن ورُبّما إلى جانِبِها بريطانيا وفرنسا، سَتَحُولُ دُونَ هذا التّعديل، كي لا تحصل إفريقيا على مقعدٍ دائمٍ مع حَقّ النّقْضِ. وبالتالي على البَشَريّة وليس إفريقيا فقط أن تنتظِر حَرْباً عالميّة جديدة تُسفِر عن مَوازين قُوى جديدة رُبّما حِينها يتمّ تمثيلٌ عادِلٌ لِشُعوبِ ودُوَلِ قارّاتِ الكوكب. أو على الدُّوَل الأعضاء المُتضرِّرة مِن واقِعِ الحال أن تَنسحِبَ فرادى أو جماعاتٍ مِن مُنظّمة الأمَم المُتّحدة الحاليّة إلى مُنظّمةٍ بديلةٍ بِميثاقٍ أمَمِيٍّ عادلٍ ولا يكون مقرُّها على أراضي دُوَلٍ يَعدُّ قادَتُها أنفُسَهُم قُضاةَ العالَم وشُرَطَه.
ولا يخفى على عاقِلٍ أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل بَطَلتا حُرُوبِ الإبادة وجرائمِ الحرْب والجرائمِ ضدّ الإنسانيّة مِن أفغانستان والعراق وليبيا ولبنان إلى غزّة والضفّة الغرْبيّة ومعهم شركاؤهم بهذه الجرائم عبْرَ العالَم، كانوا ولا يزالون خارِجِين على القانون والشرعيّة الدَّوْلِيَّين وعلى مِيثاقِ الأمم المُتّحدة، ولا يُقيمون وَزْناً لذلك القانون و تِلكَ الشرعيّة أو لِهذا المِيثاق إلّا عندما يخدم أهواءَهُم ويكون سَيفاً مُسْلَطَاً على رِقاب الدُّوَل والشُّعُوب المُستضعَفة.
شريعةِ الغاب دوليّاً
فَواقِعُ الحال أنّ الأمَمَ المُتّحدة ومِيثاقَها باتا غِطاءً لِمُمارَسات شريعةِ الغاب دوليّاً، فَهُما لم يتمكّنا مِن إيقافِ حرْبٍ واحدة مادامَت واشنطن أو تل أبيب طرفاً مُباشرا أو غيْر مُباشر فيها مِن فلسطين المُحتلّة إلى السودان ومِن أوكرانيا إلى لبنان فضْلاً عن تهديد فنزويلا وإيران. وبالتالي فإنّ الولايات المتحدة وحليفتيها الأوروبيّتين في “مجلس الأمن” جَعَلوه مِن أسماءِ الأضداد، فهو لم يطفئ حَرْباً ولم يَفرِضْ سلاماً على أيّ مِن قارّات هذا الكوكب المَنكُوب بسرطان السِّياساتِ الصـ .هيو أمريكية.




